نواقض الأخوة

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-09-06 - 1436/11/22
عناصر الخطبة
1/ مفسدات الأخوة بين المسلمين 2/ مضارّ الحسد وسوء الظن بالمسلمين 3/ التحذير من تنافر القلوب وتباغضها 4/ سوء الإفراط في المعاتبة واللوم 5/ مخاطر النظر إلى السلبيات دون الإيجابيات 6/ من أعظم أسباب الفرقة والخلاف بين المسلمين.

اقتباس

إن من أعظم أسباب الفرقة والخلاف بين المسلمين: تتبع العورات، وتصيد الزلات، والتزيد في الاتهامات، وإساءة الظنون، واتهام النوايا، والمشي بالنميمة.. والتهويش والتحريش بين المسلمين، وإثارة المعارك الكلامية، وكلّ ذلك لا يخدم مصلحة أهل الإسلام، وإنما هو سهم من سهام الشياطين، وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "إن الشيطان قد يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الرحمن الرحيم، من اعتصم به فقد هُدي إلى صراط مستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وخلفائه الراشدين وصحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

 

عباد الله : لقد أرسل الله -تعالى- نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- رحمةً للعالمين ليجمع على الإيمان قلوب المؤمنين، وليزيل من قلوبهم كل أسباب الشحناء وليطهّر نفوسهم من كل أسباب البغضاء ليكونوا إخوانا متحابين.

 

روى البخاري ومسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ها هنا"، ويشير إلى صدره ثلاث مرات "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، وقال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

 

أيها المسلمون: تضمنت هذه الأحاديث أحد عشر نهيًا يؤدي العمل بها إلى ائتلاف القلوب وصفائها بين المسلمين، وإلى البعد عن الاختلاف والشحناء بينهم، كما أن مخالفتها نقض لعقد الأخوة بين المؤمنين، فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث"، المقصود بالظن هنا هو التهمة التي لا سبب لها، وهو الظن السيئ فإنه من الإثم والباطل قال -عز وجل-: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 13]، وقال سبحانه: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [النجم: 28].

 

فعلى المسلم أن يحذر من ظن السوء، وأن يحمل أخاه على أحسن الوجوه ما وجد إلى ذلك سبيلاً، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً".

 

وقال سعيد بن المسيب: "كتب إليّ بعض إخواني أن ضَعْ أمر أخيك على الأحسن ما لم تُغْلَب".

 

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث"، أي ما ينشأ عن الظن مما لا يطابق الواقع.

 

وقوله: "ولا تحسسوا ولا تجسسوا"، قال العلماء: "التحسس الاستماع لحديث القوم، والتجسس البحث عن العورات، وقيل هو التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يُقَال ذلك في الشر".

 

قال الخطابي معناه: "لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها".

 

وقوله: "ولا تحاسدوا"، أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد هو تمني زوال النعمة عمن لديه تلك النعمة، وهو سخط على الله في فضله ونعمته واعتراض على قسمته (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) [النساء: 54].

 

إن الحاسد حينما يرى نعمة الله على غيره قد ظهرت فإنه يغتمّ ويهتمّ، ويتمنى النقمة لصاحب النعمة ويفرح بالمصيبة عليه قال -عز وجل-: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران:120].

 

وكل ذي نعمة محسود، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "ما كانت نعمة لله على أحد إلا وجدت لها حاسدًا، ولو كان الرجل أقوم من القدح -وهو السهم- لما عدم غامزًا، إلا ما ذكر عن التواضع فإنه نعمة قل مَن يُحسَد عليها".

 

قال المبرد: "النعمة التي لا يُحسَد صاحبها عليها التواضعُ، والبلاء الذي لا يُرحَم صاحبه العُجْب، ولعل السبب في كون المتواضع لا يُحسَد على تواضعه؛ لأن التواضع في نظر المستكبر ذِلّة وصَغَار وهو في الحقيقة عزة ورفعة".

 

أيها المسلمون: الحسد داء يضرّ بالجسد وسبب لهبوط منزلة الحاسد فلا يمكنه الحصول على بغيته، فالحسود لا يسود، ولن يبلغ المقصود.

 

وقوله عليه الصلاة والسلام: "ولا تناجشوا"، والنجش هو أن يزيد الرجل في قيمة السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما قصده نفع البائع على حساب المشتري، أو مضرة المشتري المحتاج، وهو من أسباب البغضاء، ومن الإعانة على أكل المال بالباطل، ومن الغشّ للمسلمين، فلا يجوز لك أيها المسلم أن تزيد في ثمن سلعة ما عند المزايدة إلا إذا كنت تريد شراءها حقيقة لك أو لغيرك.

 

وقوله: "ولا تباغضوا" أي: لا تفعلوا أسباب البغضاء فيما بينكم من السبّ والسخرية والغيبة والنميمة، وإن من شرار الناس المشائين بالنميمة المتبعين لأهوائهم، فلتحذر يا عبد الله أن تبغض أخاك من أجل أمره لك بمعروف أو نهيك عن منكر، فتبغضه من أجل أن وعظه لا يوافق هواك فتكون ممن اتبع هواه بغير هدى من الله.

 

وقوله عليه الصلاة والسلام: "ولا تدابروا"، والتدابر هو التهاجر والتقاطع؛ فإن كلا من المتقاطعين يولي صاحبه دُبُره، ويعرض عنه ولا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (أخرجه مسلم). فكن خيرًا من صاحبك.

 

قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "قيل للإعراض مدابرة؛ لأن مَن أبغض أعرض، ومن أعرض ولَّى دُبُره، والمحب بالعكس".

 

وقوله: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض"، معنى ذلك أن يقول الإنسان لمن اشترى سلعة في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثل هذه السلعة بأقل أو أجود منه بثمنه.

 

 فاتقوا الله يا عباد الله، وليقنع المسلم بما آتاه الله، ولا يحسد عبدًا من عباد الله على ما أعطاه الله من فضله.

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره"، فقوله "لا يظلمه" أي: لا يجوز له ظلمه بقول أو فعل أو ترك، بل يسعى في نصحه وإعطائه حقه وعدم الاعتداء عليه، وقوله: "ولا يخذله" أي: لا يترك نصرته وإعانته إذا استعان به في دفع الظلم عنه، وهو يقدر على دفع ذلك.

 

وقوله: "ولا يحقره" أي يستصغر شأنه من أجل أنه أقل منه في علمه أو سنه، أو في دنياه أو في مركزه ومنصبه، أو في جاهه ونسب أو في قبيلة وعشيرة، فإن الاحتقار منشؤه الكبر والاستكبار والله لا يحب المستكبرين. وقد قال -عز وجل- (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].

 

ولقد توعد النبي -عليه الصلاة والسلام- مَن كان في قلبه كِبْر، بقوله: "لا يدخل الجنةَ مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقيل له: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا؟ فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" (رواه مسلم).

 

وقوله: "بطر الحق" أي: رده ودفعه إلى قائله، وقوله: "وغمط الناس" أي: احتقارهم وازدراؤهم، وكفى بالاحتقار شرًّا أن يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

 

وقوله عليه الصلاة والسلام: "التقوى هاهنا"، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، يدل على أن نظر الله -تعالى- إنما هو إلى القلوب والأعمال لا إلى الصور والأموال، فيفيد أن الإيمان أصله في القلب، وأن ثمرته على الجوارح، فالإيمان قول وعمل، واعتقاد وحب وبغض في الله وفعل وترك، ولا يكفي من الإيمان التحلي ولا من الإسلام التسمي، ولا من الأعمال التمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 102 - 103].

 

اللهم أصلح قلوبنا، وسدِّد ألسنتنا، واجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، ووفقهم لما يرضيك (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبدُ الله ورسوله اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.

 

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون وجاهدوا أنفسكم واعلموا بصدق وإخلاص على كل ما يجمع الكلمة ويحقق الأخوة، فهذا من أعظم الأعمال الصالحة عند الله -عز وجل-، ولاسيما مع الأقارب الذين أمر الله وأمر رسوله بصلتهم والإحسان إليهم، وحذّر من قطيعتهم وتوعد على القطيعة بأشد وعيد.

 

أيها المسلمون: كم في تنافر القلوب وفي تباغضها وفي نقض عرى الأخوة بين المسلمين من بلاء وشر وإثم!! كم فيه من ضعف وهوان وخاصة مع الأرحام والجيران والأقارب والإخوان!! فهنيئًا لمن عفا وتواضع، طوبى لمن أصلح من حاله وبذل من معروفه، طوبى لمن طهّر قلبه من الشحناء والبغضاء وكفّ لسانه وأذاه (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40]، (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور: 22].

 

أيها المسلمون: ويضاف إلى ما سبق من الحذر من نواقض الأخوة: الإفراط في المعاتبة واللوم والنظر إلى السلبيات دون الإيجابيات، وعدم الاعتذار عن أخيك، وترك التسامح معه، قال رجاء بن حيوة -رحمه الله-: "من لم يؤاخِ إلا مَن لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرضَ من صديقه إلا بالإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه".

 

أيها المسلمون: ولا شك أن المتبعين لهدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يحرصون على جمع الكلمة ولا يفرقونها، ويؤلفون بين المسلمين ولا يفرقون جمعهم، وينصحون صادقين لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ولا يطلبون أجرًا على نصحهم.

 

أيها المسلمون: ماذا تستفيد الأمة من التفرق والشحناء والبغضاء وفيها من الأدواء ما لا يحتمل المزيد؟! وفيها من الجراح ما يكفي لشغل أوقات الفارغين، إن لم تكن لهم همة سوى تضميد الجراح.. كفى مشيًا بالنميمة يا عباد الله.

 

أما توسيع دائرة الخلاف والجراح فهذا لا يسلم به العقلاء فضلاً عمن يدعي التقى والصلاح.

 

عباد الله: إن من أعظم أسباب الفرقة والخلاف بين المسلمين: تتبع العورات، وتصيد الزلات، والتزيد في الاتهامات، وإساءة الظنون، واتهام النوايا، والمشي بالنميمة التي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صاحبها: "لا يدخل الجنة نمام"، ومن ذلك التهويش والتحريش بين المسلمين، وإثارة المعارك الكلامية، وكل ذلك لا يخدم مصلحة أهل الإسلام، وإنما هو سهم من سهام الشياطين، وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "إن الشيطان قد يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم".

 

اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق ومن الحسد والشحناء والبغضاء للمسلمين.

 

 

 

المرفقات

الأخوة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات