مناجاة واعتراف بين يدي الله

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-09-09 - 1436/11/25
عناصر الخطبة
1/مناجاة الله والاعتراف بالذنوب والمعاصي 2/التلازم بين الذنوب والعقوبات 3/بعض حكم ابتلاء العباد بالذنوب 4/التوبة والاستغفار من الذنوب

اقتباس

يا الله! إنا نعترف بذنوبنا وخطايانا، وعصياننا ومخالفاتنا، أمرتنا بالتوحيد فعصينا، ونهيتنا عن الشرك فخالفنا، فمنا من اتخذ من دونك أولياء وأندادا يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويستغيث بهم، ويستنصر، ومنا من يعلق على نفسه وأطفاله التمائم والخرز والأحجبة، لدفع الضر، وجلب النفع، ومنا...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبي الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

 

وبعد:

 

اللهم اجعلنا ممن قلت فيهم: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 102].

 

اللهم يا رحيم، يا ودود، يا واحد يا أحد يا صمد، يا ذا الجلال  والإكرام، يا ذا المن والإنعام.

 

يا الله! إنا نعترف بذنوبنا وخطايانا، وعصياننا ومخالفاتنا، أمرتنا بالتوحيد فعصينا، ونهيتنا عن الشرك فخالفنا، فمنا من اتخذ من دونك أولياء وأندادا يدعوهم ويتوكل عليهم، ويستغيث بهم ويستنصر.

 

ومنا من يعلق على نفسه وأطفاله التمائم والخرز والأحجبة لدفع الضر وجلب النفع.

 

ومنا من علق جيف الحيوان على منازلهم الجديدة والأحذية على دوابهم ومراكبهم خوف العين والحسد.

 

ومنا من يذهب إلى الشوافين والشوافات، والدجالين والسحرة.

 

ومنا من عق والديه، وقطع الأرحام وأكل الميراث.

 

ومنا من ظلم الأولاد والزوجات؛ فكم من امرأة تنشد العدل من وليها الذي ظلمها.               

 

وكم من أخت جرت أخاها إلى المحاكم لتحصل على حقها المهضوم؟ 

 

وكم من نسائنا من يخرجن متبرجات متعطرات، وكاسيات عاريات؟

 

ومنا من ظلم إخوانه، واعتدى على جيرانه فغشهم واغتابهم، ونم بينهم، وطعن فيهم، وسبهم، فلم يسلم المسلمون لا من لسانه ولا من يده.

 

ومنا من أدمن على الدخان والخمر والمخدرات.

 

ومنا من يلهث وراء الشهوات المحرمة، فيستخدم للحصول على  ذلك؛ اليد والرجل، أو العين أو اللسان، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.

 

ففشت الفواحش ودخلت كل بيت إلا من رحم الله.

 

يا الله! وانتشر فينا الحكم على الآخرين بغير حق ولا علم ولا خشية مسائلة فاتهم بعضنا بعضا بالتفسيق والتبديع والتكفير، فاستحلت الأعراض والأجساد، واستبيحت الأموال والأرواح، فعذب بعضنا بعضا، وسجن واعتقل وضرب بعضنا رقاب بعض.

 

اختلف في السياسة ساستنا، وتراشق على القيادة قادتنا، وتنازع على الزعامة زعماؤنا، فتهافتنا على الأموال، وتقاتلنا على الكراسي والمناصب.

 

فذهب إلى غير عودة؛ رجال أبرياء، وشيوخ وأطفال ونساء، وبقي الخلاف والاختلاف، وبعد الصلح والتوحد والائتلاف .

 

رحماك ربنا رحماك.

 

هل هذا يصدق؟ هل هذا يعقل؟ هل هذا كائن؟ إي وربي إنه لكائن!

 

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

 

عباد الله: أليس منا رجل رشيد؟! يرد إلينا لحمتنا ووحدتنا، ويلأم جراحنا من جديد؟!

 

أليس منا علماء ودعاة ذوي رأي سديد؟ يردوننا إلى حقيقة ديننا، وحقيقة التوحيد؟

 

اللهم يا رحمن يا رحيم! اجعلنا من الذين اعترفوا بذنوبهم فقبلتهم، ولا تجعلنا من الذين اعترفوا بذنوبهم بعد فوات الأوان فرددتهم وطردتهم، وقلت فيهم: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) [غافر: 11 - 12].

 

تليت علينا آياتك البينات سمعناها، وقرأنا أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعقلناها، وتدارسنا أقوال العلماء ووعيناها، فلا تجعلنا ممن قلت فيهم: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: 10 – 11].

 

اللهم لا تعاجلنا بما عندك من العقوبات ولا تعاملنا بما اقترفنا من السيئات، ولا تجعلنا ممن قلت فيهم: (فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت: 40].

 

إن من اعترف بخطئه، وتاب من خطيئته له قدوة بأبيه آدم المعترف التائب -عليه السلام-، فيتوب الله عليه، ومن لم يعترف بالذنب والمعصية؛ فقائده ومثله الأعلى إبليس الملعون المطرود، حيث نسب الغواية والإضلال إلى الله -سبحانه وتعالى-.

 

قال ابن تيمية -رحمه الله- في "جامع الرسائل": "إن آدم -عليه السلام- اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة، وأنه هو الظلام لنفسه، وتاب من ذلك، ولم يقل إن الله ظلمني، قال تعالى: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].

 

(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر: 39].

 

اللهم إن رسولك -صلى الله عليه وسلم- قد حذر أمته عامة من خمس إذا ابتلوا بهن، واستعاذ صلى الله عليه وسلم بالله أن يدركوهن، فلم يدركوهن -والحمد لله- فقد ظهرت الفاحشة في أقوام حتى أعلنوا بها، ففشا الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في الأسلاف الذين مضوا.

 

ونقص المكيال والميزان؛ فأخذنا بالسنين والقحط، وشدة المؤونة، وجور السلطان علينا.

 

ومنعت الزكاة؛ فمنعنا القطر، ولولا البهائم لم نمطر.

 

ونقض عهد الله وعهد رسوله؛ فسلط الله علينا عدوا من غيرنا، فأخذوا بعض ما في أيدينا.

 

ولم تحكم أئمتنا بكتاب الله، ولم يتخيروا مما أنزل الله؛ فجعل الله بأسنا بيننا شديد.

 

اللهم إنا نعوذ بك من إمارة السفهاء، وبيع الحكم، وكثرة الشرط، وقطيعة الأرحام، ونعوذ بك ممن يتخذون القرآن مزامير، ونعوذ بك من سفك الدماء.

 

وهذا اعتراف منا بربوبيتك وألوهيتك، كما علمت نبيك: "اللهم أنت ربنا، لا إله إلا أنت، خلقتنا ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، نبوء لك بنعمتك علينا ونبوء لك بذنوبنا، اغفرلنا ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

 

"اللهم إنا عبيدك، وبنو عبيدك، وبنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، وأنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا".

 

اللهم آمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

إن الأرض التي تحملكم والسماء التي تظلكم مطيعتان لربكم، وما أصبحتا تجودا به لكم ببركتهما لا توجعا لكم، ولا زلفة إليكم، ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن أُمِرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا.

 

إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر.

 

وقد جعل الله الاستغفار سببا لدرور الرزق ورحمة الخلق، فقال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا) [نوح: 10 - 11].

 

فرحم الله امرأ استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر بنيته.

 

اللهم إنا أقبلنا إليك راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك، اللهم فاسقنا غيثك، ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، يا أرحم الراحمين.

 

اللهم إنا بين يديك، نشكو إليك ما لا يخفى عليك، حين ألجأتْنا المضايق الوعرة، وفاجأتنا المقاحط المجدبة، وأعيتنا المطالب المتعسرة، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة.

 

اللهم إنا نسألك ألاَّ تردنا خائبين خاسرين واجمين، ولا تخاطبنا بذنوبنا، ولا تقايسنا بأعمالنا.

 

اللهم انشر علينا غيثك وبركتك، ورزقك ورحمتك، واسقنا سقيا نافعة مروية معشبة، تنبت بها ما قد فات، وتحيي فيها ما قد مات، نافعة الحيا، كثيرة المجتنى، تروي بها القيعان، وتسيل البطنان، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار. إنك على كل شيء قدير.

 

 

 

المرفقات

واعتراف بين يدي الله

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات