من فضائل شهر الله المحرم

جابر السيد الحناوي

2010-12-12 - 1432/01/06
عناصر الخطبة
1/ فضل الأشهر الحرم 2/ من فضائل شهر الله المحرم 3/ فضل صيام عاشوراء 4/ من بدع يوم عاشوراء 5/ سبب فساد أحوال الناس 6/ لمحة من تاريخ الأندلس 7/ من أسباب انتصار المسلمين في فلسطين
اهداف الخطبة

اقتباس

ومن فضائل شهر المحرم أن الله نجى فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون وقومه؛ عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟"! قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى شكرًا لله، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" ..

 

 

 

 

 

الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70، 71].

جعل الله -سبحانه وتعالى- لنا مواسم للخيرات، يزداد فيها المؤمن إيمانًا، ويتوبُ فيها العاصي إلى الله، فالسعيد من اغتنم هذه المواسم المباركة فيملؤها بالطاعات، والشقي من حرم نفسه خيرها، ومن هذه المواسم المباركة شهر المحرم، الذي يظلنا في هذه الأيام.

شهر المحرم هو أحد الأشهر الحرم التي قال الله -عز وجل- عنها في كتابه العزيز: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ...) [التوبة: 36].

وقد فصلت السنة النبوية المشرفة هذه الأشهر الحرم، فعن أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".

وذهب بعض أهل العلم إلى أن أفضل الأشهر الحرم هو شهر المحرم؛ قال الحسن البصري: "إن الله افتتح السنة بشهر حرام، وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة، بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم".

وكان اسم المحرم في الجاهلية صفر الأول، ثم لما جاء الإسلام سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهرَ الله المحرم، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ".

فلمَ خُصَّ المحرم بهذا الاسم: "شهر الله" دون سائر الشهور، مع أن فيها ما يساويه في الفضل أو يزيد عليه كرمضان؟! في الديباج على مسلم وجدت ما يجاب به: أن هذا الاسم إسلامي دون سائر الشهور؛ فإن أسماءها كلَّها على ما كانت عليه في الجاهلية، وكان اسم المحرم في الجاهلية صفر الأول، والذي بعده صفر الثاني، فلما جاء الإسلام سماه الله المحرم، فأضيف إلى الله بهذا الاعتبار".

وإضافته إلى الله -عز وجل- تدل على شرفه وفضله؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته؛ كما نسب محمدًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرَهم من الأنبياء إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته، كما في قوله -عز وجل-: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) [هود: 64]، وكما في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد مر بالروحاء سبعون نبيًّا... يؤمون بيت الله العتيق".

ومن فضائل شهر المحرم أن الله نجى فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون وقومه؛ عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟"! قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى شكرًا لله، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ".

وليس صيامه -صلى الله عليه وسلم- له تصديقًا لليهود بمجرد قولهم، بل كان يصومه مع قريش قبل البعثة؛ لما في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ".

وفي فضل الصيام في شهر المحرم قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ".

فهذا الحديث فيه تصريح بأن المحرم هو أفضل الشهور لصوم التطوع، وقال القرطبي: "إنما كان صوم المحرم أفضل الصيام من أجل أنه أول السنة المستأنفة، فكان استفتاحها بالصوم الذي هو أفضل الأعمال".

وانطلاقًا من هذا الحديث فإن أفضل الأعمال التي يمكن أن يقوم بها المسلم في شهر المحرم هو الصيام، فينبغي لكل مسلم أن يكثر من صيام التطوع فيه، ولنتذكر أن الصوم له فضله وثوابه العظيم عند الله -عز وجل-؛ فعن سهل -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟! فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ".

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".

وعن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ -رضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ".

أما عن فضل صوم عاشوراء؛ فعن أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ".

لقد كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على صوم يوم عاشوراء، وإرشاد أمته إلى صيام ذلك اليوم المبارك؛ لتنال المغفرة الربانية الكريمة، وذلك من خلال أحاديثٍ كثيرة؛ منها: عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- غَدَاةَ عَاشُـورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: "مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ". قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ".

ونحن أيضًا ينبغي أن نعود أطفالنا الصغار فعل الخيرات، ونعلمهم اتباع سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- منذ نعومة أظفارهم، ولذا علينا أن نعرِّفهم فضل صوم رمضان والمحرم وغير ذلك من مواسم الخيرات، ونشجعهم على الصيام، وذلك بأن نعطيهم بعض الهدايا أو القليل من المال، ولنتذكر الحكمة المعروفة: أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، فالتربية الصحيحة في سن الطفولة لها أثر كبير في حياة الإنسان.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ -يَوْمَ عَاشُورَاءَ- وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ".

عن عطاء أنه سمع ابن عباس -رضي الله عنه- يقول في عاشوراء: "خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر".

فانظر -أخي الكريم- إلى هذا الفضل الجزيل من رب كريم، واغتنم هذه الفرصة المباركة، التي قد لا تعود أبدًا، فالأعمار بيد الله، فاعقد النية من الآن على الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم، وخاصة يوم عاشوراء، ولا تجعل هذا اليوم يمر عليك دون أن تصومه، إلا إذا كنت صاحب عذر شرعي كمرض أو كبر سن أو غير ذلك؛ فصوم يوم عاشوراء كما رأينا له فضل عظيم عند الله، فعلى كل مسلم أن يغتنم صوم هذا اليوم خالصًا لله وحده؛ رجاء أن يغفر الله له ذنوب السنة الماضية.

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

 

رغم وضوح فضلِ المحرم شهرِ الله الحرام، وموقعِه بين شهور العام، على ضوء الكتاب والسنة، وأنه لم يصح في فضل شهر المحرم عامة، ويوم عاشوراء خاصة من الصالحات إلا الصيام، فإنه يقع من الناس في هذا الشهر وفي هذا اليوم بالذات -يوم عاشوراء- كثير من البدع، منها ما لا أصل له، ومنها ما يبنى على أحاديثٍ موضوعة أو ضعيفة؛ فإن بعض الكذابين والجاهلين وضعوا أحاديث في فضل هذا الشهر الحرام وصوم يوم عاشوراء ونسبوها كذبًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، إن جهل الكثيرين من الناس بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- جعلهم يبتدعون في دين الله ما ليس منه، ومن المعلوم أن الله قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، قال -عز وجل-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً) [المائدة: 3]، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: 7]، فلا يجوز لنا أن نبتدع شيئًا في دين الله ليس من الشرع في شيء.

وقد حذرنا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من الابتداع في الدين، فعَنْ أُمِّنا عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ".

لقد أحدث الشيطان الرجيم بسبب مقتل الحسين -رضي الله عنه بدعتين-:

الأولى يقترفها الشيعة: ممثلة في الحزن والنوح واللطم والصراخ والبكاء، وإنشاد المراثي وما إلى ذلك من سب السلف الصالح، وقراءة أخبار مثيرة للعواطف، مهيجة للفتن، وكثير منها مكذوب، وكان قصد من سـن هذه السنة السيئة في ذلك اليوم هو فتح باب الفتنة والتفريق بين الأمة.

وهذا لا شك في أنه غير جائز بإجماع المسلمين، فإحداث الجزع والنياحة وتجديد ذلك للمصائب القديمة من أفحش الذنوب وأكبر المحرمات.

الثانية عند بعض أهل السنة: وهي بدعة السرور والفرح، واتخاذ هذا اليوم عيدًا بمعنى العيد، ويوسع فيه على العيال، والتوسعة وإن كانت مشروعة في الجملة، لكن الاحتفاء بها بما يقرب من اعتقادها دينًا، فهذا هو الخلل والخرق بعينه، لدرجة أنهم رووا كذبًا: "من وسع على عياله في النفقة يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته". وغيره من الأحاديث الموضوعة في فضل يوم عاشوراء، فأحدث أولئك الحزن وهؤلاء السرور، وكل هذا من البدع المكروهة.

قال العلامة ابن أبي العز الحنفي: "إنه لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم عاشوراء غير الصوم، إنما الروافض لما ابتدعوا المآتم، وإظهار الحزن يوم عاشوراء لكون الحسين -رضي الله عنه- قتل فيه، ابتدع جهلة أهل السنة إظهارَ السرور واتخاذ الأطعمة والاكتحال، ورووا أحاديث موضوعة في الاكتحال والتوسعة على العيال.

وجملة القول: إنه لم يستحب أحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرُهم شيئًا من ذلك؛ لعدم الدليل الشرعي، بل المستحب يوم عاشوراء عند جميع العلماء هو صومه مع صوم يوم قبله كما عرفنا.

ويأتي شهر المحرم بعد انقضاء عام بكل ما فيه من آمال وآلام، ليذكرنا بقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ". هذا الخبر من أعلام النبوة؛ لإخباره -صلى الله عليه وسلم- بفساد الأحوال، ويقول عبد الله بن مسعود راوي الحديث مصرحًا بالمراد: "لست أعني رخاءً من العيش يصيبه، ولا مالاً يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم وإلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون".

والمقصود بالعلم هنا: العلم الشرعي، وابتعاد الناس عن معين الشريعة وانغماسهم في المعاصي، وما يترتب على ذلك من كثرة الفتن والبلايا والرزايا، كما هو حال الأمة في هذه الأيام -والعياذ بالله-، فيوم يجد الناس من يحكمهم بشرع الله نجد الأمن والعزة والسلام، مصداق ذلك في تاريخنا القديم والحديث، لكننا لا نقرأ.

تذكر كتب التاريخ أن يوسف بن تاشفين كان أحد ملوك دولة الموحدين بمراكش، وفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة 478هـ وردت عليه كتب الأندلس، يبثونه حالهم، وما منيت به من استدعاء الروم، وما جنوه عليها، وفاوضه الحكام المسلمون واستدعوه لنصرتهم على الروم.

وعلم بذلك الحاكم النصراني صاحب طليطلة المسمى الأذفونش، وكان أحد الطغاة الذين تغلبوا على المسلمين في الأندلس، فأرسل إليه رسالة يتهدده فيها ويتوعده، جاء بها:

من أمير الملتين أذفونش بن فردلند إلى الأمير يوسف بن تاشفين، أما بعد، فلا خفاء على ذي عينين أنك أمير الملة المسلمة، كما أنا أمير الملة النصرانية، ولم يخف عليكم ما عليه رؤساؤكم بالأندلس من التخاذل، والتواكل، وإهمال الرعية، والإخلاد إلى الراحة، وأنا أسومهم سوء الخسف، وأضرب الديار، وأهتك الأستار -أي يأسر النساء- وأقتل الشبان، وأسبي الولدان، ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم، إن أمكنتك قدرة.

هذا، وأنتم تعتقدون أن الله -تبارك وتعالى-، فرض على كل واحد منكم، قتال عشرة منا، ثم خفف عنكم فجعل على كل واحد منكم، قتال اثنين منا، وأن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار، ونحن نعتقد أن الله أظهرنا بكم، وأعاننا عليكم، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا؛ إذ لا تقدرون دفاعًا، ولا تستطيعون امتناعًا.

وبلغنا عنك أنك في الاحتفال على نية الإقبال، تماطل نفسك وتقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فلا أدري إن كان الجبن يبطئ بك أم التكذيب لما أنزل عليك!!

فلما وصل الكتاب إلى يوسف بن تاشفين مزقه وكتب في ظهر قطعة منه: جوابك يا أذفونش ما تراه، لا ما تسمعه إن شاء الله.

فلما عاد الكتاب إلى الأذفونش ارتاع لذلك، وعلم أنه بُلي برجل له عزم وحزم، فازداد استعدادًا.

وأمر الأمير يوسف باستنفار الجيوش من الأمصار، ثم أجاز البحر إلى الأندلس، من مضيق سبته، وكان اللقاء يوم الجمعة منتصف رجب من عام 479هـ، ووقعت حرب مرة، تجلت عن هزيمة العدو الطاغية، هزيمة كبري، واستئصال شأفته، وأفلت أذفونش في نفر قليل، وأعز الله المسلمين ونصرهم نصرًا لا كفاء له... وتقديرًا منهم ليوسف بن تاشفين أطلقوا عليه لقب أمير المسلمين، وهو أهل لهذا الشرف وأكثر، أما أذفونش الصليبي المغرور فقد صار كما يقول المثل: أذل من الحذاء.

والشاهد من القصة أن الأمير يوسف بن تاشفين سارع إلى نجدة إخوانه المسلمين في الأندلس من ظلم الروم الصليبيين، لقد كان رجلاً وصفه المؤرخون بأنه اشتهر بخوفه من الله، كتوم لسره، كثير الدعاء والاستخارة، مقبل على الصلاة، مديم للاستغفار، يواصل الفقهاء، ويعظم العلماء، ويصرف الأمور إليهم، ويأخذ فيها بآرائهم، ولو كانت على نفسه، ويحض على العدل، ويصدع بالحق، ويعضد الشرع، إلى أن لقي ربه.

فهل عدم المسلمون مثل هذا الرجل الذي يستطيع أن يقف في وجه رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو الذي يتصرف في غزة وكأن أهلها قطيع من الأغنام، لا صاحب له، النساء الفلسطينيات يصرخن ويستنجدن: وينكم يا عرب؟! أين العرب؟!

العرب لن يفعلوا لكم شيئًا، وكل المصائب التي تتجرعونها هي بسبب العروبة، وأمجاد يا عرب أمجاد، الكل يتاجر بالقضية الفلسطينية، حتى زعماؤكم الذين هم من جلدتكم، والذين فُرضوا عليكم، يتعيشون على القضية الفلسطينية، انظروا إليهم، لقد سمنوا وربربوا بملايين الدولارات التي يقدمها لهم أسيادهم باسم دعم السلطة، هل هذه وجوه زعماء يشاركون شعبهم الجائع، هؤلاء لا فائدة من ورائهم، إنهم يبيعونكم الوهم، يبيعونكم الشعارات، ويرمون لكم الفتات.

أما اليهود فلن تجدي معهم التهدئة، ولا المفاوضات، ولن ترهبهم الصواريخ التي تلعب الفصائل بها معهم، والعرب لن يساندوكم، فليس أمامكم سوى مصير واحد، هو أن تموتوا إما من الحصار والجوع، أو القتل في الغارات التي يشنها عليكم اليهود.

ولكن أمامكم المستوطنات اليهودية، مكدسة بالغذاء والدواء والسلاح، أكوام الطعام والعتاد أمام أعينكم، إنها أرضُـكم وأموالكم التي يتمتع بها اليهود، وما عليكم إلا أن تتوكلوا على الله، وتزحفوا إليها، وتنتزعوها من أيديهم، وخذوهم واحصروهم واتخذوهم دروعًا بشرية، إن كنتم تريدون الحياة.

وظني أنكم لن تفقدوا في هذا الزحف أكثر مما فقدتم من القتلى والجرحى في غارة من الغارات الماضية، ومهما يكن عددهم فيومها سيكون قتلاكم حقًّا من الشهداء، وأحياؤكم أبطالاً يعمل لهم ألف حساب، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

ليس أمامكم سوى ذلك إن كنتم تريدون الحياة الحرة الكريمة، ولكم الأسوة في تجربة المجاهدين الأفغان مع القوات الروسية الغاشمة، والأمر ليس منا ببعيد.

اللهم هل بلغت؟! اللهم فاشهد.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 

المرفقات

من فضائل شهر الله المحرم.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات