نسائم العشر وختام الشهر

د عبدالعزيز التويجري

2024-04-05 - 1445/09/26 2024-04-29 - 1445/10/20
التصنيفات: رمضان الفطر
عناصر الخطبة
1/سعادة المؤمن في تعلقه بربه 2/فضل العشر الأواخر واجتهاد النبي فيها 3/من أعمال العشر الأواخر 4/الحث على زكاة الفطر وبيان بعض أحكامها 5/من سنن العيد وآدابه

اقتباس

هذه العشر أشعرتنا بالعزة بالدين والمسارعة إلى لخيرات، تلمس بيوت الله هذه الليالي تراها تكتظ بالرجال والنساء شيبا وشبابا، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً الله ورضونا، يقطعون الليل تسبيحا وقرآنا، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله، لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأمر وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فأوصيكم -أيّها الصائمون- ونفسي بتقوى الله -عزّ وجلّ-؛ (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)[البقرة: 235].

 

الواقفُ بغير بابِ الله عظيمٌ هوانُه، والمؤمِّل غيرَ فضلِ الله خائبةٌ آماله، والعامِل لغير الله ضائعةٌ أعمالُه.

 

كم نطلب الله في ضر يحل بنا *** فإن تولت بلايانا نسيناه

 

الأسباب كلُّها منقطِعة إلا أسبابه، والأبوابُ كلّها مغلَقة إلا أبوابُه؛ (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)[البقرة: 186]، النّعيمُ في التلذُّذ بمناجَاةِ الله، والرّاحة في التّعَب في سبيل الله، والغِنى في تصحيحِ الافتقارِ إلى الله؛ "أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ".

 

يا مَنْ ألُوذُ بِهِ فيمَا أُؤمّلُهُ *** وَمَنْ أعُوذُ بهِ مِمّا أُحاذِرُهُ

لا يَجْبُرُ النّاسُ عَظْماً أنْتَ كاسِرُهُ *** وَلا يَهيضُونَ عَظْماً أنْتَ جابِرُهُ

 

الله -سبحانه- غنيٌّ، ولا غِنى للعباد عنه، هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ.

 

ألا إنّ رَبّي قوِيٌّ مَجيدُ *** لَطيفٌ جَليلٌ غنيٌّ حَميدُ

رأيْتُ المُلُوكَ وإنّ عَظُمَتْ *** فإنَّ المُلُوكَ لرَبِّي عَبيدُ

 

وعبادتُه وحده سببُ دخول جنات النعيم، جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنة، قال: "تعبُد الله لا تُشرِك به شيئًا، وتُقيمُ الصلاةَ المكتوبة، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضة، وتصوم رمضان"(متفق عليه).

 

هذه المعاني الجليلة الكبار تتجلى في هذه العشر المباركات، حيث خصه الله -جل جلاله- بمزيد من الإنعام والإفضال، ففتح فيها جناته، وله في كل ليلة عتقاء من النار، وفيها ليلة خير من ألف شهر، تاجُ الليالي، بركاتُها عديدة، وساعاتُها معدودة، ليلةُ عظيمةٌ القدر؛ (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)[الدخان: 4]، تتنزَّلُ فيها الملائكة، القائمُ في ليلتها بالتعبُّد مغفورٌ له ذنبُه؛ "من قامَ ليلةَ القدر إيمانًا واحتِسابًا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه"(متفق عليه)، من حرم خيرها فهو المحروم المغبون.

 

وقد كان المعصوم -عليه الصلاة والسلام- "يعتكِفُ في العشر الأواخِر من رمضان حتى توفَّاه الله -تعالى-"(متفق عليه)، قال ابن بطَّال -رحمه الله-: "فهذا يدلُّ على أن الاعتِكافَ من السنن المُؤكَّدة؛ لأنه مما واظَبَ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فينبغي للمؤمنين الاقتداءُ في ذلك بنبيِّهم".

 

وأجل العبادات التوبةُ إلى الله والإنابةُ إليه، ثم المسارعة إلى الخيرات، وهذه العشر موسِمٌ للمُتصدِّقين يتنافسُ فيه الأغنياءُ بالبذلِ والإنفاقِ في فعل الخيرات، وصنائِع المعروف، ومدِّ يدِ العون والمُساعَدة والصدقة إلى ذوي الفاقَة والمساكِين، والأوقاف على مشاريع الخير والعلم والإحسان.

 

هذه العشر أشعرتنا بالعزة بالدين والمسارعة إلى لخيرات، تلمس بيوت الله هذه الليالي تراها تكتظ بالرجال والنساء شيبا وشبابا، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً الله ورضونا، يقطعون الليل تسبيحا وقرآنا، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا.

 

علمتنا أن صلاة الفجر ليست شبحا، وأن قيام الليل ليس مستحيلا، وأن تلاوة شيء من القرآن ليس صعبا، وأن التقرب إلى الله ليس معجزا؛ (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97]، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، إن ربنا لغفور شكور.

 

ربُنا حليمٌ عظيمٌ راحمٌ متكرمٌ *** رؤوفٌ رحيمٌ واهبٌ متطولُ

جوادٌ مجيدٌ مشفقٌ متعطفٌ *** جليلٌ جميلٌ منعمٌ متفضلُ

 

فأحسنوا الظن بربكم فقد قال ربنا -تبارك وتعالى-: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي ما شاء".

 

إذا كان حسن الظن بالخلق نافعا *** فكيف برحمان رحيم له دنا؟!

 

اللهم تقبل منا، واعف عنا، وتب علينا إنك انت التواب الرحيم، ونستغفرُ الله العظيم من سيئات أعمالنا؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، وسمع الله لمن دعا، وصلى الله وسلم على الرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليما كثيرا.

 

أمّا بعد: في خِتام هذا الشهر الكريم يكثر المسلم من سؤال الله القبول، وعند إكمال العدة، شَرع الله لعبادِه عباداتٍ يتقربون بها، ليوفيهم أجورهم ويزيدَهم من فضله؛ (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة: 185]، فشرع التكبير من غروب شمس ليلة العيد إلى الصلاة العيد،  وشرع زكاة الفطر، وهي صدقة واجبة عن الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين، صاعاً من طعام، يخرجها الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقتهم، تدفع للفقراء والمساكين خاصة، وليست لسائر أصناف أهل الزكاة؛ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "طُهرةٌ للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين"، وأفضل وقتها أن تؤدى قبل خروج الناس لصلاة العيد، ويجوز أن تؤدى قبل العيد بيومٍ أو يومين، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، ويجوز أن تعطى زكاة الواحد لعدد من الفقراء، كما يجوز أن تعطى زكاة الجماعة لفقير واحد.

 

وشرع للمسلمين أَن يَخرجوا لصلاة العيد رجالاً ونساءً، قالت أُمُّ عَطِيةَ -رضي الله عنها-: "أمَرَنا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ وَالأضْحَى، العَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فأمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ"(متفق عليه).

 

كما يُسَنُّ للمسلمِ أَنْ يَأَكُلَ تَمراتٍ قَبْلَ أَنْ يخرجَ إلى صَلاةِ العِيْدِ، قال أَنسٌ -رضي الله عنه-: "كانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لا يَغْدُو يَومَ الفِطْرِ حتَّى يَأْكُلَ تَمَراتٍ"(رواه البخاري).

 

والواجب على المرأةِ ألا تخرج متبرجةً ولا متعطرةً ولا متزينةً بزينة يراها الرجال، وعلى وليها أن يفقهها في ذلك، وعلى الرجل مراعاة ملبسه فإن الإسبال كبيرة من كبائر الذنوب، والدين والعبادة شاملة للملبس والمركب والزينة، فلا يُتزين بمعصية الله من أخذ اللحية وحلقها، فقد كان النبي كث اللحية وقال: "خَالِفُوا المُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ"، وكذا الإسبال في ثياب الرجال، أو تقصير ألبسة البنات، أو زكرشة وتبرج في عباية النساء، تلك وربي ليست من معاني آثار العبادة والتأثر في رمضان، فالعبادة خضوع وأعمال وسلوك، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته.

 

والله رفيق يحب الرفق، فرفقاً بالكواهل أن تحمل من الديون ما لا تطيق، أو تثقل بتكميل الكماليات هذه الأيام، مع غلاء الأسعار والتباهي بالتواصل، فتربى الأسر على الاقتصاد، فكلوا واشربوا ولا تسرفوا.

 

ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد، صاحب الحوض والشفاعة، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين.

 

 

المرفقات

نسائم العشر وختام الشهر.doc

نسائم العشر وختام الشهر.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات