نصائح الخطباء: أحذرهم أن يكرهوك (3-3)

محمد علي فتح الله

2022-05-08 - 1443/10/07
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

حتى مع الاستعداد يقع الخطباء في خطأ قاتل؛ فبعد أن يختار موضوعه، ويهيكله، ويحرر مادته، ومدخله، وخاتمته، ويكتب شواهده، وأدلته... يخطئ بعدم التدرب عليه...

السادسة: الإطالة والإطناب:

عامة الخطباء -إلا ما ندر- يتعمدون مخالفة التوجيه النبوي بتقصير الخطبة، وإطالة الصلاة. هذا التعمد المستهجن يأتي تحت مبررات لم يعتبرها الشرع، وأجمع على فسادها: العلم، والتجربة، والخبرة الإنسانية. وعند تأمل ما حفظ من خطب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخلفائه من بعده، وخطباء فصحاء العرب والإسلام يجدها جميعا لا تعدو بضع مئين من الكلمات، والأغلب بضع عشرات!. فمن أين جاء التطويل في الخطبة، حتى قد تبلغ الخطبتان -عند بعض الخطباء- قريبا من الساعة. في حين لا تتجاوز صلاته خمس دقائق!. إن ما يحمل الخطباء على إطالة الخطبة يرجع إلى الأمور التالية:

عدم فهم خصاص الخطبة: يغلب على ظن الكثيرين أن إطالة الخطبة يسدد ما يعتري المصلين من سهو، وشرود ذهن، حال الخطبة. وكلما طالت الخطبة تحققت للمصلين فرصة أكبر في الاستفادة من انتباهة هنا وهناك؛ تحقق له قدرا من الاستماع المثمر للخطبة. وبعض الخطباء يرى أن الشرح يستدعي الإطالة، وأن الناس قدراتهم على الفهم تضاءلت، واصبح من المتعذر عليهم فهم: النصوص، والأحاديث، وفصيح اللغة. لكنهم بهذا يتجاهلون القضية الأهم: القدرة على الاستيعاب، واقصى مدى لحضور الذهن. إن الاستماع الثمر -بالنظر إلى طبيعة الخطبة، والمكان والاجتماع- لا يمكن أن يستمر لكثر من بضع دقائق. والذي يبدو لي أن جعل خطبة الجمعة خطبتين ينطوي على حكمة عظيمة -رأي رأيته- ألا وهي استئناف و تجديد الانتباه!. إن حال شرود الذهن إذا بدأت ففي الغالب لا يمكن استعادة الانتباه إلا بعد توقف تام للعرض!. لذلك وضع الشارع الحكيم التوجيه في خطبتين. حتى يتسنى للذهن. أولا: فرصة لاستعادة الانتباه؛ إن كان فقده في الخطبة الأولى. وثانيا: إغلاق موضوع بخلاصة محددة وفائدة متحكم فيها؛ قبل البدء في موضوع آخر. إن الذين يصلون موضوعهم عبر خطبتين، أو ينبه على أن موضوع الخطبة الثانية استكمال لمضوع الخطبة الأولى؛ لم يفهموا مقصد الشارع من الخطبتين، ولم يفهموا خصائص الاستماع الجماهيري للخطيب.

 

يجب على الخطيب أن يتعامل في خطبته مع عقل المستمع كوعاء صغير لا يستوعب أكثر من خمسمائة كلمة في الخطبة الواحدة. وأن كل ما يضيفه من كلام: إما أن يحله محل كلام سابق، أو أن لا يستوعبه، ويتغافل عن مضمونه وثمرته. يجب على الخطيب أن يقتصد في خطبته ولا تزيد كل خطبة عن خمسمائة كلمة مهما كان الظرف. ولو اضطر أن يغر الموضوع، أو يجزأه على اسابيع. وعليه أن يجعل الفهم والتبسيط ضمن هذا القدر من الكلمات. وإذا اعتاد المصلون من خطيبهم الإطالة؛ اعتادوا شرود الذهن في خطبته، وتفوتهم فائدتها. إن حال الانتباه والتوثب الذهني للاستماع الجماعي لا تستمر لأكثر من دقائق. هذا بشرط توفر قدر كاف من: براعة الإلقاء، وجودة الأداء. إن إطالة الخطبة؛ يقابلها - دوما - نقص في الفائدة.

 

الارتجال: الارتجال أحد المهارات التي حباها الله لقلة قليلة من البشر، في كل الثقافات، ولا غرو أن يكون عامة القادة من الخطباء الفصحاء، هذه الندرة كانت سببا في حفظ اثار أشهر خطباء العرب على مر التاريخ!. وخصائص الارتجال تقوم على الأركان التالية:

* براعة المطلع.

 

* استدامة الأداء.

 

* عدم الانقطاع.

 

* الإيجاز.

 

* السيطرة على الموضوع.

 

* الفصاحة والبلاغة.

 

* جمال الأداء.

 

* براعة الخاتمة.

 

تحقيق هذه الصفات في الخطابة -الارتجال الناجح- يحتاج لصفات نادرة في الخطباء أهمها:

* الشجاعة الأدبية .

 

* الذكاء وسرعة البديهة.

 

* التمكن وحذق اللغة.

 

* المخزون الهائل من المصطلحات والجمل واللفاظ والشواهد.

 

* العقلية المنظمة القادة على الهيكلة (الارتجال الموضوعي).

 

* قوة الجهاز الصوتي (الحنجرة والحبال الصوتية والرئتان وعضلات الصدر والقلب واللسان).

 

هؤلاء الارتجاليون البلغاء نادرون في الأمة يمكن تأهيلهم. لكن ما يفعله الكثير من الخطباء يدعو على الرثاء. إن الكثير من الخطباء المرتجلون لا يملكون أيا من المقومات السابقة للارتجال، ولا يحققون خصائص الارتجال الناجح في خطبهم. ثم هم مصرون على هذا "الطبع" لا يردعهم رادع، ولا تثنيهم نصيحة.

 

الكثير من الوعاظ يصيبهم مرض "إلف المنابر" -بتسكين اللام  والفاء-. إلف المنابر: حال من زوال الرهبة من الحديث إلى الجموع، والتعود على الوعظ والإلقاء في كل جمع، هذا الصنف من الوعاظ والدعاة لديه رصيد محدود -في الغالب- من المواضيع المطروقة. وهي في جملتها من عموم أحاديث الوعظ والنصح. اعتاد إلقاءه في كل مجلس وكل جمع بالنظر إلى طبيعة الجمهور الخجولة، وعدم مبادرته إلى  إبداء رأيه فيما يلقيه الواعظ؛ واكتفائه بما استفاد منه، أو بتجاهله؛ يترسخ لدى الواعظ أنه خطيب مفوه، وفصيح لا يعجزه بيان، وأن الناس تستمع له إعجابا ببيانه، وجودة إلقائه، قد يُتهاون في مواعظ المجالس؛ بحكم أنها عفوية، ويحق للمستمع: أن ينقطع عن الاستماع، وينشغل بما شاء من أمره الخاص، لكن لا يُتهاون في خطبة الجمعة. لأن خطبة الجمعة عبادة؛ وضع الشارع الحكيم لها أجرا ومثوبة، وحدد لها أعمالا تبدأ من ليلتها، وتستمر بعد صلاتها. وشدد الشارع في حشد كل خصلة تحقق الاستماع المثمر، وعدم الانشغال بغيرها... ثم يأتي الخطيب فيعتلي المنبر، وتبدا رحلة من: الفوضى الموضوعية، والأداء الركيك، والتكرار، والتداخل، والانقطاع، والاسترسال، والإطالة المملة غير المفيدة.

 

الإهمال: الباعث الأساسي على سوء الخطبة سواء على الدوام: بإهمال الخطيب لتحسين قدراته، وتجنب المثالب التي تضعف خطبته. أوفي كل خطبة: بما يمارسه من إهمال، يبدأ من اختيار موضوعها، إلى حين صعوده المنبر، وإلقائها. الكثير من الخطباء لا يفكر في خطبته إلا قبل صعوده المنبر!. وربما بلغت الثقة ببعضهم أن يفكر في موضوعه عند اعتلائه المنبر!. هذا تفريط في الأمانة!. فمهما كان الإنسان مقتدرا؛ عليه أن يبذل الحد الأدنى على الأقل في الاستعداد، والتحضير للخطبة.

 

حتى مع الاستعداد يقع الخطباء في خطأ قاتل؛ فبعد أن يختار موضوعه، ويهيكله، ويحرر مادته، ومدخله، وخاتمته، ويكتب شواهده، وأدلته... يخطئ بعدم التدرب عليه!. الذي يحدث من عامة الخطباء، الذين يقرؤون خطبهم: أن ما يكتبونه لا يكون متقنا، مكتملا!. فلا يعدو أن يكون رؤوس أقلام، وحتى هذه الرؤوس في بعض الأحيان تكون مجرد كلمات مفتاحية؛ باعتبار أنه بمجرد النظر إليها؛ سيتذكر ما يريد قوله فيها. ثم يضيف لهذه الكلمات المفتاحية: الآيات، والأحاديث، وأبيات الشعر، والأسماء، والأعلام التي لا يحفظها. أما الآيات والأحاديث التي يحفظها فيذكر منها كلمة مفتاحية؛ يستدل بها على بقية الآية. فإذا صعد المنبر؛ استغلق عليه الموضوع، فتتحول الكلمات المفتاحية إلى ألغاز؛ لا يعرف إلام ترمز. والآيات والأحاديث والشواهد التي كتبها؛ لم يعد يعرف ما يقول فيها، ومتى يقولها. بل قد يستغرب من بعض ما يرد: ما مناسبته؟!. وأسوأ من هذا: أن يكون قد كتب نصا بقوم على الاستدراج المعنوي، ثم ينفيه، هذا الأسلوب جميل في لفت الانتباه على سبيل المثال يريد أن يلفت لأهمية الصلاة وأنها أهم من كذا وكذا. فيبدأ النص بأهمية كذا وكذا.. ثم ينفيه، أو يكر عليه بذكر الأهم من هذا كله. كما في قول الله -تعالى-: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[التوبة:24]، وله أوجه متعددة لكن ينبغي استخدامه بحذر والانتباه لمواضع الوقف والابتداء، حتى يحقق فائدته، لكنه عندما يبدأ خطبته ينسى فكرة الاستدراج المعنوي؛ فيستنكر الجمل الاستدراجية؛ ويظن أنه كتبها خطأ -بسبب العجلة- فيعدلها أثناء الإلقاء؛ ويعكس مدلولها الاستدراجي!!. حتى إذا وصل إلى جملة الإثبات للموضوع الأهم؛ تذكر الفكرة، وأسقط في يده؛ فلا يعرف هل يعود ويكر على كل ما سبق، أو يمضي لما بعده، أو يصحح ما تيسر، وغالبا يقع في إخطاء أخرى خصوصا إذا كان موضوع الاستدراج مطولا فيوقع المصلين في شيء من البلبلة، والاستغراب من هذه "اللفة" التي لم يكن لها فائدة!.

 

أحيانا أخرى يكتب كل نص الخطبة لكن يكون خطه سيئا؛ فلا يحسن قراءته!. أو يخطئ في ضبط الإعراب فيصبح المفعول فاعلا، وقد يكون نصه مليء بالاستدراج المعنوي المطول، مرة تلو أخرى.. فلا ينتبه ويظل يصحح كل جملة مباشرة، دون أن يلتفت للازمها، وما سيأتي بعدها. ولا يحسن الوقوف والوصل في موضعه. فيصل جملا أو يقطعها؛ فيستغلق فهما. فتتحول خطبته إلى مأساة تدعو للرثاء، وتستجلب حنق المصلين. الخطأ المركب من هذه الخطأ: أن يظن أن أحدا لم ينتبه "للطوام" التي أحدثها في خطبته، وكأنه نعامة تدس رأسها في التراب؛ فلا يراها أحدا.

 

الاسترسال: يفتح الله على بعض الخطباء في اللغة والثقافة العربية؛ فيحلق في بيانها؛ يما يتجاوز احتياج المقام. وأحيانا بما يؤثر سلبا على بقية العناصر، والمواضيع التي هي أساس الخطبة، وموضوعها. فيكثر من المحسنات البديعية والمجاز (سبحان الله عدد ما خلق، وعدد ما ذرء، وعدد.. عدد). ويكثر من سرد الشواهد الشعرية: الواحد تلو الآخر؛ حتى تتجاوز عدد الآيات والأحاديث، أو يسترسل في الوصف. كما يفعل بعض الخطباء والوعاظ في ذكر: أحوال النار، وعذابها، والجنة، ونعميها.

 

بعض الخطباء يخطئ بالاسترسال في حشد الأدلة، فيسرد أكثر من آية في موضوع واحد. ويذكر عدة أحاديث يكون الفرق فيها في السند والرواة، ويذهب بعيدا في تمحيص السند، ويصر على العزو، وذكر الأعلام. والتمييز بين المنقول والمفهوم -من أكثر ما يثير البلبلة وعدم الفهم بين المصلين عبارة: "انتهى كلامه رحمه الله" فلا يكاد المصلون يفهمون ما المقصود بها، ولا ما الذي ابتدأ حتى ينتهي!- وهذا كله ليس من مقام الخطبة، ولازمها!.

 

والأفضل أن يقتصد في استهلاك الأدلة والأقوال -الاقتصاد في الآيات والأحاديث والاستشهاد بالحد الأدنى الذي تقوم به الحجة؛ من تعظيم شعائر الله. وهذا لا يفهمه الكثير من العلماء؛ فضلا عن الدعاة والوعاظ- وألا يذهب بعيدا في الانتصار للقول الصحيح. إن المصلين الذين يستمعونه لا يشكون فيما يقول، ولا ينازعونه فيه!. وعليه أن يدرك أن: كل كلمة محسوبة عليه، وكل كلمة يضيفها لا تزيد في المعنى ضرورة، ولا تضيف إليه بيانا؛ فإنما تضّار كلمة أخرى، لها احتياج وأهمية وفائدة! وكلمة: "متفق عليه"؛ تضّار حديث: "إنما الأعمال بالنيات" في خطبة الجمعة!.

 

أما إن كان الخطيب يريد أن يعالج قضية؛ المصلون على خلاف ما يراه الإمام، خصوصا إن كان الخلاف فيها محتدم، قديم؛ نشأت عليه أجيال؛ فالأفضل عدم طرحها في خطبة الجمعة. لأن الإمام يفقد مرجعيته عند المصلين، في هذه الحال، فلن يغيروا رأيا اعتادوا عليه لخطبة جمعة! مثل هذه القضايا -حتى وإن كان تصحيحها حقا وضرورة- تحتاج إلى سياسة حكيمة، وبرنامج طويل المدى لعلاجها، وليعلم الخطيب أن ما بينه وبين المصلين؛ أشبه بشعرة معاوية، وهم لن يرخوا من طرفهم، في خطبة الجمعة!. فإما أن يتبصّر بهم، ويداريهم، ويسوقهم سوقا حسنا أو أن يخسرهم؛ فلا يلقوا لما يقول أذنا.

 

السابعة: التقريع والنقد:

هناك فئة من الخطباء لا يروا المصلين إلا جماعة متمردة  من العصاة: إن أُمِروا؛ تنكبوا وقصروا وفرطوا، وإن نُهو؛ تجاهلوا، وتحايلوا، وأفرطوا.

 

عامة الخطباء لا تكترث لهذا الأمر، الأمر عنده محسوم بحكمه الفقهي، وبما يظنه بالمصلين من تفلت وسوء ظن غالب.

 

قلة نادرة من الخطباء غرس الله في قلوبهم الرحمة، والإحسان للناس، والترفق بهم، والحياء والفقه الأصيل الذي يقوم على: اليسر والتيسير، والبشر والتبشير، والرفق واللين، والتماس العذر.

 

الكثير من الخطباء يبادرون إلى إحراج المصلين، يسارعون في تبني الشدة، وافتراض الأسوأ، وتقديم سوء الظن، ولديهم تضخيم لسد الذرائع، هذه الفئة لا تبالي؛ أن يكون عامة الناس في الهلكة؛ تحت ذريعة إحقاق الحق، وإن كرهه الناس.

 

إذا تأملنا بعض الآيات التي توضح واجب التعامل مع العصاة. سنتعجب من توجيه الله -تعالى- نبيه، في كيفية التعامل مع المنافقين الذين تخلفوا عن عزوة العسرة، (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا)[النساء:63]، فأمر الله نبيه بأن يعرض عن عقابهم، يعظهم ويخوفهم، يقول لهم في أنفسهم قولا بليغا، أي ينصحهم فيما ينه وبينهم؛ بقول بليغ؛ يدخل القلوب، ويغير الطبائع.

 

إن الموعظة التي تقوم على "خطاب النفس" بالكلام البليغ، القول الذي ينطلق من مصلحة النفس، و من خيرتيها.. هو النصيحة الحقيقية المؤثرة، تلك التي تضمن كلا من: الاستماع المؤثر، والعزم الأكيد على الانصياع.

 

في بعض الأحيان يصل الخطيب لحد التطرف في هذا المسلك، حيث يتجاهل تماما الخيرية والفضائل، ويقتصر فقط على الخلل إذا مر بخير فيهم غمطه وتجاهله حتى لا يصيبهم بالعجب والغرور، وإذا ما تعرض لخلل فيهم اشتد، وبالغ في النكير، وتعمد الإحراج، والتقريع، والتبكيت على رؤوس الأشهاد -لعل الخوف والتشديد يثنيهم، ويردعهم- هذا ليس من: الفقه، والعلم، وسياسة الناس. ليس ما أمر الله به العلماء في دعوتهم للناس، وليس ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)[الأحزاب:43] هنا فرق دوما بين حكم الشيء، وبين ما يقال للناس على المنبر، وبين ما يقال للمستفتي، وبين ما يقال في حلقة العلم، وبين دفتي الكتاب.

 

وفيما يلي أهم الاعتبارات التي تدفع الخطيب لهذا التشدد والمبالغة في التعنيف والتقريع إذا تجاوزنا حدة الطبع التي تكون سببا في الشدة على المصلين والناس، فإن سببين يظهران خلف هذا المسلك المبالغ في التقريع والتشديد على الناس:

الوصاية على المصلين: كثير من الخطباء يفرض نفسه وصيا على المصلين. فينطلق في أمره ونهية عما يراه مصلحا لحالهم؛ لا من منطلق الحد الأدنى الذي يجب عليهم: فعلا، وتركا. والوصاية من حيث المبدأ لا غبار عليها؛ إن كانت من مشفق عالم، بما يصلح الناس. لكن هذا المسلك لا يصلح في الوقت الراهن. الناس قد تفتحت أعينها على كل شيء. وبحكم الفوضى العلمية السائدة؛ أصبح قبول الناس ورجوعهم لخطيبهم أمر غير مسلم به.

 

بعض الخطباء يفاقم هذا الوضع المتفلت والمرجعية المهزوزة فيزيدها اهتزازا؛ بهجومه على الفتاوى الميسرة، ونقده لمن يستمع لهؤلاء المفتين. إنه بذلك يكون قد حكم على نفسة بالرفض التام من المصلين!. وبعض الخطباء يقيس الضرورة والحاجة على نفسه وقدرته على التحمل، فما يحتمله ويستطيع الإتيان به، أو يعتبر شهلا ميسرا في بلده. لا يعني بالضرورة أنه سهل ميسر بالنسبة للمصلين، أو لمن هم في غير بلدة، وغير ظروفه.

 

رفع سقف المطالبة: وبالتالي فافتراض أن الخطيب أعلم بما يصلح لم يعد مضمونا؛ وعليه أن يذهب إلى الحد الذي فرضه الشارع: القدر الدنى الذي يقو به الجميع. كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفِهم، واتَّخِذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا".

 

والمقصود بالاقتداء هنا طول الصلاة وقصرها، لكنه يحمل أيضا على الأمر والنهي، وهو مفهوم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ". فالتيسير مقصد من مقاصد الشريعة.

 

يجب أن يعلم الخطيب أن الانفعال النفسي في جماعة يزيد عنه في الانفعال النفسي الفردي. فالعقل الجماعي يميل للانفعال النفسي في كلي الاتجاهين الفرح والغضب زيادة عنه في الانفعال النفسي؛ لذلك تجد الناس تنفعل بشكل أكبر في الجماعات، منها عندما تكون منفردة أمام نفس المؤثر. فترى لمشاهدة مباراة القدم طعما في الجماعة انفعالا وهيجانا أعلى منه عندما تكون المشاهدة فردية!. كما يجب أن يعلم أن الإدراك العقلي في جماعة يقل عنه عندما يكون منفردا. وهذا ظاهر بين من خلال الواقع. وعليه يجب ان ينتبه الخطيب لأمرين في نفس الوقت. الأول: صعوبة الموضوع؛ فيتأكد انه سهل ميسر قريب من فهم الجميع بدون استثناء. والثاني: أن ينتبه لخطابه الا يكون جارحا منفرا فإن رد فعل الناس سيكون سليا جدا. وعكسه سيكون إيجابيا جدا إن كان لطيفا مبشرا إيجابيا.

 

الثامنة: سوء الأداء:

قد تكون الخطبة مستكملة لكل عناصر النجاح الموضوعية؛ لكنها تعجز عن الوصول للمصلين بسبب سوء الإلقاء. يقل في الخطباء من هو ماهر في الإلقاء الخطابي. وبعضهم يصل ضعفه لحد السوء الذي يعطل المصلين عن الإفادة من الخطبة. مهارات الإلقاء لها حلقة خاصة لأهميتها. لكن مظاهر الضعف في الإلقاء ترجع لثلاثة أسباب وهي:

الضعف الخِلقي: يقصد بذلك عدم مناسبة قدرات الخطيب البدنية والفسيولوجية للخطابة. وقد يكون هذا الضعف أو عدم المناسبة دائما. قد يكون الخطيب ضعيف الصوت. لا يكاد يسمع. حتى إن حاول الاستعانة بالمكبر الصوتي لا يتحسن أداؤه. وفي بعض الأحيان تختلط مخارج الحروف مع محاولة رفع الصوت إلى حد الإبهام!. وبعض الناس فيه عيوب نفسية أو مرضية في الأداء مثل التأتأة. في بعض الأحيان يكون الضعف طارئا مستديما. ناتج عن كبر السن والضعف العام. أو كأن يكون مصابا بمرض الأزمة، أو أمراض الرئة مثل: "السل". أو قد يكون عارضا مؤقتا مثل الزكام الشديد، أو التهاب القصبة الهوائية. هذه العيوب تجعل عملية الاستماع مزعجة للمصلين. وتشغل العقل بدلا من التفكر في الموضوع إلى محاولة التقاط الكلمات وفهمها بشكل أولي. خصوصا وأن المصلي يعتمد بشكل تام على السماع في التلقي. على الخطيب الذي يعاني من هذا العيب أن يتوقف عن الخطابة مؤقتا إن كان العارض مؤقتا. وهذا العيب يحول دون أداء الخطبة على الوجه المقبول الذي تحثل به الفائدة ف حدودها الدنيا.

 

غياب المهارات: كل خطيب يمكنه من خلال عدة جلسات أن تتحسن لده مهارات الإلقاء حلقة مستقلة عن المهارات. لكن الإشكال أن الخطباء معرضون عن التعلم. ولا يرون في مهاراتهم في الخطابة عيبا!.

 

عدم مناسبة شكل الموضوع: ما كل موضوع يصلح شكله وصياغته أن يكون خطبة جمعة لأسباب فنية، وما كل كتابة تصلح أن تلقى من فوق المنابر. كثيرا ما لا يفرق الخطيب في خطبته بين النص المكتوب الذي يقرأ، والنص المسموع. فالنص المسموع يكمن التحدي فيه بين الموازنة بين قدرة الاستيعاب وسرعة التنقل بين المواضيع. فإن كان الموضوع فقيرا والجمل مطولة فارغة والمعنى قد وصل إلى ذهن المستمع؛ ادى ذلك غلى الشعور بالملل . وإن كانت الجمل قصيرة ناقصة أو مضطربة فيما تحمله من معاني، أو تكثفت المعاني بشكل لا يمكن المستمع من التقاطها والحفاظ عليها في الذهن بما يصنع منها نسقا متكاملا شعر المصلون بالعجز والإحباط. هناك "المواضيع المشجرة". التي تتكون من تفريعات هرمية كثيرة. وفي كل فرع نقاط عديدة. وقد تكون النقاط في الفرع الأول مرتبطة موضوعيا بنقاط في الفرع الثاني.. هنا يستحيل على عقل المصلي العادي المتابعة. وقد يكون الموضوع: متسلسلا من عدد كبيرا من الأفكار التي يؤدي بعضها لبعض في نباء تصاعدي؛ بحيث عن فقد المصلي أو غفل عن فقرة فقد الموضوع بالكامل. كل هذه أمثلة لخطبة لا تصلح للإلقاء. وقد تصلح للشرح أو العرض عبر وسائط أخرى.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات