مقاصد سور القرآن - سورة البلد

عبد البديع أبو هاشم

2011-05-23 - 1432/06/20
عناصر الخطبة
1/ المعنى العام للسورة 2/ تاريخ مكة وبناء البيت الحرام 3/ تفسير السورة تفصيليًّا 4/ التشابه بين سورتي الفجر والبلد

اقتباس

نعيش مع مقاصد سورة البلد، حيث سماها الله تعالى بهذا الاسم "البلد"، ويقال لها أحيانًا: سورة "لا أقسم"، ولكن اسم "البلد" شاع أكثر وملأ المصاحف وكتب التفسير، فعرفت بهذا الاسم، والبلد هو المكان الآهل للسكنى، الظاهر للمارة على الطريق، مكان بارز واضح فيه مؤهلات المعيشة، ولذلك يسكنه الناس، وقبل ذلك يكون صحراء جرداء ليس فيه شيء من مقومات الحياة ..

  الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به سبحانه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ولن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله،  صلوات الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين .. أما بعد:

أيها الإخوة الأحباب: نعيش مع مقاصد سورة البلد، حيث سماها الله تعالى بهذا الاسم "البلد"، ويقال لها أحيانًا: سورة "لا أقسم"، ولكن اسم "البلد" شاع أكثر وملأ المصاحف وكتب التفسير، فعرفت بهذا الاسم، والبلد هو المكان الآهل للسكنى، الظاهر للمارة على الطريق، مكان بارز واضح فيه مؤهلات المعيشة، ولذلك يسكنه الناس، وقبل ذلك يكون صحراء جرداء ليس فيه شيء من مقومات الحياة، هذه الكلمة تطلق على كل أرض استصلحت ووضعت فيها البنية الأساسية للحياة وسكنها بعض الناس، صار هذا المكان القفر بلدًا، والمراد (بِهَذَا الْبَلَدِ) بالسورة مكة المكرمة المعظمة المشرفة، رزقنا الله زيارتها تباعًا بالحج والعمرة.

مكة التي عمرت عمارة عظيمة، عمارة شريفة، كانت قبل ذلك واديًا غير ذي زرع، فلا ماء؛ لأنه ليس فيها زرع، إذًا لا يوجد بها ماء، ولا حياة، ولا يقطنها أحد، حتى أمر الله إبراهيم -عليه السلام- أن يُسكِنها هاجر وولدها إسماعيل -عليهم سلام الله-، ودعا يومها: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا) [البقرة: 126]، أي هيئها للمعاش، فهو وادٍ، ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ )، أي عند مكان البيت، ولكن البيت لم يكن يومها موجودًا، إنما مكانه معروف، هدمت الكعبة بفعل السيول والأمطار وغير ذلك، غير أن مكانها معروف، وهجر الناس هذا المكان، فلا إقامة فيه ولا حياة، وسكنه إسماعيل وأمه هاجر -عليهما سلام الله والرحمة-، وساعتها دعا إبراهيم -عليه السلام- أن يحول الله هذه الصحراء وهذا الوادي إلى بلد -أن يكون بلدًا-، واستجاب الله دعوة إبراهيم -عليه السلام-، فبدأ الناس يفيدون حينما رأوا بعض مقومات الحياة تنشأ في هذا المكان، حين نبع ماء زمزم، فأخذت الطيور تحلق في سماء مكة، فعرفوا أن هناك ماءً، فانتقلوا إلى ذلك المكان، فوجدوا إسماعيل وأمه، فجاوروهم وعايشوهم، وبدأت الناس تتوافد على هذا المكان، إلى أن كبر إسماعيل -عليه السلام- وبلغ السعي مع أبيه، أمر الله إبراهيم أن يرفع قواعد البيت، وعلمه مكان البيت وقواعد البيت، وأظهرها له، فبنى إبراهيم البيت الحرام، وأعاد بناء الكعبة بمعونة ولده إسماعيل -عليه السلام-.

ومن يومها بدأ المكان يعمر كثيرًا، ودعا إبراهيم -عليه السلام- أن يحمي الله هذا البيت له وحده، وأن لا يعبد فيه غيره، قال تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) [إبراهيم: 35]، بعد ما قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا)، فتحققت الدعوة وصار المكان بلدًا فيه حياة ومعيشة، فدعا أن يخلص هذا المكان لله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ).

ومر الأمر على ذلك، وكان إسماعيل -عليه السلام- نبيًّا من أنبياء الله تعالى، فعمر المكان بإسماعيل، وطهر المكان من الشرك، ثم بعد تقادم الزمان وتتابع الأجيال، ضل الناس بفعل الشيطان ووسوسته، فاتخذوا لأنفسهم أصنامًا عبدوها من دون الله، ووضعوا على الصفا صنمًا، وعلى المروة صنمًا، وداخل الكعبة أصنامًا، وحولها أصنام، وهكذا امتلأ المكان وعج بالأصنام الكثيرة التي لا تنفع ولا تضر، يعبدونها من دون الله زعمًا منهم أنها تقربهم إلى الله.

لا زالت دعوة إبراهيم قائمة، فاستجاب الله لها مرة أخرى، وطهر بيته من الأصنام بميلاد نبيه -صلى الله عليه وسلم-، حيث تضافرت مع الدعوى بتخليص البيت لله دعوة أخرى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [البقرة: 129]. ولذلك في العام الذي ولد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقامت هجمة شرسة بهدم الكعبة، أخذ الله أصحابها وأهلكهم، وردهم عن بيته وحمى بيته، وهو على كل شيء قدير: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) [سورة الفيل].

كان يقول الشيخ الشعراوي -رحمه الله- قولة لم تسمع من غيره: "بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن الله بحماية معنى البيت، بأن يعبد الناس ربًا واحدًا، وأن يوحد الناس خالقهم ويهلك أبرهة وجيشه، حمى الله تعالى مبنى البيت، وبعد أربعين سنة أوتي النبي -صلى الله عليه وسلم- النبوة، أخذ يطهر الناس من جاهليتهم، فأبوا حتى أخرجوه وخرج معه قليل، ثم أعاده إليها فاتحًا في العام الثاني من الهجرة، فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وطهر الله مكة والكعبة من الأصنام، وخلصت لخالقها وبارئها -سبحانه وتعالى-، وتحققت دعوات سيدنا إبراهيم، وصارت مكة من يومها إلى الآن -أدامها الله وأعزها- صارت بلدًا عظيمًا، بل صارت هي البلد العظيم، فيها سكن الأنبياء من إسماعيل -عليه السلام- أبي العرب، وكانت هناك آثار ولا تزال لإبراهيم -عليه السلام- وهو أبو الأنبياء، وختمت برسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولا تزال أكثر البلاد زيارة من الناس: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) [البقرة: 125]، متعها الله بالأمن دائمًا، ومتعنا الله بزيارتها دائمًا".

أحبتي الكرام: هذا حول اسم السورة، ومعناه العام، ومعناه في السورة "مكة" البلد الحرام، وهي سورة مكية، نزلت قبل الهجرة، وهي سورة تحدث الإنسان في قضية مهمة يربح فيها الرابحون ويخسر فيها الخاسرون، البلد -وهو مكة- كان عقبة في الحياة قبل ذلك، كان واديًا غير ذي زرع، والذين سكنوه تخطوا هذه العقبات، والله تعالى هو الذي أنقذهم من هذه العقبة، جوع، وظمأ، ولا شيء من مقومات الحياة، والله تعالى هو الذي أمَّنها، وهو الذي أحياها، وهو الذي جلب الناس إليها، بل جلب إليها ثمرات كل شيء، وهذا رزق من الله لأهل الحرم وزوار الحرم، فكلمة البلد تشير إلى تخطي عقبة، والإنسان في هذه الحياة تعترضه عقبة خطيرة، ينبغي عليه أن يجتهد في اجتيازها وفي تخطيها وفي اقتحامها؛ لينجو منها ومن أخطارها، ولا نجاة له إلا بمنهج الله -عز وجل-، الذي نبهه بهذه العقبة الخطيرة، وأعطاه المنهج السهل لأن ينجو من منها، أرأيتم فضل الله علينا؟! السورة كلها تدور حول هذا المعنى.

أيها الإنسان: خلقتك متحركًا في هذه الحياة، حركة دؤوبًا لا ترقب، واعلم أن في طريقك عقبة خطيرة مهلكة، مخزية في الدنيا والآخرة، ولتنجو منها عليك بهذا الطريق، حيث إنه طريق ممهد سهل ميسور، يوصل إلى النجاة بسهولة، فمن تبع ذلك الهدى اهتدى ونجا، ومن أعرض فهو كافر بالله -عز وجل-، كافر بمنهج الله ورسالته، ولذلك هو يوم القيامة من أصحاب المشأمة، شؤم في الدنيا وشؤم وعذاب في الآخرة، ويدخل نارًا تعلق عليها، فلا راحة ولا خروج منها، لا يموت فيها ولا يحيا.

وهكذا جاء سياق السورة، بدأها الله تعالى بالقسم، وكما عرفنا لا يحتاج الأمر لقسم، فالقضية التي يقسم عليها الله -عز وجل- في هذه السورة من القضايا الواضحة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)، في حركة دؤوب، في عمل شاق، في نصب وتعب، يكابد الحياة ومشاقها، يكابد شهواته ونزواته، يكابد الناس ومعاملتهم، ويتقي شرورهم، ويلدغ من أذاهم، ويصبر ويتخطى ويراوغ حتى يعيش، كبد وتعب، كلنا يشعر بذلك ولا يخفى هذا على أحد، فالقضية لا تحتاج إلى تفصيل، وحين يقول المتكلم -وهو الله سبحانه وتعالى- فلا يحتاج كلامه إلى قسم، فكلامه الحق، وقوله الصدق، ومع ذلك يُقسم لك.

ولهذا جاء اللفظ (لاَ أُقْسِمُ)، يعني لا قسم لكم في هذا المقام، ولكن مع ذلك أقسم، وبماذا أقسم، أقسم الله بالبلد، البلد الذي هو البلد ولا بلد نده، فخير البقاع على الإطلاق المساجد، وخير بقاع المساجد كلها في الأرض المسجد الحرام، مكة، ومكة كلها يومها كانت تقريبًا في مساحة الحرام الآن، امتد الحرم الآن أن استوعب تقريبًا حجم مكة يومها، ومكة مكان جعل الله له قيمة عظيمة من أول الزمان، جعلها مكرمة، محرمة، يحرم فيها القتل، يحرم فيها قطع الأشجار وغير ذلك، والسيئة فيها كما قال العلماء تضاعف كما يضاعف فيها الثواب، فالخير فيها ليس كالخير في غيرها، والسيئ فيها ليس كالسيئ في غيرها، لها خصوصية عند الله -تبارك وتعالى- الذي بسط الأرض كلها.

(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ): تخصيص لمكة، (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ)، يعني وأنت مقيم في مكة، ازداد شرفها، وازدادت حرمتها، وارتفعت كرمتها، بماذا؟! بمقام النبي فيها -صلى الله عليه وسلم-، أقسم بمكة المحرمة المشرفة والتي شرفت أكثر وأكثر بمقامك وحلك فيها، فهذا تكريم للنبي -صلى الله عليه وسلم-، كأن مقامه أو سكناه في مكة أضفى عليها جمالاً وبهاءً ورفعة وشرفًا، وكذلك كل مكان يحل فيه، بعد أن هاجر إلى أرض أخرى كانت تسمى يثرب، والتثريب هو التحري والتضييق، أن أسألك عن كل شيء، أن أحاسبك على كل شيء، والسماحة والعفو أن أقول لك: "لا تثريب عليك اليوم"، فيثرب معناها فيه ضيق، فيه حرج، فغير النبي -عليه الصلاة والسلام- اسمها حينما هاجر إليها وسماها المدينة، فيها مدنية، فيها حياة، فيها حركة، فيها حياة فاضلة، شهدت أخوة ما رأتها الدنيا أبدًا، وصارت مدينة فاضلة من أفضل البقاع في الأرض، فسكن النبي فيها -صلى الله عليه وسلم-، قال -عليه الصلاة والسلام-: "من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليمت"، خير بقعة يموت الإنسان فيها، اللهم اجعل لي -ولمن أراد- موتًا ووفاة فيها ومدفنًا يا رب العالمين، ارزقنا حياة في مكة وموتًا في المدينة، في شهادة في سبيلك على ما يرضيك يا ربنا. اللهم آمين.

(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ): ازداد البلد بك شرفًا، وهكذا أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذا وجد بيننا صالح أو صالحة فاعلموا أن البلد يبارك ويشرف بوجود الصالحين المتبعين للسنة، سلفيين كانوا أم إخوانًا أم تبليغًا، كل من اهتم بدين النبي -عليه الصلاة والسلام- وقصد اتباع سنته فوجوده في البلاد بركة، أمان، حصانة، رفعة، شرف، يكرم الله الجميع من أجلهم، فلا تستهينوا بعباد الله، لقد قال الله في الحديث القدسي: "من آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"، وولي الله ليس هو الذي يطير في الهواء، أو يمشى في الماء ويفعل الأعاجيب، لا، إنما ولي الله كما عرفه العلماء: "هو من إذا رأيته ذكرت الله"، تراه فتذكر الله، وفي تعريف آخر: "هو الذي يوالي الله بطاعته"، عهدنا منه ورأينا عليه أنه يطيع الله، ظهرت على يديه كرامة أو لم تظهر، فهو موالٍ لله في الطاعة، والولاية لله نسب متفاوتة.

ويقسم الله بشيء آخر: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ)، قالوا: الوالد هو آدم، والولد هو ذريته، وقيل: الوالد هو إبراهيم وأولاده من الأنبياء، فكان أبًا لذرية من الأنبياء، وقيل: إسماعيل، (وَمَا وَلَدَ) من العرب وخاصة سيدنا محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فهو ولد إسماعيل، وقيل: وهذا أرجح، يقسم الله بمسألة التوالد بين الناس، تناسل الأجيال وتتابع الأنسال، أن يخرج أولاد من بعد آباء ومن بعد أجداد وهكذا، تتابع أجيال الخلق، فتلك آية عظيمة لله في الخلق، يقسم الله بها لكي ندرك عظمتها وعظمة الله فيها، وجودي في الحياة معجزة، ووجودك معجزة، نعمة عظيمة أن خلقنا الله في هذه الدنيا، ونعمة أخرى أن جعل الله لي أبًا ولم يجعلنا مقطوعي النسب، وجعل الله لأبي أبًا وهو جدي، وكذلك النفس إلى ما شاء الله، إلى أبينا آدم -عليه السلام-: "كلكم من آدم، وآدم من تراب".

ففي قضية التوالد، كيف تنشأ النطفة في الرحم وكيف تكبر وكيف تنشط وكيف تأتي بمولد واحد أو توأمين أو أكثر؟! وكيف يتكون الجنين نطفة فعلقة فمضغة فعظامًا فلحمًا، ثم ينشأ خلقًا آخر، ثم يتم حمله أو يسقط أو يذهب أو يغيب أو ما إلى ذلك، ثم يولد من فتحة ضيقة مع عظم حجمه، ثم ينزل فإذا بطعامه يخرج من الداخل إلى الخارج وراءه، فيرضع من ثدي أمه... وهكذا، آيات متتابعة في خلق الإنسان، إذًا ما كان الله مبالغًا فيما قال: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) [الطارق: 5]، (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ...) إلى آخره [عبس: 18-21].

آيات متتابعة تشتمل آية الخلق، آية التوالد والتناسل، وليس ذلك في الإنسان فقط، بل الجن يتوالدون والحيوانات والحشرات وكل المخلوقات، ما عدا الملائكة لا توالد بينها ولا تناكح ولا تناسل، آيات عجيبة في أصناف الخلق الكثيرة تعلن صراحة أنه لا إله إلا الله، فلم يشترك في هذا العمل أحد غير الله، ولا يستطيع الأب ولا الأم ولا كلاهما معًا أن يأتي بحمل أو يمنع حملاً إلا أن يقتلا الجنين بالإجهاض، ولا يستطيع أحدهما ولا غيرهما أن يأتي بولد ذكر أو ببنت أنثى، فتصنيف هذا على الله تعالى.

آيات وآيات (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ): هذا هو المقسم عليه، والكبد هو التعب والمعاناة في المعاش وقضاياه وأموره وما إلى ذلك، حتى يوفر الإنسان لنفسه معاشًا، المؤمن والكافر على السواء يعيش في كبد، الكل يعمل، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ...". كأن كل الناس يصبح مبكرًا ويذهب إلى سوق الحياة ليبيع نفسه، هذا يبيع بيعة، وذاك يبيع بيعة أخرى، هذا يبيع بربح، وذاك يبيع بخسران، هذا شأن التجار، فكل الناس يغدو، إذًا كل الناس في كبد: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)، ولكنه مهما تكبّد الحياة وتمتع بالنعم فإنه يبخل بها، يعني ينبغي عليك -أيها المتكبد الحياة، أيها الكادح في الدنيا- أن تبذل بعض كدك لغيرك، أن تحمل معك بكبدك من لا يستطيع الكبد، فالمرأة الضعيفة، زوجتك، ابنتك، أمك، أختك، أولادك الضعاف الصغار، تحمل معك أخاك في الله وفي الإنسانية الذي عجز عن الكبد في الحياة، مريض على فراش المرض أصابته علة فلا يستطيع القيام ولا الذهاب ولا الحركة، من يحمله؟! يموت جوعًا؟! لا، أعطه، وحينما يدعى الإنسان إلى هذه النفقة وأن يبذل بعض كّدِهِ (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا)، يعني كثيرًا أنفقت، يكفي ما أنفقته، ما عدت أنفق بعد اليوم، قد أنفقت كثيرًا جدًّا طول حياتي، وماذا إذا أنفقت أكثر؟! فهو لك، وماذا إذا أعطيت أيضًا؟! فهو لك، في الدنيا حين تعجز عن الكسب والحركة كأنه تأمين عند الله لك، وفي الآخرة أجر عظيم عند الله -سبحانه وتعالى-: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا)، الله يعتب عليه.

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ): ألا يستطيع الله أن يمنع حركته، أن يوقف نموه، أن يعطل كده؟! يقوم في الصباح فلا يستطيع القيام، يريد أن يحرك يده أو رجله فيمنعه الله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)، لا، بل جعل الله فوق كل قوي أقوى منه، والله فوق الجميع، فوق عباده كلهم، يعني اتقِ الله إذا منعت كدك عن غيرك، فلله أن يمنع قدرته التي أعطاك إياها، وقوتك التي منحك منها، فلا تستطيع أنت الكد أيضًا، وتحتاج إلى من يمد يده إليك ببعض كده وببعض خيره وبعض سعيه، فأنفق ينفق الله عليك.

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ): يعني أيظن أن أعماله لا تحسب عليه!! من قال لك؟! هذا زعم باطل، لقد جعل لك أنت عينين، إذًا جعل لغيرك، ومن باب أولى فعين الله لا تغيب عنك أبدًا ولا تخفى عليك، فالله يراك، إن أنت كنت -أيها المخلوق- بعين فلله عين تراك وتلاحظك وتحسب عليك كل شيء: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [البروج: 9]، مشاهد لك معاين لك، لا يحاسبك على علمه بك ولكن على ما رأى منك.

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ): يعني كيف تزعم ذلك؟! (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ)، أيها الإنسان الضعيف: تلك نِعم تغيب عن الإنسان لتعوُّدِه عليها، ينسى ما فيها من قيمة عالية، سل طبيب العيون: كم تساوي العين الواحدة؟! انظر إلى من فقد عينًا وركّب مكانها عينًا زجاجية، منظر فقط، وليست كمنظر العين التي خلقها الله، لا ترى شيئًا ولا تبصر، وإنما هي شكل فقط، بكم ركَّبها ليزين شكله فقط ويداري العيب الذي فيه، العملية الجراحية في شبكية العين، في أي جزء من أجزاء العين، بكم؟! ترى أن فضل الله عليك عظيم.

(وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ): أدوات الكلام، ماذا لو كان أحدنا أصم لا يتكلم؟! تخطر في نفسه الخاطرة ولا يستطيع أن يفصح عنها، لا أستطيع أن أعبر لك وأقول: إني أحبك في الله، كيف أستطيع أن أبلغك أني في خدمتك؟! أتريد أي شيء أقدمه لك؟! أي معونة؟! كيف أبلغك هذا لو لم يكن لي لسان يتكلم، وشفتان تنظمان حركة الهواء الخارج فتعرف الضمة والفتحة والكسرة والسكون وغير ذلك من أمور أخرى في عالم النطق؟! (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن: 1-4]، وبيان واحد يختلف عن بيان آخر، هناك بلاغة، وهناك مستويات، وهناك ألفاظ حسنة، وهناك ألفاظ نقص، وهناك من يخرج الكلام من قلبه على لسانه لا يحسن تدويره ولا تحسينه، وهناك من ينطق بمنطق عذب، وأعذب منطق عرفته الدنيا منطق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كلامه جميل وبهي، وله جلال ونور -عليه الصلاة والسلام-، وأعظم من الكل -دون مقارنة- كلام الله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) [الزمر: 23].

ومن نعم الله عليه أن علمنا البيان وجعل لنا عينين تبصران، إذًا هناك من يراه وله عين، هناك من سيفضحك ويشهد عليك بالخير أو بالشر في يوم الحساب، اللسان نفسه يتكلم يوم القيامة دون إذن صاحبه، ولكن بإذن خالقه، ويشهد لصاحبه بالخير أو يشهد عليه بالشر: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور: 24]، (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [فصلت: 21] وهكذا.

(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ): يعني ألا يقتحم الإنسان العقبة التي أمامه؟! ماذا لو كان لا يعرفها؟! لا يحس بها؟! فيسقط فيها ويقع فيها ويتعثر فيها والعياذ بالله، سماها الله عقبة وهي طريق جهنم، المزالق التي تودي بالإنسان إلى النار والعياذ بالله، هذه هي العقبة، ويعظم الله من شأنها، ويحذر من خطرها، ويقول: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) ماذا تدري عنها؟! إنها أكبر من علمك، مهما قرأت عنها وعرفت عنها فهي أضخم من ذلك، هل تظنها النار يوم القيامة كما سمعنا في القرآن أو في السنة أو كما تخيلت الأذهان؟! هي كذلك وأعظم من ذلك، هذا مجرد تصوير كلامي، لكن الحقيقة أكبر وأضخم، فنسأل الله العفو والعافية، كيف يجتمع حر شديد مع زمهرير قاتل، حر وبرد في جو واحد، في مكان واحد، في وقت واحد، كيف في هذه النار الحارقة تنبت شجرة وتنمو وتورق وتثمر؟! (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: 65]، ثمرها كأنها رؤوس الشياطين ولا تحرقها النار، هل بتخيل هذا؟! شجرة خضراء نامية في وسط جهنم، (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) [الصافات: 64]، في وسط النار ولا تحرقها النار، مهما قلنا ومهما صوّر اللفظ فلا يصور الواقع، فالحقيقة أضخم وأكبر، ولكنها تذكرة.

(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ): أتدري كيف تتجاوز هذه العقبة؟! بشيء بسيط: (فَكُّ رَقَبَةٍ): يعني إعتاق عبد أو مشاركة في إعتاق عبد، أنا وأنت وهذا وهذا عدد من الناس نشترك ونعتق عبدًا من عبوديته لغير الله، للناس، إلى عالم الحرية المنضبطة بشرع الله -تبارك وتعالى-، فسيدنا بلال -عليه رضوان الله- وغيره من المسلمين كانوا إذا قالوا: لا إله إلا الله، عُذِّبوا واضطُهدوا، ويوضع بلال كما تعلمون على ظهره في أرض الصحراء في الحر الشديد، ويوضع على صدره حجر عظيم ليكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو يأبي ويقول: "أحد أحد"، حتى مر به أبو بكر -رضي الله عنه- فاستبدله بعبد كافر كان عنده، أعطاه للسيد الكافر وأخذ هو بلال المسلم، ثم بعد ذلك أعتقه ومنّ عليه بفك الأسر، وصار بلال حرًّا، وأعتق سيدٌ سيدًا، سيدنا أبو بكر أعتق سيدنا بلالاً -رضي الله عنه-، هذه لا ينساها الله أبدًا لمن فعلها، ولو كان مشاركًا فقط، فإن هذه من شأنها أن تعتق هذا الإنسان من العقبة من دخول النار، فتدخله الجنة..(فَكُّ رَقَبَةٍ): ومن أين لنا بالرقاب؟! فقد صار الناس والحمد لله أحرارًا؟!

(أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ): إطعام الطعام عمومًا يشارك في نجاة الإنسان من عقبة النار، ولكن خاصة الإطعام في يوم مجاعة؛ لأن ساعتها صاحب الطعام تصيبه المجاعة فيريد أن يتصدق ببعض طعامه، فيقول: ربما أحتاجه أنا أولى، أنا الأولى فيدخره لنفسه أو لعياله، ولكنه مع هذه الرغبة يقول: لا، أخي أولى به، فيعطي الطعام في يوم مسغبة ومجاعة لمن؟! أولى الناس بالصدقة الأقارب الفقراء، ففيها صلة وصدقة، صلة للرحم وصدقة في الوقت نفسه، فيها أجران، أما الصدقة على الغريب ففيها صدقة فقط، فمن كانت له صدقة فليتتبع بها أقاربه الفقراء دون مجاملة، فلا صدقة له، أما إن كان له قريب فقير فينبغي أن يقدَّم على الغريب.

(يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ): مسكينًا فقيرًا يأتيه دخل لا يكفيه، وبعدها تلتصق يده بالتراب، يعني كأنه قيل له من زوجته أو أولاده: نريد كذا يا أبانا، أو يا زوجي: أعطني كذا لنشتري طعامًا، فيحمل بعض التراب ويقول: ليس معي إلا هذا، كناية عن الفقر وعدم وجود المال والمعاش.

(أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ): هذه الأعمال وأمثالها من أفعال الخير ليست هي فقط، بل هي مثال بسيط لأعمال الخير، وهناك أعمال أكبر وأعظم وأضخم كلها تنجي الإنسان من هذه العقبة، وقد دخل رجل الجنة في كلب سقاه، ودخل رجل الجنة بأنه كان ينام وهو سليم الصدر، ولم يحسد أحدًا على نعمة أنعم الله بها عليه، ودخل بلال الجنة وعلت مكانته فيها بأنه ما كان يحدث إلا ويتوضأ، دائمًا يجدد وضوءه، وما كان يتوضأ إلا ويصلي بهذا الوضوء أية صلاة، فريضة قائمة، أو سنة حاضرة، أو يصلي ركعتين لله، وبهذا العمل علت مكانته في الجنة، فالعقبة رغم أنها كبيرة لكن رحمة الله عظيمة تقبل منك القليل بإخلاص، سَقْي كلبٍ يدخلك الجنة، سلامة صدر تدخلك الجنة، طهارة على طهارة تدخلك الجنة، ركعتان بعد الوضوء تدخلك الجنة... وهكذا، فكثير من الناس استحق الجنة بشيء بسيط من هذا، ولكن لابد أن يكون مسجلاً وموظفًا عند ربه، بأن يكون مؤمنًا ومصليًا وتابعًا للحق والخير، وهكذا راضيًا بشريعة ربه، فيكون دخوله جنة الرحمن على عمل مثل هذا الله يتشبث له على أي عمل بسيط ويدخله الجنة به.

على أساس الإيمان لذلك قال: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ): يكون عاملاً للصالحات، ويتواصي مع إخوانه بالصبر والمرحمة، أن يصبروا على حياتهم وعلى قضاء الله وعلى عبادة الله، وأن يرحم بعضهم بعضًا، ويوصيهم بذلك وهم يوصونه كذلك بذلك.. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ): الذين لهم اليمن والبركة والخير، أو هم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، فهم في عليين في الجنة يوم القيامة.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ): هم أصحاب الشؤم والنحس والبؤس والضيق، ضنك في الدنيا والآخرة، عليهم يوم القيامة نار مؤصدة: أي مغلقة، قالوا: عليها أسوار لا أبواب لها، الأبواب أغلقت، فما عاد لها مخرج يخرج منها، ولا يخرجون منها، نسأل الله العفو والعافية. كان هذا سياق سورتنا المباركة.

يحقق هذه الحقائق أن الإنسان خلق هكذا .. هكذا في كد، هو بطبيعة الحال يعمل ويكد في الحياة، فكأن الله ينصحه أن يجعل كده هذا تحت رقابة الله وعين الله، وأن يعطي من بعضه صدقة لغيره ليتخطى بذلك العقبة الكؤود، فيكون سعيه طلبًا لدخول الجنة والنجاة من النار، حركتك في الدنيا ينبغي أن تكون بهذا الغرض وبهذا الهدف، أن تنجو من النار وتدخل الجنة: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185]..  وتخطي العقبة بأمور سهلة: (فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة، على أن تكون في الأصل مؤمنًا بالله وعاملاً للصالحات.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

   

الخطبة الثانية:

  
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده... أما بعد: أوصيكم -عباد الله- بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي عن عصيانه تعالى ومخالفة أمره، فهو القائل -سبحانه وتعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله..

أيها الإخوة المسلمون عباد الله: مضت سورة الفجر وتبعتها سورة البلد، والاثنتان تشابهتا في أن الله تعالى افتتح كل واحدة منهما بالقسم، أقسم هناك بأيمان وأقسم هنا بأيمان أخرى، ولله أن يقسم بما شاء على ما شاء سبحانه وتعالى، وليس لنا -نحن العبيد لله- أن نقسم إلا باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته، ولا يجوز الحلف بغير الله -عز وجل-.

كذلك مضى في سورة الفجر أن الناس في طبيعتهم أهل بخل وشح، بخل لا يعطون شيئًا مما معهم، وأهل الشح يطمعون فيما في أيدي غيرهم، لن أعطيك مما معي، بل سآخذ ما معك، الأولى بخل والثانية شح: (كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ): لا يخرج منكم إكرام لليتيم، (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): حتى تبخلون بالكلمة توصون بها أهل الأموال باليتامى والمساكين أن يطعموهم أو يكسوهم أو غير ذلك من الكفالات، تبخلون بالكلمة وبالعطاء، أما الشح ففي قول الله تعالى: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا)، يجمع الميراث ويأخذه بقوته ويمنع أصحاب الحقوق حقوقهم: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا): أي حب زائدًا كثيرًا، هذا حال الناس في سورة البلد بين الله تعالى أن الإنسان حينما يعكس في نفسه هذه الصفات الذميمة ويحولها إلى صفات جميلة، فيعطي مما معه، ويعطي بعض كده إلى غيره، ويحفظ مال غيره، فإن ذلك ينجيه من العقبة الكؤود الخطيرة وهي النار، أما لو ظل على إنسانيته وغرائزه البشرية التي تأكل حق الآخرين وتمنعهم خيره، فهذا يؤدي به إلى النار ويسقطه في العقبة ولا منجى له، فكأن الله تعالى يذكر العيب الغريزي في الإنسان هناك، وهنا يذكر الله تعالى إصلاحه لهذا الإنسان.

وختمت السورتان بذكر صنفي الناس، هناك في سورة الفجر صنف في النار جيء له بالنار، ويتذكر يومها ويندم ويتحسر وأنى له الذكرى، فيندم ويقول: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)، فيعذب ويوثق بالوثاق الشديد عند الله -تبارك وتعالى-، وهم أصحاب المشأمة في هذه السورة... وصنف آخر: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً)، من هؤلاء؟! هذا عند الموت يوم القيامة هم أصحاب الميمنة، الذين يأخذون كتابهم بأيمانهم، وتأتيهم كتبهم من تلقاء وجوههم، ولكن عن جهة اليمين، فيتلقى كتابه بيده اليمنى، وينجيه الله تعالى، ويحمل كتابه الذي حوى الخير، وينادي على المقربين الذين سبقوه إلى الجنة حين يسكنها: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)، انظروا كتابي نجاني، فيه خير عظيم: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ)، ما كنت أتوقع النجاة.. فالسورتان متناسبتان تناسبًا عظيمًا جدًا، وبينها موافقات لطيفة؛ وذلك لأن القرآن كلام الله الحكيم، فكلامه متناسق متناسب كأنما هو حديث واحد متصل وإن قُسِّم إلى سور.

أحبتي الكرام: القرآن الكريم وهو في مكة قبل الهجرة وليست للمسلمين دولة، وليست لهم قوة ولا هيمنة، شريعة الإسلام من أولها وبدايتها تدعو إلى تفعيل القوى، وهو ما يعرف اليوم باسم التنمية الاجتماعية، يخبرنا الله تعالى أن الإنسان عامل، ما من إنسان يتعطل، هذه طبيعة الإنسان إذًا، من نام في بيته ولم يعمل فقد عطّل قوة خلقها الله تعالى، خالف سنة الله الكونية، خالف طبيعته كإنسان، فقد دنا ونزل عن مستوى الإنسانية، الحيوان يتحرك ويأكل، فلماذا ينام هذا في بيته ولا يعمل؟!! وحينما يقوم حُكْم أو نظام ويعطل القوى البشرية فلا يحقق لها أعمالاً ولا يوجِد طرق عمل، فقد أهدر قوة عظيمة ونعمة جليلة، أهدرها تحت الإقدام، عطلها وعطل التنمية الاجتماعية بها، فلهذه الأيدي ولهذه السواعد أن تعمل، وهو يوقفها ويعطلها بالشروط التي يضعها للعامل؛ ما يعجز هذا ويقعد هذا ويمنع هذا، فتتعطل القوى البشرية، وقد عرف علماء الاقتصاد في هذه الأيام المتأخرة أن أفضل عناصر التنمية الاجتماعية والاقتصادية إنما هي اليد العاملة، القوة البشرية.

اليد العاملة هذه أفضل العناصر، فإن المال لا يصنع وحده ولا يتحرك وحده، والأرض والمواد الخام كلها لا تتحرك بذاتها، وإنما تحتاج إلى يد قادرة تحركها وتسبقها وتنميها وتفعلها، والذي يفعل ذلك ما خلق الله في يد الإنسان من قوة، فتعطيل قدرات البشر وخاصة قدرات الشباب بزعم أن للمرأة حقًّا في العمل كأنها عاطلة، ووراءها عبئان ثقيلان، عبء القيام بحق الزوج، وعبء تربية الأولاد، عمل شاق يعجز عنه الرجال، ويظنون أنها عاطلة، ويريدون أن يخرجوها إلى العمل خارج البيت، تأسيًا بمن بأوروبا وأمريكا، وحينما ننظر في واقع هؤلاء الناس ندرك أن المرأة هناك لم تخرج للعمل لأن هذا حقها، لا، بل لأن زوجها لا ينفق عليها، وأباها لا ينفق عليها، وأخاها لا ينفق عليها، وابنها لا يسأل عنها إلا بوردة في عيد الأم وانتهى الأمر، فكيف تعيش؟! من أين تأكل؟! لابد أن تعمل، لابد أن تكدح وتكد في الحياة بجوار أعبائها من الحمل والولادة والرضاعة وما إلى ذلك.

هذا إثقال على المرأة، وشغل أماكن العمل بالنساء وهن عاملات أصلاً في مملكتهن، وتعطيل البشر الرجال عن العمل وهم الأولى بالعمل خارج البيت؛ لأن الله خلق الرجل أقوى بنيةً عن المرأة، يقوى على المواصلات وعلى كد الحياة، وعلى تعب الحياة، وكسب المعايش، وهكذا يعمل في الصخر ويحمل الأثقال ويتحمل الأعباء؛ ليجمع رزقه ورزق زوجته وأولاده، فالحياة تكامل، فحينما يخبرنا الله تعالى أنه خلق الإنسان في كبد، أي في حركة وعمل ونشاط وكد دائم، إشارة إلى وجوب تفعيل القوة البشرية في المجتمع لمن أراد التنمية.

ثم يوجهنا الله بهذه السورة إلى أنه ينبغي أن نوظف كدنا وتعبنا فيما هو نافع وفيما هو مهم، أهم شيء في حياة الإنسان أن يحسن معيشته، وهذا موجود في كل الناس، لكن من الناس من يحسن معيشته في الدنيا الزائلة فقط التي سيتركها فيبني ما لا يسكن ويجمع ما لا يأكل، لكن الله يوجهه لأن يعمل للدار الآخرة الباقية التي ما جمعه لها إلا ويجده هناك، لا يفنى ولا يبلى، عش في حياتك منعمًا في الدنيا، ولكن ادخر للآخرة أيضًا، وذلك بما تعطيه لغيرك وتطعم غيرك وتعطي بعض كدك، فهذا ينفعك يوم القيامة، لا أن تعمل في كد وتعب ونصب ثم تنفق ربحك وأجرك ورزقك فيما لا يفيد، هذا ضلال!! أعمل وأجمع المال وأنفقه فيما لا يفيد، هذا ضلال عظيم، وهذا هو حقيقة الناس الذين نتأسى بهم في الدنيا مع الأسف الشديد، حياتهم هناك، يعمل طول الأسبوع في كد ونصب، موعد عمله قبل التاسعة صباحًا، وانصرافه في الثانية مساءً، عمل جاد، عمل شديد، عمل عظيم، نشاط وتقدم وحضارة، ثم فيما يسمى بعطلة نهاية الأسبوع ينفق ما جمعه طول الأسبوع، في الإجازة الأسبوعية يذهب ويسكر ويشرب وينفق ما جمعه، وفي الأسبوع الذي بعده يجمع وفي نهاية الأسبوع ينفق ما جمعه، وهكذا، لم يدخر لنفسه في الدنيا ولا يدخر لنفسه في الآخرة، وحياتهم ديون وقروض وحياة ضنك والعياذ بالله تعالى، لكننا نرى صورة ظاهرة فقط مبهرة، صورة مزيفة مزوقة، فنظن أن هؤلاء الناس يعيشون حياتهم، فهل هذه هي الحياة حقًّا؟! لا يا أخي، لو نظرت في واقع حياتهم ودوافعها وأهدافها لوجدتها حياة ضائعة، وإلا فلماذا ينتحرون ويكثر الانتحار فيهم أكثر من المسلمين؟! لأنهم لا يجدون في حياتهم هذه السعادة، أما أنت فيعلمك الله أن تدخر لدنياك، وأن تنفق على أهلك ومواليك، "وخير درهم أنفقته درهم أنفقته على أهلك"، "وإنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس"، تنفق عليهم في حياتك، وتترك لهم شيئًا بعد مماتك يعينهم على معاشهم، هذا مسموح به، ولكن أيضًا ادخر للآخرة، اعمل للآخرة بشيء من البذل وشيء من العطاء والصدقات، هكذا التوازن البشري والعمارة الإسلامية في الدنيا والآخرة.. نسأل الله لنا ولكم الهداية.

المرفقات

سور القرآن - سورة البلد

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات