من أهداف الدعوة في الوقت الحالي : إحياء الخلافة الإسلامية

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2022-10-07 - 1444/03/11
التصنيفات:

د. أمين الدميري

 

لَمَّا نزل الوحيُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظل يدعو قومه ثلاثة عشر عامًا إلى توحيد الله عز وجل، والخضوع لعبوديته سبحانه، وقد عادَاه قومُه وعذَّبوه وأصحابه، إلى أن هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة، فأقام فيها دولة الإسلام، وشريعة القرآن، إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام، فتولى الخلافةَ من بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليٌّ رضي الله عنهم، وكانت هذه الخلافة الراشدة، ثم حدَث ما حدث من خلاف بين الصحابة واقتتال، لكن حُكم القرآن الكريم وشريعة الإسلام وأمر الخلافة ظل قائمًا، واستمرت الفتوحات بعد ذلك في عهد الدولة الأموية والعباسية حتى نهاية الدولة العثمانية، وفي خلال تلك القرون الثلاثة عشر كانت الخلافةُ الإسلامية قائمة، وكان يُحسَب للمسلمين ألف حساب، وكان الأسطولُ العثماني له السيطرةُ الكاملة على البحر الأبيض المتوسط، وكان يهُبُّ لنَجْدة دول شمال إفريقيا حينما تتعرض للعدوانِ من جانب الأساطيل الغربية، في الوقت الذي لم يكن لأمريكا أسطول في البحر، (وقد شهِد القرن السادس عشر الميلادي إسهامَ العُثمانيين في مهمة الدفاع عن سكان شمال إفريقيا) الذين استنجدوا بهم؛ حيث إن أسطولَهم أصبح في هذه الحِقبة عند القمة، حتى أرغم مراكب جنوة والبندقيَّة المتعجرفين على الرضوخ والاستسلام، وفي عام 1522م نجح السلطان سليمان القانوني في توجيهِ ضربة إلى فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس، وكانت تلك المحاولة الثانية للعثمانيين، أما المحاولة الأولى فقد وقعت في عام 1480م على عهدِ السلطان (محمد الفاتح[1])، هذا ومنذ مائتي عام فقط كانت أساطيلُ الغرب تسير في البحر المتوسط تحت حماية وسيطرة أساطيل ليبيا وتونس والجزائر، بل وتدفع لها الأموالَ لعدم التعرُّض[2].

 

ولقد كان للحملة الفرنسية على مصر والشام (1213هـ - 1798م) أثرٌ بالغ في إضعاف روح الجهاد والترويج للأفكار الغربية العَلمانية، كما كانت الحملة الفرنسية - في حقيقة أمرها - فاتحةَ الاستعمار الغربي للشرق الإسلامي، ثم كان الاحتلال الإنجليزي لمصر 1882، وبداية القضاء على الحُكم الإسلامي، وإقصاء الشريعة الإسلامية؛ حيث تم إنشاء المحاكم القنصلية للفصل بين الرعايا الأجانب وأهل البلاد، والمحاكم المختلطة، ثم المحاكم الأهلية عام 1885م، في مؤامرة اشتَرك فيها الخديوي مع الحكومة والاحتلال، ثم تقلَّصت المحاكم الشرعية التي تفصل في الأحوال الشخصية، ثم ألغيت تمامًا عام 1955؛ (أي بعد الثورة، بالقانون 462 لسنة 1955)، وأصبحت جميع المحاكم عَلمانية تقدر أحكامها وَفْق الترتيب الوارد بالمادة الأولى، فقرة (2)، من القانون المدني المصري، وينص على: (إذا لم يوجد نصٌّ تشريعي يمكن تطبيقُه حكَم القاضي بمقتضى العُرف، فإن لم يجد فبالشريعة الإسلامية، فإن لم يجد فبمادئِ القانون الطبيعي وقواعد العدالة)، وهذه القوانين تولَّى وضعَها محامٍ فرنسي اسمه: (مانوري)، وكان أمين سر الوزير الأرمني نوبار باشا، ومن المعلوم أن هذه التشريعاتِ الوضعية استمدَّت من القانون الفرنسي، بل وضعَتْها لجنة: (فرنسية - وإيطالية) باللغة الفرنسية، ثم تُرجِمت إلى العربية، وهذه الأسماء: (موريوندو - المحامي الإيطالي)، وصليب سامي، وسليمان مرقص، ومسيو لينان، ومسيو موريس، وعبدالرازق السنهوري[3].

 

وفي أيام الاحتلال البريطاني حدَثَت كارثة من أعظمِ الكوارث على العالم الإسلامي، وهو سقوط الخلافة العثمانية في 3 مارس 1924م، وكان عام حزنِ المسلمين الواعين الصادقين، ومناسبة فرحة ونَشْوة للخَوَنة العَلمانيين عُمَلاء الاستعمار الذين اعتبروا الخائنَ المدسوس كمال أتاتورك بطلاً وزعيمًا، وقال شوقي وقتها يرثي الخلافةَ الإسلامية ويواسي المسلمين:

ضجَّت عليكِ مآذِنٌ ومَنابرٌ

وبكَتْ عليكِ مَمالكٌ ونَوَاحِ

الهندُ وَالِهةٌ ومصرُ حزينةٌ

تبكي عليكِ بمَدْمَع سحَّاحِ

والشَّامُ تسأَلُ والعراقُ وفارسٌ

أمَحَا مِن الأرضِ الخلافةَ مَاحِ؟[4]

 

ثم كانت الفجيعة الثانية، وهي إقامة دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948.

أذكر هذا السرد السريع؛ لأسأل سؤالاً: هل كان الأصلُ في التاريخ الإسلامي هو الخلافة أم عدمها؟ لقد مضى على سقوطِ الخلافة خمسة وثمانون عامًا لم تُبذَل محاولات جادة لإعادتِها، حتى صار الأصلُ في تصورات المسلمين الآن ومفاهيمهم أنه لا داعيَ لها، خصوصًا بعد تقسيم العالَم الإسلامي إلى عربي وغير عربي، ثم تقسيم العالم العربي إلى دُوَيلات مستقلة عن الأخرى، تحت ميثاقِ الجامعة العربية التي كانت بديلاً عن الجامعة الإسلامية، والتي كان هدفها - أي: الإسلاميةِ - هو العمل على إعادةِ الخلافة، كما كان قيامُ الجامعة العربية ضمانًا وسدًّا لعدمِ قيام الخلافةِ الإسلامية!

 

ولقد أجمَع المسلمون - قديمًا - على وجوب نصبِ إمام وخليفة يُسمَع له ويطاع؛ لتجتمعَ به الكلمة، وتنفُذ به أحكام الخليفة، ويقام أمر الدين؛ يقول القرطبي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30]: ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمَّة، ولا بين الأئمة، وإنها واجبةٌ من ناحية الشرع لا من جهةِ العقل، ومن أدلة ذلك:

 

1- الآية السابقة: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30].

2- قوله تعالى: ﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ﴾ [ص: 26].

3- قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41].

4- أجمعت الصحابةُ على تقديم الصِّدِّيق بعد اختلافٍ وقَع بين المُهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، فلو كان فرضُ الإمامة غير واجب، لَمَا ساغت هذه المناظرة.

5- ويكون اختيار الإمام بإحدى ثلاثة طرق: الأول: النص، وبه قال الحنابلة وجماعةٌ من أصحاب الحديث وغيرهم؛ وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نصَّ على أبي بكرٍ بالإشارة، وأبو بكر على عمر، والثاني: التخيير: أي اختيار واحد من اثنين أو أكثر؛ كما فعل الصحابة، الثالث: إجماعُ أهل الحلِّ والعقد، وقيل رابع: وهو: أن يتغلَّبَ مَن له أهليةُ الإمامة، ويأخذها بالقهرِ والغلَبة[5].

وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41]، يشير إلى أمور، منها:

 

1- أن التمكين في الأرض يكون مِن قِبَل الله تعالى، وبإذنه، لِمَن يشاء، حسَب قواعد وسنن إلهية كونية، وأن على المسلمين أن يسعَوْا إلى ذلك بالأسبابِ الصحيحة.

 

2- أن التمكينَ في الأرض أمرٌ لازم لإقامة الدِّين والشرائع والشعائر.

 

3- أنه ما لا يتم الواجبُ إلا به، فهو واجب؛ فإذا كان التمكينُ واجبًا، فإن السعيَ إليه واجب، وأول الطريق هو التوعية ولَفْت الأنظار إلى ذلك، وبيان أهميته ووجوبه.

 

4- قد يقول قائل: إن الصلاةَ تقام، ومن أراد أن يزكِّيَ فليفعل؟! والحقيقة أن ذلك يقع على سبيل الاختيار والحرية في الفعل أو التركِ، وليس هذا في شريعة الإسلام؛ فهناك إقامةُ الحدِّ على تارك الصلاة، وهناك قتال مانعي الزكاة، وليس المقام تفصيل ذلك.

 

5- أن من واجبات الإمام إقامةَ الحدود، وإقامة الصلاة، وأن يدعوَ إليها ويعاقب مَن يتركها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أقاموا فيكم الصلاةَ))؛ أخرجه البخاريُّ ومسلم من حديثِ عوف بن مالك، وأن يقيم العدلَ بين الأمة؛ لذا وجَب أن يكونَ ممن يصلُح أن يكون قاضيًا، وذا خبرةٍ في الحروب، وممن لا تلحقه رقَّةٌ في إقامةِ الحدود وغيرِ ذلك[6].

 

الطريق إلى إعادة الخلافة الإسلامية:

لكي تعود إلينا الخلافةُ الإسلامية لا بد من تضافرِ جهود الأمة على المستويين الشعبي والرسمي، وأول الطريق ما يلي:

 

1- الدعوة إلى التوحيد السليم وتعاليم الدِّين الصافي، وأهمها - بعد التوحيد -: الدعوةُ إلى مكارم الأخلاق، والقِيَم العالية.

 

2- الدعوة إلى الحب والأُلْفة بين المسلمين، والدعوة إلى اجتماع الكلمة؛ ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103].

 

3- الاجتماع على رايةٍ واحدة، وهي راية الإسلام، ونَبْذ العصبيات والقوميات، والعودة للأمة الواحدة: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92].

 

4- الاهتمام بالنواحي العِلمية والتقدُّم العلمي في جميع المجالات.

 

5- الحِفاظ على ثروات الأمَّة، وتصريفها في رِفعة شأن المسلمين.

 

6- التعريف بأن السعيَ إلى إقامة الخلافةِ مِن أعظم العبادات، وهو واجبُ الوقت، وموضوعُ الساعة، وأفضلُ القُربات.

 

من كتاب: "البصيرة في الدعوة إلى الله"

 

 

[1] الحرب والسلام الأمريكي الليبي بين الجهاد والقرصنة (1796 - 1805) مذكرة للدكتور: حسين محمد عبدالله الهينيدي، كلية أصول الدين - القاهرة، ص5.

[2] المرجع السابق.

[3] مجلة البيان العدد 160، شهر 3/ 2001، مقال بعنوان: العَلمانية والتشريع.

[4] التذكرة في أحداث القرن العشرين (1900 - 1992)، مبارك البراك، مطبعة: دار السلام، ط 1، 1415هـ/ 1995، ص 38.

[5] راجع تفسير القرطبي ، جزء 1، ص 226.

[6] راجع تفسير القرطبي، جزء 1، ص 231.

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات