منهج الصحابة في الفتوى والرد على أخطاء المجتهدين

أحمد بن ناصر الطيار

2016-02-18 - 1437/05/09
عناصر الخطبة
1/ أهمية الرفق بالمخطئين من أهل الاجتهاد 2/ حوار عجيب بين صحابِيَّيْنِ جليلين 3/ الحوار والنقاش الْمبني على الدليل والاستنباط 4/ تطاول بعض الصغار في الرد على العلماء 5/ المنهج الشرعي في الرد على المخالف 6/ مناهج بحث المسائل الشرعية والاختلاف فيها عند أئمة المسلمين.

اقتباس

وما أكثر ما نرى من أنصاف طلاب العلم، الذين يُولعون بالردود على غيرهم من طلاب العلم والمشايخ والدعاة، بمجرّد اجتهادهم في آراءٍ وأقوالٍ ظنوا صوابها، وليتهم يردّون على القول وحسب، بل يردّون على القول وقائله، ويدخلون في نيّته، ويُصنّفونه ويُبدعونه ويُحذرون منه!.. فمنهج الصحابة والسلف الصالح: عرض الرأي والحجة مُختصرةً، دُون ..

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيراً.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أنّ من أوجب الواجبات علينا، أنْ نقتدي بأصحاب النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ونَتَّبِعهم ولا نبتدعَ بعدهم، فهم الذين وصفهم الله -تعالى- بأوصاف الكمال، ومدحهم بأحسن الأوصاف وزكاهم بمكارم الخصال.

 

ومن أعظم ما اتصفوا وتحلَّوا به رفقُهم بالمخطئين من أهل الاجتهاد، حيث كانوا يُبادرون مَن أفتى بفتوى تُخالف النص بنصحه ومُحاورتِه برفقٍ ولين، دون إلزامه بقبول رأيهم، وتراجعه عن رأيه.

 

ولْنستمع إلى هذا الحوار العجيب، الذي دار بين صحابِيَّيْنِ جليلين، أحدُهما لا يرى مشروعية التيمم.

 

قال شَقِيقٌ -رحمه الله-: "كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بن مسعود وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رضي الله عنهما-، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [النساء:43]؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا، لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا، قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا، فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟! (رواه البخاري).

 

هذا ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من الحوار والنقاش الْمبني على الدليل والاستنباط، من غير أنْ يكون فيه جدالٌ طويل، ولا كلامٌ بذيء، ولا سعيٌ حثيثٌ للإلزام والإقناع بالرأي، بل كان أحدهم يعرض رأيه ودليله دون أنْ يُطالب الآخر بقبول رأيه، أو يتهمه بأنه يميل مع هواه، كما هو حال الكثير في نقاشهم وجدالهم.

 

والحق في هذا الحوار مع أبي موسى -رضي الله عنه-، حيث ذكر له دليلين صحيحين صريحين، من القرآن والسنة.

 

ومع ذلك لم يُعنفه أو يتهمه، واقتصر على هذين الدليلين فقط، دون أنْ يسرد له الحجج الأخرى، ودون أن يُلزمه برأيه.

 

وهذا ما درج عليه التابعون ومن بعدهم من العلماء والصالحين، فلم يُصنفوا كتبًا في الردّ على من خالفهم في فروع المسائل، إنما يردون على القول دون التعرض لصاحبه.

 

وما أكثر ما نرى من أنصاف طلاب العلم، الذين يُولعون بالردود على غيرهم من طلاب العلم والمشايخ والدعاة، بمجرّد اجتهادهم في آراءٍ وأقوالٍ ظنوا صوابها، وليتهم يردّون على القول وحسب، بل يردّون على القول وقائله، ويدخلون في نيّته، ويُصنّفونه ويُبدعونه ويُحذرون منه!

 

والعجيب في هذا الحوار الهادئ، أنه حوارٌ في مسألةٍ عظيمةٍ من مسائل الدين، وهي إثبات مشروعيَّة التيمم من عدمه، ولو حدث مثل هذا في هذا الزمان؛ ماذا سيكون موقف بعض أدعياء العلم!

 

سيقولون له: أنت تُنكر كلام الله!، أو يقولون له: أنت تُكابر وتُعاند، فأنت لم ترض بالآية الصريحة، ولا بالحديث الصحيح!، اتق الله، ودع الهوى!، إلى غير ذلك من العبارات التي اعتدنا سماعها وربما نطقنا بها.

 

فمنهج الصحابة والسلف الصالح: عرض الرأي والحجة مُختصرةً، دُون إلزام الطرف الآخر بالإذعان والقبول، وبأسلوبٍ في غاية الأدب في عرض الرأي، والاستماع للطرف الآخر.

 

هذا إذا كان الْمُخالف من أهل السنة والاجتهاد، أما من عداهم فالأمر يختلف.

 

وكان الصحابةُ والتابعون يحرصون على جمع الكلمة، وذلك بعدمِ إنكارهم المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد.

 

ولا يُحصى اجتهادُهم في مسائل كثيرة، تتعلّق بالأمة والحكم والأفراد، فيعذُر بعضُهم بعضًا، ولا يجعلون هذا الاجتهاد -ولو كان خاطئًا- سببًا للخصام والقدح والتفرق، كما هو الحال عند بعض أدعياء العلم اليوم، حيث لا يسمعون باجتهاد بعض الدعاة إلا انبروا للردّ عليه، وانتهزوا الفرصةَ للقدح فيه.

 

قال العلامةُ ابن عثيمين -رحمه الله-: "ويؤسفنا كثيراً؛ أنْ نجدَ في الأمةِ الإسلاميةِ فِئةً تختلفُ في أمورٍ يسوغُ فيها الخلافُ، فتجعل الخلافَ فيها سبباً لاختلاف القلوبِ، فالخِلافُ في الأمةِ موجودٌ في عهد الصَّحابةِ، ومع ذلك بقيت قلوبُهم متَّفقةٌ، فالواجب على الشبابِ خاصَّة، وعلى كلِّ المستقيمين أن يكونوا يداً واحدة، ومظهراً واحداً؛ لأنَّ لهم أعداء يتربَّصونَ بهم الدَّوائر" ا.هـ

 

نسأل الله -تعالى- أنْ يجمع كلمتنا على الحق، وأن يؤلف بين قلوبنا، ويكفينا شرّ أعدائنا؛ إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيراً إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

إخوة الإيمان: وكان الصحابةُ والسلفُ الصالحُ ينهون الناس عن تقليدهم في أقوالهم وفتاويهم.

 

قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "كَانَ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُهَا بَعْدَ نَبِيِّهَا يَقُولُ: أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّهَ فَإِذَا عَصَيْت اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مَعْصُومًا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ: كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ -رضي الله عنهم- قَدْ نَهَوْا النَّاسَ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "هَذَا رَأْيِي وَهَذَا أَحْسَنُ مَا رَأَيْت؛ فَمَنْ جَاءَ بِرَأْيٍ خَيْرٍ مِنْهُ قَبِلْنَاهُ".

 

وَمَالِكٌ كَانَ يَقُولُ: "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ فَاعْرِضُوا قَوْلِي عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ".

 

وَالشَّافِعِيُّ كَانَ يَقُولُ: "إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ، وَإِذَا رَأَيْت الْحُجَّةَ مَوْضُوعَةً عَلَى الطَّرِيقِ فَهِيَ قَوْلِي".

 

وَالْإِمَامُ أَحْمَد كَانَ يَقُولُ: "لَا تُقَلِّدُونِي وَلَا تُقَلِّدُوا مَالِكًا وَلَا الشَّافِعِيَّ" ا.هـ

 

وقد نقل ابن القيم -رحمه الله- عن كثيرٍ من الصحابة أنهم أخطأوا في اجتهادهم وفهمهم، وغيرهم من باب أولى؛ فلا يجوز تقليد أحدٍ لما يعتريه من الخطأ والنسيان.

 

ولذلك نرى كثيرًا من العلماء لهم قولان في كثير من المسائل، بل بعضهم له أربعة أقوال في مسألة واحدة؛ كالإمام أحمد -رحمه الله-، والشافعي كانت له اجتهاداتٌ قبل أن يرحل إلى مصر، فلما ذهب هناك تراجع عن كثير منها.

 

فإذا كان هؤلاء الفطاحل من العلماء يجتهدون في قول، ثم يتراجعون عنه، أو يُغيّرونه، فلا يجوز لأتباعهم أنْ يتعصّبوا لأقوالهم، ويُلزموا الناس وأنفسهم الأخذ بها، إلا إذا كانت مبنيّةً على دليل شرعيٍّ صحيح.

 

نسأل الله -تعالى- أنْ يثبتنا على دينه، ويُديم علينا نعمه، إنه على كل شيء قدير.

 

 

المرفقات

الصحابة في الفتوى والرد على أخطاء المجتهدين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات