مقام أهل العلم في الناس

محمد بن صالح بن عثيمين

2015-07-23 - 1436/10/07
عناصر الخطبة
1/مكانة العلماء ومنزلتهم 2/فضل العالم على العابد 3/وسائل تحصيل العلم النافع 4/مصيبة موت العلماء

اقتباس

هم ورثة الأنبياء في أممهم، وأمناؤهم على دينهم، فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. وهم شهداء الله في الأرض، الذين شهدوا بالحق، وأعلنوها على الملأ بأنه "لا إله إلا الله". وأنه سبحانه هو القائم بالقسط، وأن كل حكم يخالف حكمه، فهو...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط، ويتحقق العدل بين المخلوقين، وجعل لهم خلفاء يخلفونهم في أممهم علما وعملا، ليكونوا قدوة للعاملين ومنارا للسالكين، وشهداء على العالمين، وهؤلاء الخلفاء هم العلماء الربانيون الذين اكتسبوا العلم ابتغاء وجه ربهم، وربوا به الأمة علما وعملا، فكانوا هداة مهتدين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، وإمام المتقين، فليس بعده نبي، وإنما هم العلماء كالأنبياء في هداية العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: اتقوا الله -تعالى-، واعلموا أن من أكبر نعمة عليكم أن حفظ عليكم هذا الدين برجاله المخلصين، وهم العلماء العاملون الذين كانوا أعلاما يهتدى بهم، وأئمة يقتدى بهم، وأقطابا تدور عليهم معارف الأمة، وأنوارا تتجلى بهم غياهب الظلمة، فإن في وجود أمثال هؤلاء في الأمة حفظا لدينها، وصونا لعزتها وكرامتها، فإنهم السياج المتين يحول بين الدين وأعدائه، والنور المبين تستنير به الأمة عند اشتباه الحق وخفائه.

 

وهم ورثة الأنبياء في أممهم وأمناؤهم على دينهم، فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

 

وهم شهداء الله في الأرض الذين شهدوا بالحق وأعلنوها على الملأ بأنه لا إله إلا الله.

 

وأنه سبحانه هو القائم بالقسط، وأن كل حكم يخالف حكمه فهو ظلم وجور، قال الله -تعالى-: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[آل عمران: 18].

 

وهم شهداء الله في أرضه، يشهدون أن رسله صادقون مصدقون، وأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وجاهدوا في الله حق جهاده.

 

وهم شهداء الله في أرضه يشهدون بأحكامه على خلقه، يقرؤون كتاب الله وسنة رسوله ويفهمونهما، فيشهدون على الخلق بما فيهما من أحكام عادلة، وأخبار صادقة.

 

فليس في الأمة كمثلهم ناصحا مخلصا، يعلمون أحكام الله، ويعظون عباد الله، ويقودون الأمة لما فيه الخير والصلاح.

 

فهم القادة حقا، وهم الزعماء المصلحون، وهم أهـل الخشيـة لله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر: 28].

 

ولهذا تكاثرت النصوص في فضل العلم وأهله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"[البخاري (71) ابن ماجة (221) أحمد (4/93) مالك (1667) الدارمي (226)].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة"[الترمذي (2682) ابن ماجة (223)].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء"[الترمذي (2682) أبو داود (3641) ابن ماجة (223) أحمد (5/196)].

 

أيها الناس: "إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة".

 

"وإن فقيها واحدا أشد على الشيطان من ألف عابد".

 

وذلك؛ لأن العابد منفعته قاصرة على نفسه، أما الفقيه، فقد حفظ دين الله، ونفع عباد الله، فهو يقود الأمة إلى الخير، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد، والشيطان يقودهم إلى الشر: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)[فاطر: 6].

 

فدعوة الفقيه، ودعوة الشيطان ضدان، والشيطان والداعي إلى الخير متعاديان، فلذلك كان الشيطان يفرح بموت العلماء؛ لأنهم أعداؤه يحولون بينه وبين ما يريد.

 

أيها الناس: إذا كان هذا فضل العلم وحال العالم، أفلا يليق بنا أن نبذل الجهد لتحصيل العلم النافع بالسؤال والقراءة، والبحث والتحقيق، لنفوز بإرث الأنبياء الكرام وبصحبتهم في دار السلام، فنعم الموروث الأنبياء، ونعم الرفيق؟.

 

أيها الناس: إذا كانت هذه منزلة العالم من أمته ودينه، أفلا يجدر بنا أن نأسف على موت العلماء؛ لأن فقد العالم ليس فقدا لشخصيته فحسب، ولكنه فقد لجزء من تراث النبوة، جزء كبير بحسب ما قام به هذا العالم المفقود من التحقيق، فو الله إن فقد العالم لا يعوض عنه مال ولا عقار، ولا متاع ولا دينار، بل فقده مصيبة على الإسلام والمسلمين، لا يعوض عنه إلا أن ييسر الله من يخلفه بين العالمين، فيقوم بمثل ما قام به من الجهاد، ونصرة الحق.

 

وإن فقد العلماء في مثل هذا الزمان لتتضاعف به المصيبة؛ لأن العلماء العاملين أصبحوا ندرة قليلة بين الناس، وكثر الجهل، والتشكيك والإلباس.

 

ولكننا لن نيأس من روح الله، ولن نقنط من رحمته، فلقد أخبر الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم-: "أنه لن تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"[مسلم (1920) الترمذي (2229) أبو داود (4252) ابن ماجة (3952) أحمد (5/279)].

 

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن ييسر لهذه الأمة ما يحفظ به عليها دينها، وينصر به أهل طاعته، ويذل به أهل معصيته، إنه جواد كريم رؤوف رحيم.

 

 

 

المرفقات

مقام أهل العلم في الناس.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات