من الفرق الضالة: المرجئة والإرجاء

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2019-03-13 - 1440/07/06
عناصر الخطبة
1/اندحار الخوارج وظهور المرجئة 2/من عقائد المرجئة 3/كيف النجاة من الفتن؟

اقتباس

فتنة المرجئة هي دين الملوك، دين المترفين، دين أهل الدنيا، إن أردت ألا تعمل فلا تعمل وأنت مؤمن، إن أردت ألا تصلي فلا تصلي وأنت مؤمن، إن أردت ألا توحد فلا توحد وأنت مؤمن، ما أخبث هذا المذهب على الإسلام وأهله. نحن في سنين خداعة تسبق...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

يا أهل التوحيد: في العقدين الماضيين من السنين نشر الشيطان وأولياؤه موجة من موجات الخوارج والغل على العلماء وعلى الأمراء وعلى المجتمعات، والتكفير بغير حق والثورة والهيجان ثم بلغ الأمر ذروته؛ حتى خرج شباب من أبنائنا ليطبقوا هذه المبادئ، فخرجوا على هذه الأمة بالسيف يضربون برها وفاجرها ولا يتحاشون من مؤمنها، ولا يوفون لذي عهد بعهده.

 

ثم إن الله وفق الأمراء والعلماء فقاموا على فتنة السيف هذه ففقئوا عينيها بالبيان وبالسنان، وبقيت جذورها وأسبابها، ثم أصاب الناس فترة فاستغل الشيطان هذا الفتور بعد ذلك الغليان فنقلهم إلى الطرف المقابل، نقلهم من الغلو إلى الإرجاء، قال قتادة: "إنما انتشر الإرجاء بعدما فشلت فتنة ابن الأشعث". وذلك بعد سنين وأشهر من الثورة والهيجان.

 

وهكذا في عصرنا هذا أصاب الناس في هذه السنين إرجاء مقابل ذلك الخروج، ولما كان خوارج عصرنا أعظم وأفحش وأخطر من الخوارج السابقين؛ أخذوا أسوأ ما عندهم، من احتقار العلماء والغل على المجتمعات والتكفير بغير حق، ولكنهم لم يأخذوا منهم الاجتهاد في العبادة، وصدق الحديث، والالتزام بالمبادئ.

 

لما كان الخوارج قد ركبوا الغلو والشدة، جاء أهل الإرجاء في عصرنا فبالغوا في التفريط والتساهل، المرجئة الأوائل الذين قال فيهم السلف: "هم يهود أهل القبلة"، و"هم أخطر على هذه الأمة من عدتهم من الخوارج والأزارقة والحرورية". كانوا يخرجون العمل عن الإيمان فيقولون: "من لم يعمل الخير فهو مؤمن". مخالفين بذلك لكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكلام الله قبله.

 

وأما في زماننا فلم يكتفِ مرجئة عصرنا بإخراج العمل عن مسمى الإيمان بل تلاعب بهم الشيطان؛ حتى أخرجوا الصلاة عن مسمى الإيمان، فقالوا: "من لم يصلِ قط فهو مسلم مؤمن". ومعلوم أن عمود الإسلام هي الصلاة فجاءوا بإسلام بلا عمود.

 

ثم لم يزل الشيطان وخطواته حتى قالوا: "وتارك التوحيد أيضًا يسمى مسلم ومؤمن"؛ فأخرجوا التوحيد عن مسمى الإيمان، وأهملوا التوحيد، وتساهلوا في الشركيات، فأتوا بإسلام لا عمود له ولا رأس، إسلام لم يُعهد من قبل في القرون الأولى، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة".

 

ثم أخذ الشيطان يلقي لهم من زخرف القول، فقالوا عن مشركي زماننا من عُباد القبور وأمثالهم: "هؤلاء لا نسميهم مشركين بل هم مسلمون تلبسوا بالشرك". وهذه كلمة يغني فسادها عن إفسادها؛ مسلم تلبس بالشرك؟ وهل يجتمع: إسلامٌ وشرك؟!.

 

يا عباد الله: إن الإسلام والشرك لا يجتمعان في نفس واحدة في مكان واحد؛ إلا إذا اجتمع الماء والنار والحركة والسكون، إن قال قائل هذه الكلام أحوج أن يُعالج فضلا على أن يجادل، كيف يُقال مسلم تلبس بالشرك؟!. إنه إذا تلبس بالشرك الأكبر صار مشركا، وإذا سلم من الشرك الأكبر ومن نواقض الإسلام صار مسلما ولا يجتمعان أبدا؛ لأنهما نقيضان.

 

وأتوا بعبارة أخرى فقالوا: هذا دخل الإسلام بيقين فلا نخرجه إلا بيقين، ونقول صدقتم، أما إسلامكم الذي لا رأس له ولا عمود ولا توحيد ولا صلاة فقد دخله بيقين، وهنيئا له بهذا الإسلام الذي لا ينجيه ولا يعصمه من النار، وأما الإسلام الذي نزل به آدم إلى هذه الأرض وذريته من بعده والأنبياء والصالحون إسلام التوحيد والصلاة والبراءة من الشرك وأهله والانقياد لله بالطاعة فمتى دخله؟! متى دخله بيقين؟!

 

اعلموا أن "من فرق بين اليهود والنصارى وسماهم الكفار الأصليون وبين مشركي زماننا؛ فقد أتى بفضيحة عظيمة تفضحه أمام أهل العلم؛ لأنه جعل الكفر ليس هو علة التكفير، فهذا أتى بالكفر مثل أولئك؛ لكنه لا يكفر عندهم مع اشتراكه معهم في العلة!، وقالوا: هذا منا وفينا وعربي واسمه عبد الله، هذا لا نكفره؛ لأنه مسلم تلبس بالشرك، مع أننا نرى الآخر الذي جاء بمثل هذا الشرك أو أقل منه يكفرونه".

 

يا عباد الله: احذروا من هذه الفتن، حتى التوحيد يُخرج عن مسمى الإيمان حتى الصلاة تُخرج عن مسمى الإيمان وهي محادة لله ورسوله.

 

والمثال الثاني: قاعدة أنه لا يضر مع العلم شيء؛ فإذا أردت الحصانة من إنكار أهل الحق عليك فعليك بإخراج مؤلفا أو مؤلفين وشرح حديث أو حديثين ثم تكلم في البدع بما شئت ولن يُقال لك إنك مبتدع؛ لأنك قد تلبست بالعلم، ومن تلبس بالعلم لا يضره شيء!!.

 

وهذا -والله- مخالف لما كان عليه نبينا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وسلف هذه الأمة، بل كانوا يشتدون أكثر ما يشتدون على العالم القدوة إذا تلبس ببدع أن يحذروا بدعته ويحذروا منها؛ حتى لا يضل بها من يضل. عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟"، قال: قلت: لا، قال: "يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين".

 

انظروا في موقف الصحابة -رضي الله عنهم- من أناس من أهل العلم ومن أهل العبادة لما أظهروا القدر ماذا قالوا فيهم؟. قال ابن عمر: "أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء"، ولما ظهر الخوارج نشروا فيهم الأحاديث أنهم "كلاب أهل النار"، مع أنهم أهل عبادة وأهل علم وأهل ديانة.

 

انظروا في موقف الإمام أحمد بن حنبل من علماء زمانه إذا ابتدعوا ومن قبلهم من الأئمة ماذا قالوا عن الحسن بن صالح؟ وهو ليس من أهل العلم فحسب، بل ومن أهل الحديث ومن أهل العبادة ومن أهل الديانة، ولكنه لما كان يرى الخروج على الإمام الفاسق اشتد عليه السلف اشتدادا عظيما.

 

يا عباد الله: العلم لا يورث صاحبه حصانة، والسنة لا تُطلق على صاحبها إلا إذا استجمع خصال السنة كلها، كما قال الإمام البر بهاري في كتابه، حتى يكون على السنة في الإيمان وفي الأسماء والصفات وفي القرآن وفي القدر وفي كل أبواب السنة، عندها يكون سنيا.

 

إن الإسلام عندهم يؤول أمره بأن الإيمان هو المعرفة مع قول لا إله إلا الله باللسان فقط، وإن أتى معها بألف ناقض؛ فمن تدبر قولهم وإعذارهم لأهل الشرك وأهل ترك الصلاة عرف أن غاية الإيمان عندهم هي المعرفة وهي قول: لا إله إلا الله باللسان وإن لم يأت بمقتضاها وشروطها وأركانها.

 

ولو عُرض هذا الإسلام على أبي جهل لكان إليه مبادرا، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعرض له إلا الإسلام الحق، الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، ولذلك رفض الخبيث؛ لأنه عرف أن الإسلام لا يجتمع مع ملته بالشرك.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

 

عباد الله: المثال الثالث للإرجاء وقع فيه العامة في هذه الأزمنة بعد تلك الفترة من الغلو والهيجان: أنهم أخذوا يتساهلون في المعاصي والذنوب كبائرها وصغائرها، بل بعض من يظهر الصلاح يتساهل بذلك غاية التساهل، يسافر إلى بلاد المشركين ويُدخل القنوات الماجنة في بيته ويفعل المعاصي، فإذا نُوصح وذُكر بالله قال: "نحمد الله معنا التوحيد ومعنا الصلاة، لا يضرنا شيء".

 

فما أقبح هذا الإرجاء، وهذا -والله- ليس من حسن الظن بالله، بل هذا من الاغترار بالله، هذا من الجرأة على محارم الله. قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: " أكبر الكبائر الإشراك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله".

 

وهؤلاء هم الآمنون من مكر الله، لو صح توحيده ما تجرأ على معاصي الله، ولبادر بالتوبة والاستغفار، ولو قُبلت صلاته لنهته عن الفحشاء والمنكر، وأما أن يجترئ على حدود الله ويقتحم معاصي الله ثم يفتخر بذلك، ويقول: "أنا من أهل التوحيد لا يضرني شيء"، فبئس ما قال. قال ابن مسعود: "المؤمن ذنبه على رأسه كأنه جبل يخشى أن يسقط عليه يخاف عاقبة الذنب، والمنافق ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار، لا يبالي بالذنب".

 

يا عباد الله: إن الله لم يضمن لنا تكفير السيئات وغفران الذنوب حتى نجتنب الكبائر. قال الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)[النساء:31] وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة؛ كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".

 

والكبيرة: كل ذنب نهى الله عنه ثم أردف النهي بالوعيد أو بالحد في الدنيا، فإذا كان الذنب أُردف بالوعيد كعدم دخول الجنة أو دخول النار أو نفي الإيمان أو قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن فاعله: "ليس منا" فهو من الكبائر، كبائر اللسان وهي أكثرها، وكبائر الجوارح، نعوذ بالله من ذلك، لم يضمن الله أن يكفر السيئات عنا حتى نجتنب الكبائر ونتوب منها.

 

فأين الذي يقول أنا من أهل التوحيد والصلاة لا يضرني ولو اجترأت على محارم الله؟! ألم يعلم بأن الله يغار وغيرته أن تُنتهك محارمه؟! ألم يعلم بأن الله يمهل ولا يهمل؟! ألم يعلم بأن حدود الله لا تُنتهك بل لا يُقترب منها؟ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[البقرة:229].

 

عباد الله: فتنة المرجئة هي دين الملوك، دين المترفين، دين أهل الدنيا، إن أردت ألا تعمل فلا تعمل وأنت مؤمن، إن أردت ألا تصلي فلا تصلي وأنت مؤمن، إن أردت ألا توحد فلا توحد وأنت مؤمن، ما أخبث هذا المذهب على الإسلام وأهله.

 

نحن في سنين خداعة تسبق الدجال، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن وينطق فيها الرويبضة، وهو الرجل التافه الجاهل السفيه يتكلم في الأمور الكبار في أمر العامة، ولا يتبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، ولا يقتنع بما رضوا به لأنفسهم.

 

فطوبى لعبد تعلم الإسلام، فإنه كما قال حذيفة: "لن ينجوا من الفتن إلا من كان يعرفها قبل ذلك"؛ لأنها مشتبهة كوجوه البقر، تأتي من كل مكان كرياح الصيف، صغار وكبار لم يسلم منها ومن الغرق فيها إلا من كان يعرفها قبل ذلك وأحياه الله بالعلم ونفعه الله بالنية الصالحة واشترى الآخرة وزهد في الدنيا وأقبل على ما ينفعه وتقلل من الفضول والمخالطات والقراءات وأقبل على كتاب ربه ولزم عبادة ربه حري به أن ينجو.

 

هذا وصلوا وسلموا على رسول الله ..

 

المرفقات

من الفرق الضالة المرجئة والإرجاء

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات