منحة الخلاق بأسباب الأرزاق (2)

خالد بن علي أبا الخيل

2014-05-27 - 1435/07/28
عناصر الخطبة
1/إنزال الفاقة والحاجة بالله 2/الإكثار من \"سبحان الله وبحمده\" 3/التفرغ للعبادة والمقصود بذلك 4/رحمة الضعفاء والإحسان إليهم 5/الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام 6/حمل هم الآخرة 7/متابعة وتكرار الحج والعمرة 8/التوكل على الله والمقصود به 9/الزواج بنية العفاف 10/طاعة الله ورسوله
اهداف الخطبة

اقتباس

التوكل -عباد الله-: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار. التوكل اعتقاد واعتماد وعمل. فهو اعتقاد في القلب أن الأمر كله بيد الله، وعمل بفعل الأسباب المأذون بها شرعا، واعتماد بالقلب والثقة بالرب. قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: على أربع خلال: "علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فلست اهتم له، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن...

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل للرزق أسبابا، وجعل له طرقا وأبوابا، وأشهد أن لا إله إلا الله فتح بابه لكل سائل وطَالب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بين ما للرزق من نوافذ وأبوابا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم قيام الناس لرب العالمين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: فاتقوا الله حق التقوى، فالتقوى أعظم مفتاحا للرزق وأقوى.

 

أيها المؤمنون: سبق في خطبتنا الماضية الكلام على الرزق، وذكرنا بعض مسائله وأسبابه.

 

وها نحن في هذه الخطبة الثانية، نذكر أسباب الرزق التالية، والجزء الثاني من الأسباب والمعاني، فسبق الإيمان والتقوى، واستغفار المولى.

 

والرابع من الأسباب -أمة السنة والكتاب-: إنزال الفاقة والحاجة بمن يملك الدنيا والآخرة، فقد روى الترمذي وأحمد وأبو داود عن ابن مسعود مرفوعا: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس، كان قمنا من أن لا تسد حاجته، ومن أنزلها بالله -عز وجل- أتاه الله برزق عاجل، أو موت آجل".

 

 

والفاقة: الحاجة.

 

والخامس -عباد الله- قول: "سبحان الله وبحمده" فعند أحمد في مسنده بسند صحيح: لما حضرت نوح -عليه السلام- الوفاة، وفيه: "وآمركما ب"سبحان الله وبحمده" فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء".

 

و"سبحان الله وبحمده" من قالها في يومه مائة مرة؛ غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر",

 

وهي إحدى الكلمتين العظيمتين: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".

 

"كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمان، ثقيلتان في الميزان".

 

ومن أسباب ومفاتيح الرزق وأبوابه: التفرغ للعبادة، والإكثار من نوافل الطاعة؛ لما روى أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله يَقُولُ: "يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ".

 

والسابع: -بوأكم الله الخير والمنافع-: الإحسان إلى الضعفاء والمساكين، واليتامى والأرامل والمعوزين، وسد حاجاتهم، ومتطلباتهم؛ ففي البخاري: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟".

 

وعند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي: "أبغوني الضعفاء، فإنكم تنصرون وترزقون بضعفائكم".

 

برحمتهم والتغاضي عما يصدر منهم، والإحسان إليهم.

 

فذلك باب من أبواب الرزق، لا سيما من كان عنده في منزله من مثل هؤلاء؛ كابن، أو أخت، أو قريب، فليصبر وليحتسب، ويحسن إليهم؛ كالمعتوهين والقاصرين، والضعفاء والمساكين.

 

فيا أيها الأب ويا أيها الأخ والابن: حسنات بين يديك، فلا تضيعها، وأرزاق تدر عليك، فلا تغفلها.

 

ومن الضعفاء المظلومين والفقراء والمساكين والمديونين والمرضى والمحتاجين، سواء كان ضعفه في ماله، أو بدنه، أو عقله، أو فكره.

 

ومن المفاتيح للرزق والربح: الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، لمن قدر على ذلك، قال سبحانه: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)[النساء: 100].

 

والمراد بالسعة: السعة في الرزق، كما قاله حبر الأمة، وهو قول جمهور الأمة.

 

فالهجرة واجبة على من قدر عليها، ولا يقدر على إظهار دينه.

 

فهي سبب للخيرات، والأرزاق والبركات.

 

والتاسع -بارك الله في هذه الأسباب-: أن تكون الآخرة هم الإنسان، استعدادا وعملا، وتذكيرا واجتهادا، يقول المصطفى: "مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِي رَاغِمَةٌ".

 

"وجعل الآخرة همه" أي يكون على خوف ووجل وتزود من صالح العمل.

 

العاشر من الأسباب -يا ذوي العقول والألباب-: التوكل على رب الأرباب، وهو أجل وأعظم الأسباب، قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)[الأنفال:2].

 

وفي خاتمة أوصافهم: (وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)[الأنفال: 4].

 

وعن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم، كما يرزق الطير تغدو خماصا، وتروح بطانا" [رواه أحمد والترمذي].

 

والتوكل -عباد الله-: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار.

 

التوكل اعتقاد واعتماد وعمل.

 

فهو اعتقاد في القلب أن الأمر كله بيد الله، وعمل بفعل الأسباب المأذون بها شرعا، واعتماد بالقلب والثقة بالرب.

 

قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟

قال: على أربع خلال: "علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فلست اهتم له، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال، فأنا مستحيي منه "

 

يقول ابن رجب على حديث عمر السابق: "هذا الحديث أصل في التوكل، وإنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الأرزاق".

 

قال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق: 2-3].

 

وكيف أخاف الفقر والله رازقي *** ورازق هذا الخلق في العسر واليسر

تكفل بالأرزاق للخلق كلهم *** وللضب في البيداء والحوت في البحر

 

وما أجمل قول الشافعي:

 

تَوكلْتُ في رِزْقي عَلَى اللَّهِ خَالقي *** وأيقنتُ أنَّ اللهَ لا شكٌ رازق

وما يكُ من رزقي فليسَ يفوتني *** وَلَو كَانَ في قَاع البَحَارِ الغَوامِقِ

سيأتي بهِ اللهُ العظيمُ بفضلهِ *** ولو لم يكن مني اللسانُ بناطقِ

ففي أي شيءٍ تذهبُ النفسُ حسرةً ** وَقَدْ قَسَمَ الرَّحْمَنُ رِزْقَ الْخَلاَئِقِ

 

فاحذر أن تتكل على راتبك، أو وظيفتك، أو حرفتك، أو عملك، فمن توكل على شيء وكُل إليه، بل توكل على الله في جلب رزقك، بفعل الأسباب مع اعتماد وتيقن الرزق من رب الأرباب.

 

فمن علم: أن رزقه مكتوب: اطمأنت نفسه، وقنع في عيشته، وانشرح صدره، وبعُد تأسفه، وصلحت حاله، ورضي بما أعطاه الله، وكثر رزقه، وامتد عطاؤه.

 

ومن ضعف توكله: تكدرت حياته، وضاق صدره، وتشتت أمره، وكثر تحسره وسخط على قضاء ربه.

 

وما بين ذا وذاك إلا صدق التوكل: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق: 3].

 

فالله يكفيه، ومن كل سوء يحميه.

 

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين.

 

ومن الأسباب -معشر المسلمين-: متابعة وتكرار العمرة بعد العمرة، والحجة بعد الحجة؛ لما روى النسائي والترمذي وأحمد في مسنده: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ".

 

وبعض الناس قد قصر في هذا الجانب، وزيارة بيت الله الحرام، فيمكث السنين لا يذهب إلى البيت الأمين، مع تيسر السبل، وسهولة الوصول، وإتاحة الفرص، وسعة الوقت.

 

ومن ذلك: الزواج، فهو سبب لدر الأرزاق والخيرات، ونماء البركات.

 

كيف لا وربنا يقول -جل وعلا-: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32].

 

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:: "رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى".

 

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "التمسوا الغنى في النكاح".

 

وقال سعيد بن عبد العزيز -رضي الله عنه-: "بلغني أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: "أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[النور: 32].

 

وقال عمر -رضي الله عنه-: "عجبت لمن ابتغى الغنى بغير النكاح".

 

أبعد هذا يتعذر المؤمن مع قوة يقينه وإيمانه بربه؟

 

وكم ممن تزوج وهو لا يملك، وليس لديه مرتب أو عمل، فأصبح بعد زواجه ميسورا مرزوقا؟

 

فالأعذار الدنيوية والهامشية ومستقبل الحال والوظيفية؛ عقبة في تأخر الزواج، والحياة الزوجية.

 

نعم فعل الأسباب مطلوب، لكن الزواج للشاب والشابة مرغوب، فتوكل على الله يدفع عنك كل عقبة، ويسهل عليك كل ضيق وباب مسدود.

 

واسمع إلى الخبر الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة حق على الله عونهم" ومنهم: "الناكح الذي يريد العفاف".

 

فالذي يريد أن يعف نفسه، ويحفظ فرجه، ويغض طرفه، فحليفه السعة والتوفيق والإعانة.

 

ومن تلكم الأسباب والأبواب لفتح الأرزاق من رب الأرباب: طاعته سبحانه، وامتثال أمره، وطاعة رسوله وعبده، فعند مسلم -أيها الكريم المسلم- من حديث أنس مرفوعا: "وأما المؤمن، فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته".

 

فالطاعة سبب للرزق والسعادة.

 

والخلاصة في هذه العجالة: أن إنزال الفاقة، وقول: "سبحان الله وبحمده" والتفرغ للعبادة، وتكرار الحج والعمرة، ورحمة الضعفاء، والهجرة من بلد الكفر، وتذكر الأخرى، والتوكل على رب الأرض والسماء، والزواج، والطاعة؛ من أسباب الرزق والسعادة.

 

فهذا ما تيسر ذكره في هذه الجمعة، وسيأتي الجزء الثالث متمما لهذه الأسباب.

 

هذا، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يجعلني وإياكم من أنصار دينه وشرعه.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين.

 

اللهم اغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية.

 

اللهم ارزقنا رزقا يزيدنا لك شكرا، وإليك فاقة وفقرا، وبك عمن سواك غنى.

 

اللهم أوسع لنا من الرزق الحلال، واصرف عنا فسقة الإنس والجان، يا رحيم يا رحمان.

 

اللهم إنا نسألك عيشا قارا، ورزقا دارا، وعملا بارا.

 

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ويسر أمورنا، واشرح صدورنا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وتول أمور ديننا ودنيانا.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجمع شملهم على الهدى والدين.

 

اللهم أمنهم في دورهم وأوطانهم، وول عليهم خيارهم.

 

 

 

 

 

المرفقات

منحة الخلاق بأسباب الأرزاق (2).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات