عناصر الخطبة
1/انتهاء أكثر من نصف شهر رمضان 2/موعظة للمفرطين في شهر رمضان 3/حقيقة الدنيا 4/تذكر الموت وما بعده 5/الحث على الطاعة وتدارك ما بقي من العمر.اقتباس
ماذا تنتظر؟ أتنتظر الموت؟ فالموت كلَّ يوم يخْطِف الكثير منّا. أتنتظر مرضًا يُقعدك عن العمل والجدّ؟ إنه من المؤسف أنْ تُسارعَ وتُسابقَ إلى اللهو واللعب، وتكسلَ أو تُحجمَ عن الطاعات ونيلِ مغفرة الله ودخول جنته. تَدارَك ما بقي من عمرك، فكلّ يوم يُدنيك إلى أجلك، وكلّ ساعة تقرّبك إلى قبرك...
الخُطْبَة الأُولَى:
إنّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-، وراقبوه في جميع شؤونكم.
معاشر المسلمين: ها هو شهر رمضان قد ذهبت كثيرٌ من أيامه ولياليه، ولا يزال كثير من الموفَّقين مُغْتَنِمين أيامه، صائمين نهاره، وقائمين لياليه، وتالين كتاب الله في جلّ أوقاتهم.
ولكن مع الأسف، لا يزال بعض الناس في غفلة عنه وعن فضله، فنهارهم نوم، وليلهم لهوٌ ولعب، لازالوا في سكرة الغفلة، وقد لا يُفيقون منها إلا بعد هجوم هادم اللذات.
متى يُدركون أنّ الحياة مهما طالت فهي قصيرة، ومهما تزيّنت فهي حقيرة، ومهما كثرت فهي قليلة.
أما رأيتموها لا يطأ أحدٌ قدمه عليها إلا أخَذته؟ ولا استمتع بها أحدٌ إلا عن قريب أُصيب بداء الموت أو المرض أو الهرم؟
أما رأيتموها لا يحبّها أحدٌ وتعلّق بها إلا غدَرت به، ففارقها غير مأسوف على حاله؟
ألسنا نودّع كلّ يوم واحدًا منا أو أكثر؟ أما يأخذ الموتُ أحدَنا في فراشه؟ أما يتخطّى الآمِن وهو غارق في نومِه؟
متى تُدركُ أنَّ الدور قد يكون عليك؟ وأنَّ ساعة رحيلك ربما قد دنَت؟
أما سألت نفسك: ما حالُك وما شعورُك في أوّل ليلةٍ تبيتُ فيها في قبرك، بعيدًا عن الناس وعن أقاربك؟
فارْقتُ موضع مرْقدي يوماً ففارقني السكون *** القبر أول ليلةٍ بالله قلْ لي ما يكون
ستبيتُ مع مخلوقات غريبة عليك، وهي ملائكة الله، فكيف سيكون شعورك معهم؟
كم سُؤالٍ سيُطرَح عليك؟
هل ستُجيب عن كلّ سؤال إجابةً صحيحة؟
هل ستسْتوعب كلّ هذه الأحداث؟
هل ستتمنّى الرجوع إلى الدنيا لتعْمل صالحًا؟
أخي المسلم: نظرةٌ واحدةٌ بعين البصيرة في هذا القبر سوف تعطيكِ -والله- حقيقة هذه الدنيا، فبعد العزة، وبعد الأموال، وبعد الأوامر والنواهي، وبعد الخدم والحشم، وبعد القصور والدور، تكونُ نهايةُ ابنِ آدم في هذه الحفرة الضيقة المظلمة.
تاللَّهِ لو عاشَ الْفتَى فِي أهلهِ *** ألْفًا منَ الْأعوامِ مالِكَ أمْرِه
مُتلَذِّذًا مَعَهُم بِكُلِّ لَذيذَةٍ *** مُتنَعِّمًا بالعيشِ مُدَّةَ عُمْرِه
لَا يَعْتَريهِ النَّقْصُ فِي أحْوالِهِ *** كلَّا ولَا تَجْرِي الْهُمومُ بِفكْره
ما كانَ ذلكَ كُلُّهُ مِمَّا يَفِي *** بِنزولِ أوَّلِ ليلةٍ فِي قبْرِه
فإذا تفكرت فيما ستلقاه في قبرك، وأنه إما روضةٌ من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؛ ارْتدعْتَ عن المعاصي ورقَّ قلبك لخالقك.
والله إنه لموقف مهيب عظيم جليل، يحتّمُ علينا نحن –معاشر الأحياء– أنْ نستعدّ له، قبل أن نكون من عالم "الأموات"، وتفارقَ أرواحُنا أجسادَنا، لتلقى عاَلَمًا آخرَ مختلفًا عن عالمنا من كلّ الوجوه، وسنلقى مخلوقات لم نلْتقِ بها من قبل.
إلى متى نرى ولا نتعلّم؟
إلى متى نسمع ولا نتّعظ؟
إلى متى ننشغل بحياةٍ فانية تافهة حقيرة، وننسى الحياة الباقية العظيمة الرهيبة؟
فيا من غرته الدنيا، أما علمت أنها دار الغرور؟ وأنّ الشيطان لا يفتر عن صدِّك عن التفكُّر في الحكْمة من لبْثك فيها، وصرفِكَ عن الاستعداد لمغادرتها إلى الحياة الباقية؟
لتكن همّتك مجاورةَ مَن سبَقك من الصالحين في الجنة، ويا لها من صحبة! ويا لها من كرامة! أن يرفعك الله في الجنة إلى منازل الصِّدِّيقين، وأن تكون في الفردوس مع النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين.
إن الدنيا تمضي بسرعة عجيبة، ولا مجال للتسويف والتردد في الإقبال على الطاعات، وعلى التوبة النصوح، وعلى تعلُّم دينك وتعليمه للمؤمنين.
اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها، وارحمنا وأحسن ختامنا، إنك برٌّ رؤوفٌ رحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: أيها الغافل ماذا تنتظر؟
أتنتظر الموت؟ فالموت كلَّ يوم يخْطِف الكثير منّا.
أتنتظر فوات زهرة الشباب وبلوغِ الهرم والألم والوجع، الذي يمنعك من كثير من الطاعات والعلم والعمل والدعوة إلى الله؟
أتنتظر مرضًا يُقعدك عن العمل والجدّ؟
ألا تسمع نداءَ ربك الذي خلقك وربّاك يناديك فيقول: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 133].
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[الحديد: 21].
(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)[البقرة: 148].
إنه من المؤسف أنْ تُسارعَ وتُسابقَ إلى اللهو واللعب، وتكسلَ أو تُحجمَ عن الطاعات ونيلِ مغفرة الله ودخول جنته.
تَدارَك ما بقي من عمرك، فكلّ يوم يُدنيك إلى أجلك، وكلّ ساعة تقرّبك إلى قبرك.
نسأل الله أن يمنّ علينا بالهداية، وأن يوفقنا للتوبة، إنه سميع قريب مجيب.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى، وإمام الورى؛ فقد أمركم بذلك -جل وعلا- فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسَلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات، اللهم فرِّج همومهم، واقضِ ديونهم، وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.
عباد الله: (إنَّ اللَّه يأْمُرُ بالْعدْل والْإحْسانِ وإيتاءِ ذي الْقُرْبى ويَنْهى عن الْفحْشاءِ والمنْكرِ والبغْيِ يعِظُكُم لَعلَّكُم تذكَّرُون)؛ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم