مقام الإيمان

الشيخ عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2026-04-10 - 1447/10/22 2026-04-19 - 1447/11/02
عناصر الخطبة
1/ تعاقب الأجيال وسنن الابتلاء في الحياة 2/حقيقة الإيمان ومعناه 3/آثار الإيمان على القلب والسلوك 4/الفرق بين المؤمن المهتدي والحائر.

اقتباس

مُؤْمِنٌ فَتَحَ قَلْبَهُ للوَحِيِ؛ فأَشْرَقَ النُّورُ فيهِ؛ فأَبْصَرَ مِنَ الحَقِّ ما لَمْ يُبْصِرْهُ مَنْ جَحَد، مُؤْمِنٌ لَهُ عِلْمٌ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الوِحيِ فَهْوَ على بَصِيْرَةٍ مِنْ رَبِّهِ، يَعْلَمُ لِماذا خُلِقَ، وبِماذا أُمِرَ، وما هِيَ الحَياةُ التِيْ يَجِبُ أَن...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: لا يَزالُ النَّاسُ على هذهِ الأَرضِ يَتَعاقَبُون، أُمَةٌ على إِثْرِ أُمَةٍ، وجِيْلٌ على إِثْرِ جِيْل، يُمَتَّعُ جِيْلٌ على هَذِهِ الأَرضِ زَمَناً، ثُمَّ يَنْقَرِضُ ويَخْلُفُ ذاكَ الجِيْلَ جِيْل. أَجْيالٌ تَمُرُّ، لِتُبْتَلَى وتُمْتَحَنُ، وتُخْتَبَرُ وتُمَحَّصْ، والنَّاسُ في الحَياةِ ما بَيْنَ مُهْتَدٍ وَحَائِرٍ، وَمَا بَيْنَ بَرٍّ وَفَاجِرٍ. ومُنْقَلَبُ النَّاسِ في عَاقِبَةِ أَمْرِهِم مَا بَيْنَ نَاجٍ وَهالِكٍ، وما بَيْنَ رَابِحٍ وَخَاسِرٍ، ولا سَلامَةَ للإِنْسانِ إِلا بالإِسْلامِ، ولا نَجاةَ لَهُ إِلا بالإِيْمانِ، ولا كَرامَةَ لَهُ إِلا بالتَقْوَى.

 

والإِيْمانُ هُوَ مَعْقِلُ الهِدايَةِ وهُوَ مَوْرِدُها، وهُو غايَةُ الفَلاحٍ وهُوَ أَساسُها. بالإِيْمانِ يَعْلُو المرءُ ويَسْمُو، وبِهِ يَنالُ الكَرامَةَ ويَنْجو؛ (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[العصر: 1-3]؛ الإِيْمانُ، نُورٌ بِهِ القَلْبُ يُشْرِقُ، وسَعادَةٌ بِها الحَياةُ تَطِيْبُ، وانْشِراحٌ بِهِ الصَدْرُ يَتَّسِعُ، وهدايَةٌ بِها المرءُ يَسِيْر.

 

والإِيْمانُ: هُوَ التَّصْدِيْقُ الجَازِمُ الذِيْ لا يِشُوبُهُ شَكٌّ، وهُوَ الاعْتِقادُ الصَّادِقُ الذِيْ لا يُصِيْبهُ رَيْب. يُؤْمِنُ العَبْدُ بأَرْكانِ الإِيْمانِ التِيْ أَوْجَبَ اللهُ عليهِ الإِيْمانَ بها: "أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ"؛ (وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)[النساء: 136].

 

الإِيْمانُ: هُوَ اعْتِقادٌ بالقَلْبِ، وقَوْلٌ باللسَانِ، وعَمَلٌ بالأَرْكَانِ؛ يَزِيْدُ بالطَّاعَةِ ويَنْقُصُ بالعِصْيان. الإِيْمانُ هُوَ الأَمانُ، ولا أَمانَ لِمَنْ لا إِيْمانَ لَه؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)[الأنعام: 82]، المؤْمِنُونَ لَهُمُ الأَمْنُ الأَعْظَمُ يُومَ القِيامَةِ؛ (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)[الأنبياء: 103]، ولَهُم الأَمْنُ في الدُّنيا، وإِنْ أَحاطَتْ بِهِمُ الكُروبُ، وإِنْ لَفَّتْ بِهِم المَخاوِف، وإِنْ تَكالَبَتْ عَلِيْهِم الآلام، وعلى قَدْرِ إِيْمانِ العَبْدِ بِرَبِهِ يَعْظُمُ أَمانُه؛ (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة: 40]، (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)[الشعراء: 62].

 

قُوَّةُ الإِيْمانِ في القَلْبِ، هِيَ أَعْظَمُ طَاقَةٍ تَحْمِلُ صَاحِبَها على المُسارَعَةِ إِلى فِعْلِ الخَيْراتِ، وهِيَ أَعْظَمُ سِياجٍ يَحْجُبُ صَاحِبَهُ عَنْ اقْتِرافِ المُنْكراتِ، وهِيَ أَعْظَمُ مُهذِّبٍ للنَّفْسِ، وهِيَ أَعْظَمُ حافِظٍ للأَخلاقِ، وهِيَ أَعْظَمُ حَامٍ للمُرُوءَات.

 

الإِيْمانُ، هُوَ عَقْدُ الوَلايَةِ بَيْنَ اللهِ بَيْنَ عِبادِه؛ فَمَنْ كانَ باللهِ مُؤْمِناً، كَانَ للهِ ولِياً، يُسَدِّدُهُ اللهُ ويَهْدِيْهِ، ويَحْفَظُهُ ويُنْجِيْه، ويُعِيْنُهُ ويَتَولاهُ ويَكفِيْه؛ (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)[البقرة: 257].

 

الإيْمانُ يَجْلِبُ في القَلْبِ السَّكِيْنَةِ، ومَنْ كانَت السَكِيْنَةُ لَهُ مَوْهُوبَةٌ، فالمَكارِهُ عَنْهُ مَحْجُوبَة. ومَنْ كَانَت السَكِيْنَةُ لُهُ مركَبْ، فَالسَعادَةُ لَهُ مَشْرَب؛ (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)[الفتح: 4]، الإيْمانُ ضَمانُ الهِدايَةِ، ومَنْ كَانَ الإِيْمانُ لَهُ أَكْمَل، كَانَتِ الهِدايَةُ لَهُ أَتَمُّ وأَشْمَل؛ (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[الحج: 54].

 

الإِيْمانُ مَقامُ عِزٍّ، ولا عِزَّةَ إِلا بالإِيْمانِ؛ قَرَنُ اللهُ عَزَّةَ المُؤْمِنِ بِعِزَّتِهِ -سبحانه-؛ (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)[المنافقون: 8].

 

المؤْمِنُ كَرِيْمٌ على رَبِهِ، يُقَدِّرُ اللهُ لَهُ أَكْرَمَ المَقادِيْرِ، فَكُلُّ تَقْدِيْرِ اللهِ للمُؤْمِنِ خَيْرٌ، وإِنْ كانَ في ظَاهِرِ القَدَرِ مَنْعٌ وحَجْبٌ وحِرْمان؛ عَنْ صُهَيْبٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَال: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"(رواه مسلم).

 

تَعْصِفُ بالنَّاسِ أَصْنافُ الفِتَن، وتَتَلاطَمُ بِهِم أَمْواجٌ مِنَ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، وتَشْتَدُّ بِهِم المخَاوِفِ، وتقْسُو بِهِم الأَزَمات. ويَبْقَى المُؤْمِنُ في أَمانِ اللهِ يُرْعَى، وفي حِفْظِهِ يُحْمَى، ثابِتُ القَلْبِ، لا يَهْتَزُّ إِيْمانُهُ، ولا يَضْعُفُ قَلْبُهُ، ولا يَتَزَعْزَعُ ثَباتُه؛ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)[إبراهيم: 27]، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[آل عمران: 173].

 

مُؤْمِنٌ فَتَحَ قَلْبَهُ للوَحِيِ فأَشْرَقَ النُّورُ فيهِ؛ فأَبْصَرَ مِنَ الحَقِّ ما لَمْ يُبْصِرْهُ مَنْ جَحَد، مُؤْمِنٌ لَهُ عِلْمٌ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الوِحيِ فَهْوَ على بَصِيْرَةٍ مِنْ رَبِّهِ، يَعْلَمُ لِماذا خُلِقَ، وبِماذا أُمِرَ، وما هِيَ الحَياةُ التِيْ يَجِبُ أَن يكونَ عليها، ويَعْلَمُ أَنَّ مَصِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ الجَنَّةَ، وأَنْ مَصِيْرَ المُسْتَكْبِرِيْنَ النَّار؛ فَلَمْ يَتَخَبَّطْ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والحَيْرَة.

 

بَيْنما المُحْتارُ تَاه، بَيْنما المَخْذولُ لا يُبْصِرْ خُطاه، بَيْنما المُرْتابُ في عَيْشِ بَلاءٍ، قَامَ يَشْكُو ما يُعانِي قَامَ يَشْكُو ما يَجِد؛ حائِرٌ في الظُّلُمات، غَارِقٌ في الحَسَرَات، صَرَخاتُ البُؤْسَ تُدْمِيْ عَقْلَهُ، ونِداءُ الضِّيقِ لا يَدْوِيْ صَداه، قَالَ قَولًا مُنْكَراً، قَالَ: "جِئْتُ لا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ، وَلَكِنِّي أَتَيْتُ.. وَلَقَدْ أَبْصَرْتُ قُدَّامِي طَرِيقاً فَمَشَيْتُ.. وَسَأَبْقَى مَاشِياً إِنْ شِئْتُ هَذَا أَمْ أَبَيْتُ، كَيْفَ جِئْتُ؟ كَيْفَ أَبْصَرْتُ طَرِيقِي؟ لَسْتُ أَدْرِي!"

 

إِنها حَيْرَةُ المُرْتابِ أَنْ ضَلَّ الطَّرِيق، إِنها حَسْرَةُ المُعْرِضِ أَنْ دامَ في البُؤْسِ غَرِيق؛ لَيسَ يَدْرِي كَيْفَ جاءَ، لَيسَ يَدْرِي ما المَصِير، ولَسَوْفَ يَدْرِي حِينَ يَنْكَشِفُ الغِطاءُ، ولَسَوْفَ يُبْصِرُ ما كانَ يُوعَدُ؛ (وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)[هود: 121-122] (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الحجر: 2-3].

 

بارك الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمدًا رسول رب العالمين، -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين-، وسلم تسليمًا، أَمَّا بَعْدُ:

 

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ.

 

أيها المسلمون: ولا يَصِحُّ الإِيْمانُ إِلا مُقْتَرِنًا بالعَمَلِ الصَّالحِ؛ فَمَنْ ادَّعَى الإِيْمانَ بِقَلْبِهِ، وأَعْرَضَتْ عَنْ عَمَلِ الصَّالحاتِ جَوارِحُه، فَقَدْ كَذَبَ في دَعْوَى الإِيْمانِ؛ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[النساء: 65].

 

قال الشافعيُّ -رحمه الله-: "وَكَانَ الإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ومَنْ أَدْرَكْنَاهُمْ، يَقُولُونَ: إِنَّ الإِيْمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لا يُجزئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ إِلا بِالآخَرِ".

 

ولَمَّا وَصَفَ اللهُ المؤْمِنِينَ في القُرآنِ، أَثْنَى عليهِمْ بِصالحِ أَعْمالِهِم التي تُصَدِّقُ اعْتِقادَهُم؛ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[الأنفال: 2].

 

والجزاءُ المُوعُودُ للمؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، إِنَّما هُوَ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ الصَّالحاتِ، وعَمَلُ الصَّالحاتِ مِن الإِيْمان؛ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[البقرة:82]، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)[المائدة: 9].

 

وإِنَّ أَقَوامًا ممَّنْ يَنْتَسِبُونَ إِلى الإِسلامِ، انْحَرَفُوا في فَهْمِهِم؛ فانْحَرَفُوا في طَرِيقِهِم وضَلُّوا في اعْتِقادِهِم، إِذْ ظَنُّوا أَنَّ مُجَرَّدَ الإِيْمانِ بالقَلْبِ كَافٍ لِتَحْقِيقِ النَّجاةِ والفَوْزِ برِضا اللهِ، فَعَطَّلُوا الجَوَارِحَ عَنِ العَمَلِ، وما اسْتَجَابُوا لأَوامِرِ اللهِ ورَسُولِهِ؛ فأَضاعُوا أَوامِرَ اللهِ، وانْتَهَكُوا كَثِيرًا مِنَ الحُرُماتِ، مُعْتَمِدِينَ على سَعَةِ عَفْوِ اللهِ التي لَمْ يَسْلُكُوا سَببَ إِدراكِها؛ وقَدْ ذَمَّ اللهُ مَنْ خَالَفَتْ أَفْعالُهُم أَقْوالَهُم، وكَذَّبَتْ أَحْوالُهُم مَزاعِمَهُم؛ (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)[النور: 47].

 

ألا؛ وإِنَّ قِراءَةَ القُرآنِ وتَدَبُّرَ آياتِهِ وتَفَهُّمَ مَعانِيهِ، مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ زِيادَةِ الإِيْمانِ في القَلْبِ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ سَببٍ لذلك؛ (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)[التوبة: 124].

 

ومَنْ عَظُمَ إِيْمَانُهُ باللهِ وبِما جاءَ عَنِ اللهِ، عَظُمَ وَلاؤُهُ للهِ؛ فَكانَ حُبُّهُ تَبَعًا لِما يُحِبُّهُ اللهُ، وكَانَ بُغْضُهُ مُوافِقًا لِما يُبْغِضُهُ اللهُ؛ فَلا يُحِبُّ مِنَ الأَعْمَالِ، ولا مِنَ الأَقْوَالِ، ولا مِنَ النَّاسِ، ولا مِنَ الأَمَاكِنِ، ولا مِنَ المَجَالِسِ، ولا مِنَ الأَخْلَاقِ إِلا ما يُحِبُّهُ اللهُ، وفي الحديث: "مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيْمَانَ"(رواه أبو داود).

 

اللهم اهدِ قُلُوبَنا للإيْمان.

المرفقات

مقام الإيمان.doc

مقام الإيمان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات