نسمات الفجر

صالح بن مبارك بن أحمد دعكيك

2013-04-28 - 1434/06/18
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ الغرض الأساسي من خلق الخلق 2/ الصلاة أعظم صلة بين العبد وربه 3/ فضائل صلاة الفجر الأخروية 4/ فضائل صلاة الفجر الدنيوية
اهداف الخطبة

اقتباس

ولعله من بركة هذا الوقت المبارك ما ذكره العلماء من هواء الفجر النظيف النافع، وذكروا أن هواء الفجر يكون فيه مواد نافعة عجيبة لا تكون موجودة إلا في أوقات السحر والفجر، ولا يستفيد منها إلا من أدرك تلك الأوقات التي تبدأ بالثلث الأخير من الليل إلى صلاة الفجر، فتلك...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الله تعالى لم يخلق الخلق ليتقوى بهم من ضعف، ولا ليتعزز بهم على ذلة، ولا ليستكثر بهم على قلة، فهو المنعم المتفضل، وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.

 

لكن الله خلقهم لأعظم من ذلك، خلقهم لأعظم قضية وأشرف مهنة وهي عبادته -سبحانه تعالى- وطاعته، ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.

 

إن أشرف ما يوصف به الإنسان هو وصفه بأنه عبد لله، وأشرف البشر على الإطلاق وهو محمد -صلى الله عليه وسلم- خير من وطأت قدماه الثرى، كان أعظم وأشرف وصف له هو العبودية، قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً)، وقال -جلَّ ثناؤه-: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)، وقال سبحانه: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً)، والعبودية في الإنسان على ثلاثة أنحاء: عبودية القلب واللسان والجوارح، فلا تكتمل العبودية إلا بتحقيقها على هذه الأعضاء الثلاثة، ألا وإن أعظم مظهر من مظاهر العبودية الصلاة، تلك الصلاة التي هي عباده لله -سبحانه وتعالى-.

 

والإنسان يعلن عبوديته لله -جل جلاله- خمس مرات في اليوم والليلة، تقطع فيها صلته بالدنيا وكل ما فيها من ملذات وشهوات، ويقوم بين يدي الله رب العالمين.

 

لهذا كانت الصلاة أعظم صلة بين العبد وربه، إذا قطعها فقد قطع صلته برب الأرباب وقيوم الأرض والسماوات، وهوى من غضب الله في مكان سحيق.

 

معاشر المسلمين: إن إقامة الصلاة والمحافظة عليها من أشرف صفات المؤمن؛ قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). 

 

وجعل الله التهاون بالصلوات والتكاسل عنها من أبرز صفات المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى)، وقال عنهم: (وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى)، وأولئك أقوام يبغضهم الله وساقطون من عينه، وإن أدوا الصلوات لسوء نياتهم وخبث طوياتهم، فالقيام بالعبادات يجب أن يكون بالقلب أولاً قبل أدائها بالجوارح.

 

عباد الله: إن المحافظة على الصلوات وأداءها حين أمرنا الله بها أعز على المؤمن الراجي لقاء ربه من أمواله وأملاكه وملذاته، وهو في ذلك يتذكر أمر الله تعالى: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ).

 

ونلاحظ في هذه الأيام اهتمامًا جيدًا ومحافظة حسنة على الصلوات، فنرى المساجد يكثر عدد روادها في معظم الصلوات، ولكننا مع هذا نلحظ تفريطًا في صلاة الفجر خاصة، ما يستدعي الحديث عنها والتذكير بفضائلها وفوائدها.

 

أيها المسلمون: إن للمحافظة على صلاة الفجر خصائص وفضائل، وأجرها متميز على غيرها، ولو علم الناس حقيقة أجرها لما تخلَّف عنها أحد، ولأتاها الناس زحفًا على الركب كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبوًا".

 

ولصلاة الفجر فضائل كبيرة؛ ففي حديث بريدة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "بشَّر المشائين في الظُلُم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". وعند الطبراني: "بشَّر المولجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يفزع الناس ولا يفزعون".

 

فيجد المحافظ على صلاة الفجر نورًا تامًا، بينما يتخبط الناس في ظلمات ذنوبهم الشنيعة.

 

وإذا أدى المسلم السنة بركعتين قبل الفجر حظي بأجر عظيم جدًّا، ثبت في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".

 

فإذا كان هذا فضل نافلتها فما بالك بفضل الفريضة؟! فأي تفريط فرَّطه المتخلفون عن صلاة الفجر.

 

ومن فضائلها أن يكتب لمصليها أجر قيام الليل كما في صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلَّى الصبح في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلَّى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله".

 

فما أعظم هذه النعمة أن يكتب لك أجر قيام الليل وأنت نائم على فراشك إن أديت الفجر في جماعة.

 

وقد وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- من حافظ على صلاة الفجر بدخول الجنة: "من صلًّى البردين دخل الجنة". والبردان هما: الصبح والعصر. وفي صحيح مسلم: "لن يلج النار أحد صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".

 

إن صلاة الفجر من موجبات رؤية الله تعالى، وهو الأشرف من كل ذكر، قال جرير بن عبد الله البجلي كنَّا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا".

 

إن صلاة الفجر تؤهل العبد يوم القيامة لرؤية ربه -جلَّ جلاله-، وما أسعدها من لحظة وأعظمها من نعمة!!

 

نسأل الله أن يبلِّغنا تلك المنازل، وأن لا يحرمنا من متعة النظر إلى وجهه الكريم.

 

أقول ما تسمعون...

 

 

الخطبة الثانية:

 

تلك بعض الفضائل الأخروية، ونأتي على عجل لنبيِّن بعض الفضائل في الدنيا لمن حافظ على صلاة الفجر؛ منها:

 

إن صلاة الفجر مشهودة من الملائكة: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً).

 

وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الشهود للملائكة فقال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين يأتون فيكم فيسألهم الله -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟! فيقولون: "أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون".

 

فهل تقبل -أخي الكريم- أن تكون من أعداد أولئك الذين تشهد عليهم الملائكة بالتخلف عن الركوع والسجود في الفجر لله رب العالمين؟!

 

ومن فوائد المحافظة على الفجر: أن في صلاة الفجر نشاطًا وخفة، فالقيام لها والانسلاخ من الفراش انتصار على الشيطان، وانقلاب من عقده الرجيمية؛ في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلَّى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان". وهذا الخبث ناشئ عن الإعراض عن طاعة الله وانفراد الشيطان به وإذلاله والعياذ بالله.

 

وفي الحديث عن ابن مسعود قال: ذكر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل نام ليله حتى أصبح؛ قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه".

 

ومعنى "بال الشيطان": استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول؛ لأن عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه. ذكره ابن حجر.

 

أيها المسلمون: صلاة الفجر من أسباب حفظ الله للعبد، فيجعله في حفظه واطمئنانه وأمانه، ففي صحيح مسلم عن جندب بن سفيان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "من صلَّى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر -يا ابن آدم- لا يطلبنك الله من ذمته بشيء"، وفي رواية: "فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم".

 

فانظروا -عباد الله- كيف يحفظ الله المؤمن المصلي للفجر مع الجماعة، وكيف توعد الله من يتعدى عليه؟!

 

في صلاة الفجر -أيها الإخوة- بركة لعمرك وحياتك، فتبدأ يومك مبكرًا، وتدرك بركة الوقت والرزق بعد الصلاة، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم بارك لأمتي في بكورها".

 

ولعله من بركة هذا الوقت المبارك ما ذكره العلماء من هواء الفجر النظيف النافع، وذكروا أن هواء الفجر يكون فيه مواد نافعة عجيبة لا تكون موجودة إلا في أوقات السحر والفجر، ولا يستفيد منها إلا من أدرك تلك الأوقات التي تبدأ بالثلث الأخير من الليل إلى صلاة الفجر، فتلك نسمات مباركة، كأن الله أرادها لمن أدرك صلاة الفجر، فسبحان الله العظيم وله الحمد والمنَّة.

 

نسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته وفضله وعطائه...

 

اللهم اغفر لنا...

 

وصلوا وسلموا...

 

 

 

المرفقات

نسمات الفجر.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات