من مظاهر اليسر والتيسير في الشريعة الإسلامية

د عبدالحميد بن سعد السعودي

2017-05-26 - 1438/08/30 2021-01-26 - 1442/06/13
عناصر الخطبة
1/الحرج والضيق منفيَّان عن الشريعة المطهَّرة 2/بعض مظاهر التيسير ورفع الحرج في الشريعة المطهَّرة 3/مسائل وتنبيهات

اقتباس

يُلاحَظ على بعض الإخوة أنهم يتركون الأذكار بعد الصلاتين المجموعتين، وكذلك يتركون السنن الرواتب؛ وقد يرجع ذلك إلى انشغال بعضهم، فيخرج من المسجد سريعًا، وقد يرجع ذلك لظنِّ بعض الإخوة أن الرواتب تسقط مع الجمع كما تسقط مع القصر في السفر، وهذا ظن غير صحيح...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أيها الإخوة في الله: التيسير ورفع الحرج، وتقليل التكاليف، ومراعاة أحوال الناس، وترك التعسير، مبادئ عامة من مبادئ هذا الدين، وقواعد معلومة لدى العارفين، جاء التصريح بها في القرآن، وحفلت بها سُنَّة سيِّد الأنام -عليه الصلاة والسلام-.

 

السماحة واليسر والتكليف بما في الوسع معانٍ عظيمة، تنتظم الدِّين بجميع جزئياته، وتظهر جليةً في مختلف فروعه وكلياته.

 

إبعاد المشقَّة عن المؤمنين، ومراعاة مصالحهم الدينية والدنيوية أصل من أصول هذا الدِّين العظيم، وسمة من سماته، وميزة من ميزاته.

 

الحرج والضيق منفيَّان في هذه الشريعة المطهَّرة السمحة، يقول جلَّ وعلا: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ)[الحج: 78].

 

ولما أوجب الله الصيام، وبين الرخصة للمريض والمسافر، قال بعد ذلك: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[البقرة: 185].

 

الإنسان مخلوق ضعيف، محتاج إلى التخفيف (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)[النساء: 28].

 

أوجب الله على المصلي أن يتوضأ قبل دخوله في الصلاة، فلا يقبل الله صلاة محدث حتى يتوضأ، وقد لا يجد المصلي الماء، فشرع الله له التيمم (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[المائدة: 6].

 

ثبت في صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبَه، فسدِّدُوا وقاربِوا وأبشِروا".

 

أيها الإخوة في الله: لقد زخرت الشريعة الإسلامية السمحة برُخَص وتيسيرات في كل مجال من مجالات تكاليفها وتشريعاتها؛ حتى ينعم أهلُها بمزيد من اليُسر والسعة، ومن ذلك الصلاة التي هي عماد الدين، وركنه الثاني الركين، فرُخِّصَ للمريض أن يصلي على حسب استطاعته، ورُخِّص للمسافر في الجمع بين الصلاتين، وشُرع له قصر الرباعية، ورُخِّص للمحارب أن يصلي راكبًا أو راجِلًا.

 

وإن ممَّن شمَلَهم الترخُّصُ، وعمَّهم التيسيرُ، ورفع عنهم الحرج والمشقة؛ المقيمين في الأوطان، الآمِنين في البلدان، الأصحاء في الأبدان؛ وذلك في حال وجود المطر، المبيح للجَمْع بين الصلاتين، في وقت إحداهما، بين صلاة الظُّهْر والعصر، وبين صلاة المغرب والعِشاء مع المحافَظة على عدد ركعاتها.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، مَنِ اعتَصَم بحبله وفَّقَه وهداه، ومن اعتمد عليه حَفِظَه ووقاه، أحمده -سبحانه- وأشكره، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى أصحابه والتابعينَ ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أيها الإخوة في الله: ههنا مسائل يحسن التنبيه عليها في هذه الأيام:

 

أولًا: الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما لأجل المطر رخصة من الله -عز وجل-، فاقبلوا من الله رخصته، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يجب أن تؤتى عزائمه؛ ثبت في (صحيح مسلم) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، من غير خوف ولا سفر، فقيل لابن عباس: لِمَ فعَل ذلك؟ قال: أراد ألا يُحرِجَ أحدًا من أمته.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا يدل على أن الجمع للخوف والسفر والمطر أَوْلى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليدفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يُرفَع، والجمع لها أَوْلَى من الجمع لغيرها.

 

وروى عبد الرازق في مصنفه أن عمر بن الخطاب جمع بين الظهر والعصر في يوم مطير، وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعِشاء في المطر جمع معهم.

 

وقال هشام بن عروة: رأيتُ أبان بن عثمان يجمع بين الصلاتين في الليلة المطيرة، المغرب والعِشاء فيصليها معه عروة بن الزبير، وأبو سلمة عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن لا ينكرونه ولا يعرف لهم في عصرهم مخالِف.

 

ثانيًا: ذكَر أهل العلم -رحمهم الله- أن المطر الذي يبيح الجمع بين الصلاتين هو المطر الذي يبل الثيابَ، وربما حمل أواسط الناس على تغطية رؤوسهم، لا سيما من شدة البرد، فإن وجود البلل على الثياب يوقع كثيرًا من الناس في المشقَّة والحرج، ولتعلموا أن الجمع بين الصلاتين وفعلهما في المسجد أَولى من ترك الجمع مع صلاتها في البيت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "السُّنَّة أن تصلَّى الصلوات الخمس في المساجد جماعةً، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين، والصلاة جمعًا في المساجد أَولى من الصلاة في البيوت مفرَّقةً باتفاق الأئمة الذين يُجوِّزون الجمع".

 

ثالثًا: الصلاتان المجموعتان، عبادتان مختلفتان، يفتقر جمعهما إلى نية، وهذا الذي دلَّت عليه سنةُ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فإنه لَمَّا جمَع عليه الصلاة والسلام بأصحابه لم يُعلمهم أنه سيجمع قبل الدخول في الصلاة، بل لم يكونوا يعلمون ذلك، حتى قضى الصلاة الأولى.

 

رابعًا: يجوز الجمع لجميع المصلين الذين حضروا إلى المسجد، ولو كان بعضهم لا يتأذَّى بالمطر، كمن كان بيته بجوار المسجد، وكمن يأتي إلى المسجد بالسيارة... ونحو ذلك.

 

سئل الإمام مالك -رحمه الله- عن القوم يكون بعضهم قريب المنزل من المسجد، وبعضهم بعيد المنزل من المسجد، أترى أن يجمعوا بين الصلاتين كلهم في المطر؟ فقال: "ما رأيتُ الناسَ إذا جمعوا إلا القريب والبعيد فيهم سواء يجمعون، إذا جمعوا جمع القريب منهم والبعيد".

 

وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "ويُجمَع مِنْ قليلِ المطرِ وكثيرِه، ولا يُجمع إلا مَنْ خرَج من بيته إلى المسجد، قَرُبَ المسجدُ أو بَعُدَ، كَثُرَ أهلُه أو قلُّوا".

 

خامسًا: يلاحظ على بعض الإخوة أنهم يتركون الأذكار بعد الصلاتين المجموعتين، وكذلك يتركون السنن الرواتب؛ وقد يرجع ذلك إلى انشغال بعضهم، فيخرج من المسجد سريعًا، وقد يرجع ذلك لظنِّ بعض الإخوة أن الرواتب تسقط مع الجمع كما تسقط مع القصر في السفر، وهذا ظن غير صحيح، فحال السفر يختلف عن حال الحضر.

 

وربما ترك بعض الإخوة الأذكار والسنن الرواتب نظرًا لطول بقائه في المسجد، وهذا أمر غير محمود، فإن من إظهار الشكر على هذه النعمة؛ نعمة المطر، وهذه الرخصة رخصة الجمع بين الصلاتين؛ الإتيان بالأذكار بعد الصلاة والاستغفار، والحرص على أداء السنن الرواتب، تكملةً للصلاة، فتصلى راتبةُ المغرب، ثم راتبة العِشاء، ومن كان معتادًا على أداء صلاة الوتر بعد صلاة العِشاء مباشرةً، فإنه يصلي الوترَ بعد الفراغ من الراتبتين؛ لظاهرِ قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله زادكم صلاة هي صلاة الوتر، فصلُّوها ما بين صلاة العِشاء إلى صلاة الفجر".

 

فاتقوا الله -عباد الله-، واشكروا الله على ما منَّ به عليكم من نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وأكثِروا من ذِكْره وشكره؛ فبذكره تطمئنُّ القلوب، وبشكره تدوم النِّعم.

 

بارك الله لي ولكم...

 

المرفقات

من مظاهر اليسر والتيسير في الشريعة الإسلامية.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات