مقتضى الأخوة الإيمانية

عبدالله بن حسن القعود

2015-06-20 - 1436/09/03
عناصر الخطبة
1/ أمة متآلفة بالإسلام   2/أخوة المؤمنين في القرآن والسنة   3/مقتضيات أخوة الإيمان   4/الأخوة المطلوبة والولاية الحقة

اقتباس

فالأخوة المطلوبة والولاية الحقة فيما بين المسلمين هي أن ينطلق المسلم في حبه لأخيه من محبة الله لأخيه، ويعامل المسلم أخاه المسلم بما يحب هو أن يعامل به من الغير؛ في مال أو عرض أو دم أو غير ذلكم من المعاملات المادية أو المعنوية، قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله القائل: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح:29] والحمد لله القائل: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة:54] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل لنبيه توجيهاً له ولأتباعه بإحسان (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء:215] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الموصوف من ربه -تبارك وتعالى- بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128], اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه واحشرنا اللهم في زمرتهم وحقق فينا قولك: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الزمر:35].

 

أما بعد: أذكر اليوم بما أمر الله -سبحانه- أن يتذكر بقوله -سبحانه-: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) [آل عمران:103] الآية تعم الأوس والخزرج لما سبق بينهم في الجاهلية من إحن وضغائن وحروب دامت عشرات السنين, وتعم غيرهم ممن انتفع بهذا الدين.

 

عباد الله: لقد أنعم الله على هذه الأمة بالإسلام العظيم الذي انتقلت به من الظلام الدامس إلى النور الساطع، من الجهل الفاضح إلى العلم النافع، من التفرق والاختلاف إلى الاجتماع والائتلاف، من التباغض والتقاطع والتعادي إلى التحاب والتواصل والتوالي، وأصبحت أمة متآلفة قلوبها، متحدة أهدافها، مجتمعة كلمتها، منتظمة صفوفها، متحقق فيها ما وصفها به بارؤها العالم بأحوالها وما تنطوي عليها صدورها بقوله -سبحانه-: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال:62-63].

 

فلا وشيجة حسب ولا نسب ولا طين ولا لسان ولا لون يبنى عليها ولاء أو براء أو تعطى التبعية المطلقة سوى وشيجة الإيمان, ورابطته التي ترابطت بها القلوب وتآلفت بها النفوس، هذه النعمة التي منحها تعالى عباده المؤمنين ووصفهم بها في غير ما آية من كتابه, أمثال قوله -سبحانه-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات:10] وقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة:71].

 

ووصفهم بها كذلك رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "المسلم أخو المسلم" [رواه ابن ماجه]. وقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا, وشبك بين أصابعه" [متفق عليه]. وقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" متفق عليه. هذه النعمة إذا أخذت بحقها قوة ضاربة تغذى بها القلوب، وتهد بها الحصون، وتفرق بها الجموع بإذن ربها لكن آثارها لا تتحقق في الواقع إلا بتحقق مقتضياتها في النفوس.

 

عباد الله: إن مقتضى أخوة الإيمان وولايته التي وصفت بها هذه الأمة وأمرت بها وكان لأسلافها, لما اتصفوا بها ما كان من ترابط وتآخ وتحاب وتعاون على البر والتقوى؛ ألا تتغاش أي لا يغش بعضهم بعضاً، ولا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يكذبه, ولا يسخر به أو يلمزه ويغمزه، ولا يحقره، ولا يخذله، ولا يغتابه، ولا ينقل حديثه أو حاله على وجه الإفساد، ولا يؤذيه، ولا يعنته أو يضايقه أو يضاره أو يشق عليه، فهذه الأمور وأمثالها مما نهي المسلم عن تعاطيه مع أخيه المسلم, بجانب ما فيها من منافاة للولاية والأخوة الإيمانية أو إضعاف لها، فهي تضرب وحدة المسلمين, وترابط المسلمين وتآخيهم, وتعاونهم على البر والتقوى، وتواصيهم بالحق وتواصيهم بالصبر.

 

فالأخوة المطلوبة والولاية الحقة فيما بين المسلمين هي أن ينطلق المسلم في حبه لأخيه من محبة الله لأخيه، ويعامل المسلم أخاه المسلم بما يحب هو أن يعامل به من الغير؛ في مال أو عرض أو دم أو غير ذلكم من المعاملات المادية أو المعنوية، قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" [رواه الشيخان عن أنس]. وقال جرير بن عبد الله: "بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم". [رواه مسلم].

 

فاتقوا الله -عباد الله- وكونوا كما يريد الله منكم إخواناً في الله، متحابين في الله، متآلفين في الله، مستمسكين بحبل الله، مهتدين في ذلك بهدي رسول الله تتحقق وحدتكم ويتحقق بها ما يطلب منكم, وما أعددتم للقيام به من حمل رسالة الله التي استخلفكم في الأرض لحملها, وإلا فارتقبوا ما أنذرتم منه وحذرتموه بقول الله -سبحانه-: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال:25] وقوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد:38].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه، أحمده تعالى وأشكره، وأَشْهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، شهادةً أَرجو بها النجاة يوم نلقاه، يوم يبعثَر ما في القبور ويحصّل ما في الصدور، وأَشهدُ أنَّ سيّدنا ونبيَّنا محمداً عبده ورسوله, صلّى الله وبارك عليه وعلى آله وأَصْحابه وأتباعه, وسلَّم تسليماً كثيراً.

 

أَما بعد:

 

فيا أيُّها النَّاس: اتّقوا الله حقَّ تُقاته، ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا، واعلموا أن أصدق الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور مُحْدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة.

 

وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذّ عنهم شذ في النَّار، وصلّوا على أَكرم نبي وأعْظم هادٍ فقد أمركم الله بذلك في قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنَفاء؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر أصحاب رسولك وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

 

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين وأذِل الشرك والمشركين, ودمِّر أعداء الدين, وانصرُ عبادك الموحِّدين.

 

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات, وأَلِّف بين قلوبهم, وأَصلح ذات بينهم, وانصرهم على عدوّك وعدوهم, واهدهم سبل السلام.

 

اللهم أصلح ولاة أُمور المسلمين؛ اللهم أَرِهم الحق حقا وارزقهم اتّباعه، والبَاطِلَ باطلاً وارزقهم اجتنابه. اللهمَّ ارزقهم البطانة الصالحة التي تذكِّرهم إذا نسوا وتعينهم على نوائب الحق؛ يا ربّ العالمين.

 

اللهمّ أَقم علَم الجِهاد، واقمع أَهلَ الشِّرك والزيغ والفساد، وانشر رحمتك على العباد.

 

اللهم إِنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطَن، اللهم آمِنّا في أوطاننا, واستعمل علينا وعلى سائر المسلمين في كل زمان مكان من يخافك ويتّقيك يا ذا الجلال والإِكرام.

 

اللهم إنّا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحوُّل عافيتك وفجأةِ نقمتك وجميع سخطك.

 

ربنا اغفرْ لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا، ربنا إنَّك رءوف رحيم. ربنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذْ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمةً إنَّك أنت الوهاب.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذابَ النَّار.

 

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلَّكم تذكَّرون. فاذكروا الله عظيم الجليل يذكُرْكم، واشكروه على نعمه يزدْكم ولَذِكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

 

المرفقات

الأخوة الإيمانية

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات