نهاية رمضان

ناصر بن محمد الأحمد

2011-02-23 - 1432/03/20
التصنيفات: التربية رمضان
عناصر الخطبة
1/ في وداع رمضان 2/ الاجتهاد في العبادة في رمضان 3/ أعمال صالحة يُختَم بها الشهر

اقتباس

بدأنا نودع شهرنا الكريم، وقد أحسن فيه أناس وأساء آخرون، وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه من أعمال، شاهد للمشمرين بصيامهم وقيامهم وبرهم وإحسانهم، وعلى المقصرين بغفلتهم وإعراضهم وشحهم وعصيانهم، ولا ندري: هل سندركه مرة أخرى، أم يحول بيننا وبينه هادم اللذات ومفرق الجماعات؟!

 

 

 

 

إن الحمد لله...

أما بعد:

أيها المسلمون: ما أسرع ما تنقضي الليالي والأيام، وما أعجلَ ما تنصرم الشهور والأعوام، وهكذا حال الدنيا، سريعةُ الزوال، قريبةُ الاضمحلال، لا يدوم لها حال، ولا يطمئنّ لها بال، وهذه سُنة الله في خلقه، أدوارٌ وأطوارٌ تجري بأجل مسمى و(لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ)، وإن أهل التفكر والتعقل وأصحاب التبصر والتأمُّل ليدركون تلك الحقائق حقَّ الإدراك، فيأخذون من تعاقب الأزمان أعظم معتبر، ويستلهمون من انصرام الأيام أكبرَ مزدجر، يقول الله -جل وعلا-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَـاوتِ وَلأرْضِ وَخْتِلَـافِ الَّيْلِ وَلنَّهَارِ لآيَـاتٍ لأوْلِى الألْبَـابِ) [آل عمران: 190].

أيها المسلمون: بدأنا نودع شهرنا الكريم، وقد أحسن فيه أناس وأساء آخرون، وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه من أعمال، شاهد للمشمرين بصيامهم وقيامهم وبرهم وإحسانهم، وعلى المقصرين بغفلتهم وإعراضهم وشحهم وعصيانهم، ولا ندري: هل سندركه مرة أخرى، أم يحول بيننا وبينه هادم اللذات ومفرق الجماعات؟!

إني أتخيلك -يا أخي الحبيب- في أيامك القليلة المنصرمة عندما كنت تقبل على كتاب ربك لتبدأ به يومك، فكأني بك وقد أخذت زاوية في المسجد تتغنى بآي الكتاب، تقف عند عجائبه، وتلتقط من درره، وتقطف من ثماره، ترجو عفو ربك، وترنو إلى رحمته، فأبشر ثم أبشر بقول نبيك -صلى الله عليه وسلم-، كما روى الترمذي وصححه من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". وما إن تختم حتى تعاود البدء من جديد، لا تَكلّ ولا تَملّ، بل تأنس وتسعد، وكيف لا تسعد ونبيك -عليه الصلاة والسلام- يقول كما في حديث أبي أمامة الباهلي الذي أخرجه مسلم: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه".

لقد رأيناك، فرأينا حرصك الشديد على أداء الصلوات مع جماعة المسلمين في بيوت الله، أول الحاضرين وآخر المنصرفين، تصلي صلاة الخاشعين المتقين، وعند المغيب إخبات وانكسار، ودعاء وخضوع، لم يزل الخيال يحمل ذلك المنظر الزاهي، يعبر عن لوحة من الصدق والإخلاص في العبودية، وأنت ترفع أكف الضراعة إلى ربك ومولاك، ومائدتك أمامك قبيل الأذان، تسأله العفو والصفح، وأنت تردد: اللهم لا تجعل حظي من صيامي الجوع والعطش.

فبشراك بشراك قول حبيبك -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمام أحمد عن جابر -رضي الله عنه- بسند جيد: "لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان".

أما الليل، فما أدراك ما الليل؟! حين يرخي سدوله، رأيناك تقبل بصفاء نفس ونقاء قلب، لتصف الأقدام خلف الإمام، تصلي وتحيي الليل، تسمع القرآن فتطرب لسماعه، ما تمر بوعد إلا سألت، ولا وعيد إلا استعذت، ولا ثناء إلا أثنيت وسبّحت، لم تضجر ولم تسأم من طول قيام الإمام وقراءته، بل كنت ترجو المزيد، فلك التهنئة والتبشير، كما في المتفق عليه: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". وإذا قضى الإمام قراءته وقام لوتره، رفعت يديك بتذلل وخضوع تؤمّن وترجو، ومع هذا كله كنت لا تملك عينيك وأنت تسمع الآية أو الدعاء، فتسارع الدمعات على صفحات وجهك الطاهر، فلله درك يوم أن تفوز بظل الله حين يكثر العرق، ويعظم الزحام، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق، فتدخل في تلك الزمرة الطيبة: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وذكر منهم: "ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه". وحين أَزِف الشهر على الرحيل، ودخلت عشره الخاتمة خرجت في أعظم الأوقات، في الوقت الذي ينـزل فيه الرب -سبحانه وتعالى- إلى السماء الدنيا، فينادي وهو الغني عن طاعتك وعبادتك: "هل من سائل فأعطيه؟! هل من داع فأستجيب له؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من تائب فأتوب عليه؟!".

لقد رأيناك وأنت تخرج والظلام الدامس يغطي ربوع الكون، في وقت هدأت فيه الأصوات، وخلد البطّالون المحرومون إلى الراحة والنوم، فلا يسمع لهم إلا الغطيط، خرجت أنت، تقرع بقدميك الطاهرتين الأرض، تحثُّ المسير إلى بيت من بيوت الله، قد هجرت الفراش الوثير، ولذيذ المنام، لتصلي مع جموع المتقين، فهنيئًا لك قول ربك ومولاك: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) [السجدة: 16]. فليت شعري ما أبهاها من صورة، والإمام يرتل القرآن، والمسلمون خلفه يستمعون بالقلوب والأسماع! فلله ما أعظم هذا الجمع، وما أسعده يوم يباهي بهم ربهم ملائكته! في هذه اللحظات كم من غارق في شهوته، ولاهث وراء ملذته، كم من الناس سكارى وما هم بسكارى، يلهثون وراء الدينار والدرهم، في الساعة الشريفة، يَدعُوهم ربهم للتوبة فيُعرضون، يتكفل لهم بالغفران فلا يستغفرون، يأمرهم بالسؤال فيستكبرون.

وهكذا كانت حياتك -أيها الحبيب- مذ هلّ هلال شهر رمضان المبارك، صلاة وذكر، صيام وقيام، خشوع وبكاء، خضوع ودعاء، صدقة وبر، إنك توافقني بلا تردد، أنك شعرت بشيء غريب، لم تكن تشعر به من قبل، راحة وإيمان، أنس وطمأنينة، نعيم وسرور، قلب خاشع، ونفس منكسرة خاضعة، عيون دامعة، وألسن ذاكرة، جوارح مخبتة متذللة، إنها السعادة التي يبحث عنها الكثير من الناس، الغني والفقير، الكبير والصغير، الشريف والحقير، العظيم والذليل، الكل يبحث عنها، يرجوها، ينشدها، السعادة، التي قال عنها أحدهم: إنه ليمر بالقلب ساعات أقول: إن كان أهل الجنة على مثل ما أنا فيه، إنهم لفي نعيم عظيم. تلك هي السعادة التي كنا نبحث عنها منذ زمن بعيد، تلك هي جنة الدنيا، قَطَفت من ثمارها شيئًَا يسيرًا ولاحت لك أنهارها وأطيارها، فعجبت من جمالها، فإليك رسالة تخترق التاريخ وتشق عباب بحور السنين، رسالة يبعثها سلف الأمة إليك تقول حروفها: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.

وبعد كل هذا النعيم الذي رأيناه في شهرنا المبارك، رأينا إقبال الناس على الطاعة بأنواعها من فرض ونفل، لابد من سؤال تحتاج الإجابة عنه إلى تجرد وصدق ونظر في الواقع قبل إلقاء الجواب، ذلكم السؤال هو: هل لتلكم الطاعات أثرٌ في حياتنا، في عباداتنا، في تعاملنا، في أخلاقنا، في أقوالنا، في أفعالنا؟!

هل تحقق فينا قول ربنا -جل وعلا-: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَلْمُنْكَرِ)؟! هل انتهينا عن المنكرات؟! ماذا عن أقوالك؟! عن صدقك في الحديث والمعاملة؟! ماذا عن المنكرات التي عمت في كثير من البيوت إلا من رحم الله؟! سهر ومسلسلات، طرب وفضائيات، ضياع للأوقات، ومحاربة لرب الأرض والسموات، أين أثر الصلاة ؟ أين أثر البكاء والدعاء؟! أين نتاج الخشوع والخضوع؟! أم أن القضية أضحت عادات، حركات وسكنات، لا روح فيها ولا طعم؟! أين أنت من قول نبيك -صلى الله عليه وسلم- كما عند البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"؟! من الذي أمرك بالصلاة في رمضان؟! من الذي أمرك بالصيام والصدقة والذكر؟! تقرأ كلام من؟! وترتل كتاب من؟! أليس هو الله؟! الله الذي أمرك بالصلاة في رمضان هو الذي يأمرك بالصلاة في كل يوم من أيام السنة، أمرك بالصيام والذكر والدعاء في رمضان وغيره، إذًا ما الذي جرى؟! ما هذا الخلط العجيب في فهم العبودية؟! قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَـالَمِينَ) [الأنعام: 162]، وقال تعالى: (وَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99].

وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- المتفق عليه: وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا عبد الله: لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل". وفي الحديث: "إن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قلّ".

فيا أيها المسلمون: الدرس الحقيقي من شهر الصيام، أنه مثال مصغر لتحقيق العبودية لله -سبحانه وتعالى، فليكن منطلقًا لتحقيقها في جميع الأزمان والأحوال.

بارك الله لي ولكم...

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه...

أما بعد: ها هو رمضان قد أفل نجمه، وتوارى قمره، وهو يودع الكون، مع آهات الصالحين، وبكاء المتقين، وأنين المخبتين. انتهى رمضان، وانقضت أيامه، وتصرمت لياليه، كان بين أيدينا، نِعم الضيف حلّ علينا، سعدتْ بِلُقْيَاه النفوس، واستبشرت بِطَلَّتِهِ القلوب، وهو ذا يشدّ الرحال، ليبحر في مياه الزمن، وقد عهد إلى أناس بأن يعود إليهم، وآخرون ودعهم إلى غير لقاء.

انقضى رمضان وحال الصالحين المصلحين:

رمضان ولّى دَاوِنِيْ يا راقي *** وأرح فؤاديَ من لظى الأشواق
صف لي دواءً من كتاب الله لا *** من ماجن لاهٍ ولا من ساقي
أولستَ تُبصر حرقةً في خاطري *** شهدت بها العبرات من أحداقي
أولستَ تسمع نوح قلبيَ كلما *** ثارت بنار زفيرها أعماقي
مالي أراكَ وقفتَ مبهورًا وقد *** أعطيت غيري أنجع الترياق
دعني أبث الهم للمولى فما *** من شبهة في قدرة الخلاق
يا ربّ جئتك والهموم تحيط بي *** وبقلبي الولهان كالأطواق
إني أتيت إليك فارحم من أتى *** يرجوك فيما يشتكي ويلاقي
رباه إن الوجد أحرقني على *** أني أجود بمدمع رقراقِ
شهر الصيام مضى فأعقب لوعة *** في خاطري تسعى إلى إحراقي
شهر إذا ما هلّ أشرق نوره *** في العالمين وفي ذُرا الآفاق
وطوى الظلام فما ترى إلا مدىً *** رحبًا يفيض بنوره البراق
أنا لستُ ممن يرقبون رحيله *** شوقًا لكـأسٍ بالمدام دِهاق
أنا إن بكيت على الفراق فعاشق *** صَبٌّ، يؤرقه دنوّ فراق
أمّا أنا لا عيد لي إلا إذا *** أبصرت وجه الليل في إشراق
ورأيت حكم الله يجمع شملنا *** لا حكم ذي نسب ولا أعراق
ورأيت أَنَّا في العقيدة إخوة *** لا في العروبة نبع كل شقاق
ورأيت سيف الحق يرتقب العِدا *** لا المصلحين إذا دعوا لوفاق
فهنا أُسَرُّ بعيدكم وأصوغ ما *** يحلو لكم من خاطر دفّاق
أو فارقبوا مني قوافيَ ثائرٍ *** قد لا يقيكم من لظاها واقي

أيها الإخوة الصائمون: لقد شرع لكم مولاكم في ختام شهركم أعمالاً عظيمة تسدُّ الخلل، وتجبر التقصير، وتزيد المثوبة والأجر، فندبكم في ختام شهركم إلى الاستغفار والشكر والتوبة: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185]، كما شرع لكم زكاة الفطر شكرًا لله على نعمة التوفيق للصيام والقيام، وطهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، وتحريكًا لمشاعر الأخوة والألفة بين المسلمين، وهي صاع من طعام من برّ أو نحوه من قوت البلد كالأرز وغيره، فيجب إخراجها عن الكبير والصغير والذكر والأنثى كما في حديث أبي سعيد وابن عمر -رضي الله عنهم-. والأفضل إخراجها ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد، وإن أخرجها قبل العيد بيوم أو يومين فلا حرج إن شاء الله. وقد كان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يكتب في نهاية شهر رمضان إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر.

فأدوا -رحمكم الله- زكاة الفطر طيبة بها نفوسكم، فقد أعطاكم مولاكم الكثير وطلب منكم القليل.

هذا، واعلموا -رحمكم الله- أن من خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم كثرة صلاتكم وسلامكم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم -جل في علاه- فقال تعالى قولاً كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله...
 

 

  

 

المرفقات

رمضان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات