من دلائل الحب النبوي

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2021-02-08 - 1442/06/26

اقتباس

من دلائل الحب النبوي

 

من دلائل الحب النبوي

ما زلنا نعيش في شهر ربيع الأول، شهر النور والسرور، والبهجة والحبور، الشهر الذي أكرم الله به الوجود بولادة أعظم موجود، وما زلنا نعيش في رحاب النبي العظيم، الرؤوف الرحيم، نستمتع بذكراه، ونتغذى بنجواه، ونستمطر بذكره بركات السماء، ونمحو باتباعه ظلمات الأكدار والآلام.

 

وإن علينا - أيها الاخوة - أن نحسن التعامل مع هذا النبي الكريم، وأن نعرف له حقه، ونوفي له شكره، ولا بد من أن نعيد النظر في هذا التعامل، وفي معرفتنا بحقه وشكره، ولا بد أن نسأل أنفسنا: ما هي مشاعرنا تُجاه هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنقذنا الله به من ظلمات الضلالة إلى إشراقات الهداية؟.

 

 

ما هي أحاسيسنا عند ذكره واستذكار أيامه؟

قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) [أخرجه البخاري ومسلم].

 

وإذا أردت - أخي المسلم - أن تعرف مدى حبك لهذا النبي الكريم فانظرْ إلى قلبك عند ذكره...انظرْ إلى عينيك عند ذكراه، إنَّ من دلائل الحب أن يخفق القلب، وتدمع العينان عند ذكره، كما أنَّ للحب علامات لا تخفى، فأين أنت منها؟.

وتعال معي - أخي المسلم - أطلعك على أحوال محبين صادقين، أعطوا الحبَّ حقه واستحقاقه، فكانوا القدوة والأسوة والحجة علينا، تعال معي إليهم لنرى أحوالهم عند ذكره صلى الله عليه وسلم واستذكار أيامه:

 

فمن هؤلاء المحبين خليفة رسول الله الراشد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فيما يرويه الحاكم وصححه عن سليم بن عامر قال: سمعت أوسط البَجَلي على منبر حمص يقول: سمعت أبا بكر الصديق -رضي الله عنه -على منبر رسول لله صلى الله عليه وسلم يقول (قال: فاختنقته العَبْرة، وبكى ثم قال) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنبر يقول -عام أول-: ((سلوا الله العفو و العافية واليقين، في الأولى والآخرة فإنه ما أوتي العبدُ بعد اليقين خيراً من العافية)).

 

تأملوا -أيها الإخوة- هذا الخبر، وتحسسوا مكامن الحب فيه.. إن أبا بكر وقد ذَكَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وتخيله قائماً على المنبر يخطبُ فيهم معلِّماً ومذكراً ومبصِّراً لم يملك نفسه إذ خفق قلبُه ودمعت عيناه ومنعه البكاءُ من مواصلة حديثه... بكى ثم أعاد قوله: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنبر– عام أول – يقول...

 

ومن هؤلاء المحبين الصادقين الفاروق عمر بن الخطاب وحكيم الأمة أبو الدرداء -رضي الله عنهما-:

روى عمر بن شبّة بإسناده أن عمر زار أبا الدرداء فقال أبو الدرداء: أتذكر حديثاً حدثناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: أي حديث؟

قال: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب.

قال: نعم

قال:فماذا فعلنا بعده يا عمر؟

قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء حتى أصبحا.

يبكيان الليل كله؟

نعم إن المحب لا يعرف الزمان.

لا في النهار ولا في الليل لي فرحٌ

فما أبالي أطال الليلُ أم قصرا

لأنني طول ليلي هائمٌ دَنِفٌ

وبالنهار أقاسي الهمَّ و الفِكَرا

 

ما أجلّ هذه الزيارة؟ وما أحسن هذه المذاكرة؟ أتذكرُ يا عمرُ حديثاً حدثناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟

 

 

 

هكذا فلتكن المجالسُ، وهكذا فلتكن المناصحةُ، واتهامُ النفس، وخوفُ التقصير والقصور، فأين نحن من هذا؟

 

ومن هؤلاء أعلام الحب والوفاء الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-فيما يرويه ابنُ ماجه بسنده عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابنُ مسعود عشية خميس إلا أتيتُه فيه -أي كان ابن مسعود قد خصص مساء الخميس لإخوانه يعلمهم ويعظهم ويذكرهم، وفي هذا تعليمٌ للعلماء أن يخصصوا للمسلمين أوقاتاً للتذكير والنصح و التوجيه-.

قال ابنُ ميمون: فما سمعته يقول بشيء قط،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان ذات عشية قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال: فنكس [رأسه]، فنظرت إليه فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: (أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك).

 

هذا مشهدٌ جليلٌ حافلٌ، مشهد تعبر فيه الإشارات والعبارات عن حبٍّ يقظٍ هدارٍ موارٍ، حبٍ لا يستطيع معه صاحبُه أن يصرِّح باسم الحبيب تهيباً ، فإذا ذكره تغيرت أحواله، وتلعثمت أقواله، واغرورقت العينان، وانتفخت الأوداج، وتحللت الأزرار، وأدركه الخوف والحرص والورع على كلام الحبيب من أن يقصر في الأداء فقال مستدركاً وجلاً: أو دون ذلك، أو فوق ذلك أو قريباً من ذلك أو شبيهاً بذلك.

 

هذا هو الحب، والورع المتين، والمشاعر الجياشة، والعاطفة النبيلة الصادقة، فأين نحن من هذا؟

 

ومنهم الحبر الكبير ترجمان القرآن المفقه المعلَّم عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- فيما يرويه البخاري في الصحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال)): يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال:اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعُه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً...)).

 

بكى حتى خضب دمعه الحصباء؟

نعم إنَّ دموع المحبين تصدر عن بحرٍ لا قرار له، ومَن ذاق عرف، ومن جرب ما كذب ...

 

فأين نحن من هذا؟

ومن هؤلاء في عهد التابعين الذين اهتدوا بهدي الأصحاب الأبرار، وتربوا بسَمْتهم وقولهم، واستضاؤوا بعلومهم وفهومهم، التابعي العابد الزاهد ثابت البناني فيما يرويه الإمام أحمد عنه أنه قال: قال أنس: فلما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسُكم أن دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم؟.

 

قال تلميذ ثابت حماد بن زيد: فكان ثابت إذا حدَّث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه. أي بكاء هذا يجعل الأضلاع تهتز؟.

إنه بكاء الحب والرقة والأسى والاشتياق.

وأختم كلامي بعلم من أعلام السنة الإمام الثبت الثقة أيوب السختياني البصري، وندع الإمام النجم مالك بن أنس -رضي الله عنه- يحدثنا عنه فيقول: (رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين، فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعداً في فناء زمزم، فكان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأيت ذلك كتبت عنه).

 

هذا - أيها الإخوة - خبرٌ حافل بالدروس والعبر:

وأولاها بالوقوف عنده هذه الحيطةُ، وهذا الحذرُ البالغُ من الإمام مالك في انتقاء الشيوخ الذين يأخذ عنهم علم السنة.

 

ومن هذه الدروس: معرفة المقياس والميزان الذي استعمله الإمام مالك مع هذا الشيخ.. فهو عندما رآه محباً للنبي صلى الله عليه وسلم هذا الحب المدهش، هذا الحب الصادق الناطق، المترجم عما في القلب من إيمان وتصديق واتباع، عندها كتب عنه. فليسمع مَنْ يتوجه لطلب السُّنة، وليتعلم من الإمام مالك منهج الطلب والإفادة.

 

أيها الأخوة:

لن أعلق كثيراً فأفسد عليكم أجواء الرحمات والبركات التي تتنزل عند ذكر الصالحين، وعند ذكر سيد الصالحين، ولكني أقول لكم:

أين نحن من هؤلاء؟

أين نحن من أشواقهم ومعارجهم؟

أين نحن من هذا الحب الذي يقود إلى الاتباع ويحض عليه ويحققنا به

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات