من تلعنهم الملائكة

فواز بن خلف الثبيتي

2013-07-23 - 1434/09/15
عناصر الخطبة
1/من الأصناف الذين تعلنهم الملائكة من كفر بالله ورسوله ومات على الكفر 2/ من الأصناف الذين تعلنهم الملائكة - من يرتد بعد إيمانه، ويكفر بعد إسلامه 3/ من الأصناف الذين تعلنهم الملائكة - من أحدث في المدينة النبوية حدثًا أو آوى فيها محدثًا 4/ من الأصناف الذين تعلنهم الملائكة من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه 5/ من الأصناف الذين تعلنهم الملائكة من نقض أمان مسلم 6/ من الأصناف الذين تعلنهم الملائكة- قتل المسلمين بغير حق

اقتباس

أيها الإخوة في الله: وهذا اللعن قد يقع على بعض عصاة المسلمين، ممن تلطخ بآثام وموبقات، أو معاصٍ ومخالفات، جعلته في عِداد الملعونين عند ملائكة الرحمة، ومنهم: من سبّ أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" والسبّ هو...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره...

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله -عباد الله- وراقبوه، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.

 

أيها الإخوة في الله: تحدثنا في الجمعة الماضية أن الملائكة الكرام من أكثر الخلق استجابة للدعوات، فدعاؤهم مستجاب؛ لأنهم لا يقولون قولاً لم يأذن فيه الله -عز وجل-، ولا يعملون عملاً، ولا يدعون إلا لمن كان مرضيًا عند الله -تعالى-، وذكرنا ما ثبت في كتاب الله وصحيح سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممن تدعو لهم الملائكة بالرحمة والمغفرة، وتصلي عليهم، وتستغفر لهم، وهم إجمالاً: من بات طاهرة، والقاعد ينتظر الصلاة، وأهل الصفوف المتقدمة، ومن يكونون عن يمين الإمام، وأصحاب الصف الأول، ومن يتمون الصفوف ويسدون الخلل، ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة خلف الإمام في الصلاة، ومن جلس في مصلاه بعد الصلاة ينتظر الصلاة، ومن صلى الفجر والعصر في جماعة، والذين يصلون على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب، والمنفق في سبيل الله، والمتسحرين، وعائد المريض، والداعية إلى الله، والدال على الخير، ودعاؤهم واستغفارهم للذين آمنوا وتابوا إلى الله، وأنابوا إليه، واتبعوا سبيله - عز وجل -.

 

فهنيئًا -عباد الله- لمن كان من السعداء أصحاب الحظ العظيم الذين يسعدون بدعوة الملائكة لهم، واستغفارهم، وصلاتهم عليهم.

 

أيها الإخوة في الله: واستكمالاً، فهناك الأشقياء الذين تدعو عليهم الملائكة وتلعنهم، أولئك المبعدون عن رحمة الله -جل وعلا-، الذين تصبحهم وتمسيهم اللعنات -والعياذ بالله-.

 

وأول هؤلاء: من كفر بالله ورسوله، ومات على الكفر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ)[البقرة: 161- 162].

 

فهنيئًا للكفار، من اليهود والنصارى والملاحدة ومن شايعهم، هنيئًا لهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فهم وإن طغوا وبغوا وتجبروا، وإن تمتعوا وسيطروا وحكموا، وإن تكبروا وأفسدوا فهم إلى اللعنة والنار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ)[محمد: 12].

 

لا تنفعهم شفاعة ولا وسيلة، قال أبو العالية: "يوقف الكافر يوم القيامة، فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس".

 

وفي اجتماع كل هذه اللعنات على الكافر زيادة في مقته وخزيه ونكاله، وبيان أنه لا يُرجى أن يرأف به رائف، لا من ملائكة ومن إنس، ولا أن يشفع له شافع؛ لأن اللعنة صُبت عليه صبًّا -نعوذ بالله من الكفر-.

 

وممن تلعنهم الملائكة: من يرتد بعد إيمانه، ويكفر بعد إسلامه بعد أن جاءته البينات، وشهد أن الرسول حق، قال تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: 86-89].

 

نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ونسأله الثبات على دينه حتى الممات، وأن لا يجعلنا ممن كفر بعد إيمانه، فاستحق العذاب في الدنيا والآخرة.

 

ولذا كان يكثر في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"؛ لأنه قد يرتد الإنسان عن دينه وإيمانه وهو لا يشعر، فيكون ملعونًا بارتداده ونكوصه عند الهدى وهو لا يدري -نعوذ بالله من ذلك-.

 

أيها الإخوة في الله: وهذا اللعن قد يقع على بعض عصاة المسلمين، ممن تلطخ بآثام وموبقات، أو معاصٍ ومخالفات، جعلته في عِداد الملعونين عند ملائكة الرحمة، ومنهم: من سبّ أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقوله: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" والسبّ، هو الشتم.

 

وحُقت اللعنة على من سب أصحاب رسول الله، وآزروه وآووه، وفدوه بأرواحهم وأموالهم وأولادهم.

 

قال عليه الصلاة والسلام: "لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه".

 

أي لو أن أحد الناس أنفق مثل جبل أُحذ ذهبًا من الفضيلة والأجر ما نال ما ينال أحد الصحابة بإنفاق مُّدٍ من طعام ولا نصفه.

 

فأين هذا التقدير والإجلال لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قومٍ لئام، جعلوا سبّهم لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دينًا لهم يتقربون به إلى الله، أولئك الشيعة الرافضة -عليهم لعائن الله إلى يوم الدين-، الذين يلعنون أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ويسبون عائشة الصديقة -رضي الله عنها- وحفصة -رضي الله عنها-، ويقولون في دعائهم: "اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وابنتيهما" يقصدون أبا بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما-.

 

بل يكفّر الشيعة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا خمسة: علي والمقداد وأبو ذر وسلمان وعمار.

 

ألا ما أقبح دين الرافضة والشيعة، مجوس هذه الأمة، وأحقد طوائفها على أهل السنة، فكم لهم مع أهل السنة من مصائب ومآسي، وكم لّوثوا بقبيح فعالهم تاريخ الإسلام والمسلمين، ومآثرهم وعباداتهم ومقدساتهم، نسأل الله أن يهلكهم ويدمرهم، وأن يكشف أستارهم وأحقادهم، ويجعل تدبيرهم تدميرهم.

 

أيها المؤمنون بالله: وممن تلعنهم الملائكة -عياذًا بالله-: من أحدث في المدينة النبوية حدثًا، أو آوى فيها محدثًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل".

 

وهذا بسبب حرمة المدينة، وما لها عند الله من جلالة، ومعنى: "من أحدث فيها حدثًا" أي أتى فيها إثماً وأظهر فيها منكرًا وبدعة: "أو آوى محدثًا" أي حماه وتولاه.

 

وقيل: من نصر جانيًا وأجاره من خصمه وحال دون أن يقتص منه.

 

ومن الأشقياء أيضًا: من ظلم أهل المدينة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ".

 

لا يقبل منه فريضة ولا نافلة، هكذا تكون جريمة من أخاف أهل مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا تكون سوء عاقبته، في صحيح مسلم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله بالنار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء".

 

وممن تلعنهم الملائكة: من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً.

 

قال الإمام النووي: "هذا الحديث صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه، لما فيه من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل، وغير ذلك مما فيه قطيعة الرحم والعقوق".

 

فكل من ادّعى أنه من قبيلة غير نبيلة، أو انتسب إلى قوم أو عائلة، أو نسب غير نسبه، فهو متوعد بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

 

قال تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ)[الأحزاب: 5].

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كُفره".

 

وقال: "من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أن غير أبيه، فالجنة عليه حرام".

 

أيها الإخوة: وممن تلعنه الملائكة: من نقض أمان مسلم، لما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا -أي نقض عهده وأمانه للكافر- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ".

 

فإذا أعطى مسلم لكافر عهدًا ثم نقضه وغدر به حقت عليه اللعنة مهما كان هذا المسلم، عبدًا أو حُرًّا، رجلاً أو امرأة، فقد استجار كافر بامرأة من المسلمين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لقد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ".

 

وفي عهد عمر بن الخطاب يقول فضيل الرقاشي: "شهدت قرية من قرى فارس يقال لها: شاهرتا، فحاصرناها شهرًا، إذا كان ذات يوم، وطمعنا أن نصبّحهم انصرفنا عنهم عند المقيل، فتخلّف عبد لنا، فاستأمنوه، فكتب إليهم في سهم أمانًا، ثم رمى به إليهم، فلما رجعنا إليهم خرجوا في ثيابهم، ووصفوا أسلحتهم، فقلنا: "ما شأنكم؟ قالوا: أمّنتمونا" وأخرجوا إلينا السهم، فيه كتاب أمانهم، فقلنا: "هذا عبد، قلنا: "فارجعوا بأمان" قالوا: لا نرجع إليه أبدًا، فكتبنا إلى عمر -رضي الله عنه- بعض قصتهم، فكتب عمر: "إن العبد المسلم من المسلمين أمانه أمانهم".

 

هذا هو دين الله، أمان ووفاء بالعهد حتى مع الكفار، فكيف بمن ينقضون الأمان والعهد مع المسلمين؟!

 

ومن المعرّضين أنفسهم للعنة الملائكة ودعائهم: الممسك ماله عن الإنفاق: "اللهم أعط ممسكًا تلفًا".

 

قال ابن حجر: "وأما الدعاء بالتلف، فيحتمل تلف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال".

 

وممن تدعو عليهم الملائكة وجبريل خاصةً يدعو عليهم، وأمّن على دعائه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قال عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أتاني جبريل فقال: "يا محمد من أدرك رمضان فلما يغفر، فأبعده الله، قلت آمين: قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما، فدخل النار، فأبعده الله، قلت: آمين، فقال: من ذُكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله، قل آمين فقلت: آمين".

 

فكم هو تفريطٌ وخسرانٌ يحرم العبد نفسه من الأجر العظيم، ويعرضها لدعاء ومقت الملائكة، والبعد عن الله والنار، بفوات شهر رمضان دون رحمة ومغفرة، وبالغفلة عن الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يذكر، وبالتفريط في بر الوالدين عند كبرهما -نعوذ بالله أن نكون منهم-.

 

معاشر المسلمين: ومن العصاة الذين تلعنهم الملائكة: المرأة يدعوها زوجها إلى فراشه فتأبى عليه، قال عليه الصلاة والسلام: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح" وقال: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح".

 

وفي رواية: "حتى ترجع".

 

وفي رواية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها".

 

قال الإمام النووي: هذا دليل على تحريم امتناعها من غير عذر شرعي، وليس الحيض العذر في الامتناع؛ لأن له حقًّا في الاستمتاع بها فوق الإزار.

 

وقال النووي: وتستمر اللعنة على المرأة، حتى تزول المعصية بطلوع الفجر، والاستغناء عنها، أو بتوبتها ورجوعها.

 

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبينًا شناعة جريمة عصيان المرأة عمومًا لزوجها: "ثلاث لا تقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم إلى الله حسنة السكران حتى يصحى، والمرأة الساخط عليها زوجها، والعبد الآبق حتى يرجع فيضع يده في يد مواليه".

 

فلتحرص المرأة على طاعة زوجها وعدم إغضابه، وأن تطلب رضاه عنها ولا تخالفه مادام أنه في طاعة الله، ولتجاهد نفسها في ذلك، حتى لا تعرض نفسها للعنة الله والملائكة لها -والعياذ بالله-.

 

(فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ -أي مطيعات- حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ)[النساء: 34].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه والشكر له...

 

أما بعد:

 

فأوصيكم -أيها الناس ونفسي- بتقوى الله -عز وجل-، والبعد عن كل ما يسخطه ويغضبه، ويسبب مقته ونقمته.

 

عباد الله: ومن الأشقياء الذين تلعنهم ملائكة الرحمن: من قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه".

 

فمن روّع أخاه المسلم وخوّفه وعرّضه لما يؤذيه، فقد حلّت به اللعنة: "وإن كان أخاه لأبيه وأمه".

 

وهذا مبالغة في إيضاح التحريم والنهي في كل مسلم، حتى من لا يُتهم فيه الإنسان كأخيه، وتأكيدًا للتحريم هزلاً ولعبًا.

 

وعليه، فكل حديدة أو سلاح، لا يجوز الإشارة بها لمسلم، ولو كان الإنسان مازحًا؛ لأن فيه ترويع للمسلم، ولأن الشيطان قد يوقعه مازحًا أو عامدًا أو مستهينًا في قتل نفس مؤمنة.

 

وكم من حوادث كثيرة وقصص مؤلمة وقعت بسبب ذلك، ولذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تعاطي السيف مسلولاً من غمده، وقال محذرًا: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع".

 

وفي رواية: "ينزع أي يغريه ويزين له، فيقع في حفرة من النار".

 

أيها الناس -معاشر المؤمنين-: إذا كانت الإشارة لمسلم بسلاح، ولو كان مازحًا موجبة للعن الملائكة، فكيف بالله عليكم تكون عقوبة وجرم وذنب وجريرة من قتل مسلمًا مؤمنًا بغير حق؟!

 

إننا -عباد الله- نعيش في زمن ووقت كثر فيه القتل بغير حق، وانتشر فيه إزهاق الأرواح البريئة، وقتل النفوس الضعيفة، لأسباب ولغير أسباب.؛ فقلّ يوم لا تقرأ في جريدة، أو تسمع عن خبر قتل، وسطو واعتداء.

 

استهان كثير من الناس واستهتروا بالحقوق والحدود والدماء، وتجرؤا على الموبقات، ومنها: القتل -والعياذ بالله- حتى وصلت جرائم القتل في المملكة كما في إحصائية وزارة العدل إلى جريمة، قتل كل 13 ساعة.

 

ويُعرض يوميًا ما بين حالتين إلى ثلاث حالات قتل على مجلس القضاء الأعلى يوميًا، وفي الطائف خصوصًا ما نسبته من 35- 40% من حوادث وقضايا القتل على مستوى المملكة، سواء الجنايات أو الحقوقيات، وبأسباب معروفة ولغير أسباب -فرحماك ربي، رحماك ربي-.

 

لقد قلّ الدين، وضعف الوازع، وانعدم الخوف من الله في قلوب أولئك المجرمين المجترئين على قتل إخوانهم المسلمين.

 

وكأنهم لم يسمعوا ما نزل في كتاب الله من وعيد، وما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من زجر شديد، وعذاب أكيد، على من قتل نفسًا مؤمنة بغير حق.

 

قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)[الفرقان: 68].

 

هكذا قرن الله القتل بالشرك في هذه الآية وغيرها.

 

وقال جل من قائل: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)[النساء: 93].

 

أربع عقوبات عظيمة كل واحدة منها توجل القلب، وتفزع النفس: جهنم خالدًا فيها، فيا ويله ما أصبره على نار جهنم التي فضلّت على نار الدنيا كلّها بتسعة وستين ضعفًا، وغضب الله عليه، وبئسما حصّل لنفسه مع غضب الرب العظيم الجليل عليه، ولعنه، فطرده وأبعده عن رحمته، وأعدّ له عذابًا عظيمًا.

 

فويلٌ ثم ويلٌ لقاتل النفس المؤمنة من النار، وغضب الجبار، واللعنة والعذاب العظيم.

 

وأما الأحاديث في تحريم القتل، فكثيرة، منها: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٍ في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه"[البخاري].

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال المؤمن معتقًا صالحًا ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلّح" أي انقطع عمله -والله أعلم-.

 

وقال: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا".

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يقتل المؤمن متعمدًا أو الرجل يموت كافرًا" -نعوذ بالله-.

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لزوال الدنيا -يعني كلها- أهون على الله من قتل رجل مسلم".

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا".

 

وفي الحديث الآخر: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله"[ابن كثير، وابن ماجة: 2620].

 

وقال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، يأتي المقتول متعلقًا رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دمًا حتى يأتي به إلى العرش، فيقول المقتول: يا رب هذا قتلني، فسله لم قتلني؟ فيقول الله للقاتل: تعست -أي هلكت- ويذهب به إلى النار".

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو اجتمع أهل السموات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم لأكبّهم الله في النار!" كلّهم -نسأل الله السلامة والعافية-.

 

هذه -أيها الإخوة المؤمنون- عقوبة قاتل النفس بغير حق في الآخرة.

 

أما عقوبته في الدنيا، فالقصاص: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 179].

 

النفس بالنفس جزاءً وفاقًا، وقد جعل الله لولي المقتول سلطانًا شرعيًا، وسلطانًا قدريًا، أي قدرة في شرع الله، وقدرة في قضائه، وقدره على قتل القائل؛ كما قال تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)[الإسراء: 33].

 

فالله قادرًا -سبحانه- أن يهيئ من الأسباب ما يتمكن به ولي المقتول من إدراك القاتل وقتله، والله على كل شيء قدير [ابن عثيمين، الضياء اللامع].

 

أيها الإخوة في الله: ولمّا كانت مفسدة القتل عظيمة، قال الله -تعالى-: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)[المائدة: 32].

 

وهذه الآية وإن كانت لبني إسرائيل إلا أنها لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فليست دماؤهم بأكرم من دمائنا، كما قال الحسن [ابن كثير].

 

قال سعيد بن جبير: "من استحل دم مسلمٍ فكأنما استحل دماء الناس جميعًا".

 

وبالفعل كما ينال قاتل النفس من عذاب بسبب أذيته للمؤمنين جميعًا؛ لأن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كالجسد الواحد، فمن آذى مؤمنًا فكأنما آذى جميع المؤمنين، وفي أذى جميع المؤمنين أذًى لجميع الناس -نسأل الله العفو والعافية-.

 

معاشر المسلمين: في صحيح البخاري يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل معاهدًا لم يرحْ رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا".

 

هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟!

 

وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا وعطشًا، فرآها النبي -صلى الله عليه وسلم- في النار، والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف بالله عليكم عقوبة من حبس مؤمنًا حتى مات بغير جرم؟ أو قتله؟! [ابن القيم الجواب الكافي].

 

فاللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن، ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

أيها الإخوة في الله: وممن تلعنهم الملائكة كذلك: من حال دون الاقتصاص ممن وجب عليه القصاص بسبب قتله غير عمدًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قُتل عمدًا فهو قد أي قصاص ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً".

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فقد ضاد الله في أمره"؛ لأن في إقامة الحدود والقصاص رحمة بالأمة، وإحسانًا إليهم، وحياةً هنيئة -بإذن الله- كما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)[البقرة: 179].

 

فالذي يحول دون تنفيذ حكم الله في قتل القاتل عمدًا بجاهٍ أو مالٍ؛ فهو عدو للأمة، عدو للناس أجمعين، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وإذا كان هذا وعيد من حال دون تنفيذ حكم واحدٍ في القتل، فكيف بالذي يحول دون تنفيذ شريعة الله كلّها؟!

 

نعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم أن نقترف شيئًا من موجبات لعنته، أو لعنة رسوله، أو لعنة ملائكته.

 

اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والشرك، ومن النفاق والشقاق، ومن سوء الأفعال والأخلاق يا حي يا قيوم...

 

دعاء...

 

 

المرفقات

من تلعنهم الملائكة1.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات