مقاصد سورة الإنسان

عبد البديع أبو هاشم

2017-08-05 - 1438/11/13
عناصر الخطبة
1/ أوجه التناسب والترابط بين سورتي "القيامة" و "الإنسان" 2/ أسماء "سورة الإنسان" وأسرار ودلالات تلك الأسماء 3/ تثبيت "سورة الإنسان" للنبي -صَلى الله عليه وسلم- 4/ مواطن يشرع فيها قراءة "سورة الإنسان" 5/ شرح آيات "سورة الإنسان" وبعض الدروس والعبر المستفادة منها 6/ أهداف ومقاصد وأسرار "سورة الإنسان"

اقتباس

نزلت هذه السورة على الرأي الراجح عند العلماء في العهد المكي قبل الهجرة، فإنها فيها وعد ووعيد ككل السور المكية، وفيها تثبيت وتصبير للنبي -صلى الله عليه وسلمَ- إذا هو مستضعف يلاقي الأذى يحتاج إلى من يصبره...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، نحمده -سبحانه وتعالى- ونستهديه، ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ به -سبحانه- من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان (مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) [الإنسان: 2]، وجعله سميعا بصيرا، وهداه النجدين: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان: 3]، (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165]، (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [الإنسان: 29].

وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله نزل الله عليه القرآن تنزيلا، فهدى الناس إلى المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فنشهد أنه صلى الله عليه وسلمَ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربنا وتسليمه على هذا النبي الكريم، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وصل علينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون الكرام: فقد كنا في لقائنا السابق تحت مظلة "مقاصد سور القرآن الكريم" كنا في ظلال "سورة القيامة"، واليوم نلتقي مع "سورة الإنسان"، وهي التالية لها في ترتيب المصحف، وفي اللوح المحفوظ، وبينهما تناسق عظيم، وتسلسل جليل؛ حيث إن سورة القيامة ذكرت الإنسان خمس مرات: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ) [القيامة: 3]، (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) [القيامة: 5]، (يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) [القيامة: 10]، (يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) [القيامة: 13]، (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة: 36]، وفي الخمس مرات أسئلة من الإنسان تدل على جهله، وتدل على حيرته وعدم معرفته بنفسه ولا بمصيره.

 

جاءت "سورة الإنسان" لتعرف الإنسان على هذه الحقائق، ماذا هو؟ وكيف جاء إلى الدنيا؟ وما مهمته في هذه الحياة؟ فقال تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان: 1]، ومعناها: لم يكن له وجود ولا ذكر ولا عرفان، وكيف جاء؟ (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 2]، ما المطلوب منه؟ (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان: 3].

 

فالإنسان في القرآن والشرع مخلوق مكرم مكلف عاقل؛ لذلك خيره الله: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وبهذا ترتبط السورتان ارتباطا عظيما، فكأن "سورة الإنسان" تجيب على أسئلة الإنسان في "سورة القيامة"، غير أن "سورة القيامة" حين ذكرت المؤمنين والكافرين في الآخرة أجملت ذكر المؤمنين في آيتين: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22 - 23]، ثم فصلت ذكر الكافرين، وأطالت فيه عن ذكر المؤمنين: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) [القيامة: 24 - 25]، وجاء الموت والتف الساق بالساق، والويل لك ثم الويل، إلى آخر السورة.

 

جاءت "سورة الإنسان" تقابلها بذكر مجمل للكافرين الذين فصل قدرهم هناك، فقال الله -تعالى-: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) [الإنسان: 4]، ثم أخذت تفصل وتطيل في ذكر المؤمنين الأبرار والمقربين -جعلنا الله من المقربين-: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ) إلى أن قال: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) [الإنسان:22 ]، فجاءت "سورة الإنسان" تجمل وتختصر بالكلام ما فصلته "سورة القيامة" وتفصل وتبين ما أجملته "سورة القيامة"، فتقابلتا هناك تفصيل لذكر الكافرين، وهنا تفصيل لذكر المؤمنين.

 

وسمى الله هذه السورة باسم "الإنسان"، هذا هو الاسم التي اشتهرت به السورة، وعرفت به في المصاحف، ويقال لها كذلك: "سورة الدهر"؛ لأن كلمة لم تذكر في أي سورة أخرى غير "سورة الإنسان"، ووردت في أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلمَ- وفي كلامه سبحانه كما جاء في البخاري ومسلم باسم: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ) [الإنسان: 1]، فلم تفتح سورة بهذه البداية إلا هذه السورة، فكان هذا هو اسمها.

 

ورأى بعض العلماء من باب إبراز المعاني، وإظهار الجماليات في السورة؛ ذكرها بعضهم باسم: "الأمشاج"، والأمشاج هي الأشياء المختلطة الممزوجة، حيث إن الله -سبحانه وتعالى- خلق الإنسان: (مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) حتى الظاهر نطفة مختلطة من ماء الرجل ومن ماء المرأة.

 

وللعلماء اليوم كشف الله لهم عن أسرار في هذه الأمشاج بعيدة، ربما لا يتصورها صاحب العقل البسيط، لكن كل ذلك يدل على يدل على إعجاز الله لخلقه، وإعجاز القرآن لمن عاداه.

 

ويسميها بعض العلماء أيضا ليس لتغيير اسمها، ولكن من باب إبراز ما فيها من جمال يسموها: "سورة الأبرار"، لما فيها من ذكر الأبرار ذكرا مفصلا يذهب بالقلب، ويطير بالعقل فرحا وبشرى، كما حدث ذلك لصحابي جليل بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلمَ- كما سنعرفه في فضل هذه السورة.

 

أما هذا فهو اسمها تسمى بأولها: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ)، تسمى: "سورة الإنسان"، تسمى: "سورة الدهر" من باب النافلة تسمى: "سورة الأمشاج" أو "الأبرار".

 

نزولها؛ نزلت هذه السورة على الرأي الراجح عند العلماء في العهد المكي قبل الهجرة، فإنها فيها وعد ووعيد ككل السور المكية، وفيها تثبيت وتصبير للنبي -صلى الله عليه وسلمَ- إذا هو مستضعف يلاقي الأذى يحتاج إلى من يصبره، فيقول الله له -سبحانه وتعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الإنسان: 23 - 25]، إلى آخره. هذه مواساة ومصابرة من الله العلي للنبي -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

فالسورة آياتها وألفاظها وأسلوبها كالقرآن الذي نزل في مكة قبل الهجرة، ولكن يرى البعض أنها مدنية كلها إلا قول الله -تعالى-: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: 24]؛ لأن الآثم والكفور كان في مكة ولم يكن في المدينة، وكان الكفار يعرضون على الرسول -صلى الله عليه وسلمَ- بعض العروض لكي يترك هذا الدين، وهذا الكلام الذي يقوله، وليأخذ من الدنيا ما أراد: سلطة، مالا، جاها.. وهكذا.. فالله -تعالى- قال: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا).

 

ويبدو أن الذي جعلهم يقولون: إنها مكية هو قول الله -تعالى-: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8]، فذكر أنها: نزلت في علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان يوما قد أطعم مسكينا، واليوم التالي أطعم يتيما، وفي اليوم الثالث أطعم أسيرا، فنزلت فيه الآية، وقيل: نزلت في رجل آخر من الأنصار، وهو أبو الدحداح -رضي الَله عنه-، وخاصة كلمة: "أسيرا" فلم يكن عند المسلمين أسيرا يطعمونه إلا في المدينة بعد الهجرة حين كان الجهاد، لكن لم يكن عندهم أسارى في مكة، فلم يواجهوا عدوا، ولم يخوضوا حربا، ولم يأسروا أحدا، فقال البعض: إنها مدنية، لكن الراجح عند العلماء: إنها مكية، ولا مانع من ذكر إطعام الأسير فكان بين القبائل في حروبهم أسرى، وهناك مغتصبون، وكذا.. فلا مانع أن يكون علي -رضي َالله عنه- فعل ذلك قبل الهجرة، وهذا هو الراجح أن السورة مكية.

 

ولذلك فهي تؤكد على خبر يوم القيامة متابعة لحديث سورة القيامة، وتجعل الإنسان يتذكر بهذا، وتؤكد على صدق النبي -صلى الله عليه وسلمَ- كما سيتبين هذا.

 

أخي الحبيب: هذه السورة كانت مقربة إلى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- محببة إلى قلبه جارية على لسانه؛ فقد روى الإمام البخاري -رحمه الله- عن أبي هريرة -رَضي الله عنه-، وكذا روى الإمام مسلم -رحمة الله عليه- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- كان يقرأ في صبح الجمعة في الركعة الأولى: (الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ) سورة "السجدة"، وفي الركعة الثانية: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ).

 

كان يقرأها كل أسبوع أو غالبا لا يفلتها إلا قليلا، كثر عنه أنه كان يقرأ السورتين يوم الجمعة في صلاة الفجر، هذا يشير إلى خصوصية لهذه السورة، وأن لها مقام خاص في الدعوة، وعلى لسان النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، وفي ذلك إشارة إلى طلب كثرة قراءة هاتين السورتين؛ لأنهما تذكران الإنسان بمبدئه ومعاده، ببدايته ونهايته، وخاصة في يوم الجمعة الذي بدأ الله فيه خلق آدم، وفيه انتهى من الخلق، فكانت بداية الدنيا يوم الجمعة، ونهاية الخلق يوم الجمعة، ونهاية الدنيا يوم أن تقوم الساعة يوم جمعة، أي جمعة؟ الله أعلم لا يعلمها إلا هو- سبحانه وتعالى-.

 

هذه السورة لها سياق جميل يجعل القلب يطير فرحا، ويجعل العقل يطير عجبا؛ كما روى الطبراني وغيره من أصحاب السنن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- أن رجل أعرابي - أي من سكان البوادي والصحراء– أتى النبي -صلى الله عليه وسلمَ- فسمع منه "سورة الإنسان" حتى بلغ وصف الجنان زفر زفرة فمات -يعني نفخ نفخا شديدا فمات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: "إنما أخرج نفس صاحبكم شوقه إلى الجنة" من سماع قصة الجنة في هذه السورة، وما للأسرار من نعيم عظيم تشوق ذلك الأعرابي في مجلس النبي -صلى الله عليه وسلمَ- إلى أن يرى هذا رؤيا العين، وأن يتمتع به حقيقة العين أو حق العين فزفرت نفسه ومات.

 

ويخبر النبي -صلى الله عليه وسلمَ- عن سبب موته أنه ما أماته، وما أخرج نفسه غير شوقه إلى الجنة -رضوان الله عليه-، ولذلك تبدأ السورة أولا -أيها الأحبة الأفاضل- بالسؤال الإجابة عليه مقررة عند الله -تعالى-، ولكن تحتاج إلى أن يتذكرها كل إنسان متغطرسا متكبرا معاندا مجافيا للحق، مجانبا للصواب، ضالا في طريقه، متبعا هواه، تذكر بدايتك: أما جاء عليك وقت لم تكن شيئا أصلا؟ أين كنت قبل أن تكون نطفة؟ أين كنت؟ وماذا كنت؟ ومن كان يعرفك؟ ومن كان يذكرك؟ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان: 1]، نعم قد أتى عليه ذلك الحين، إن كان كذلك فأنت لك بداية، من الذي أبداك؟ من الذي أوجدك؟ لا بد أن تسأل هذا السؤال، إن لم تعرف الإجابة عليه مع أنها معروفة في الكون فلا يعرف خالق إلا الله خلق كل شيء، فخذ هذه هي الإجابة، خذ الإجابة من الكتاب الذي: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: 42].

 

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ) ما الدليل؟ الدليل: أنه مخلوق من أمشاج، وهذه كلمة لم يعرفها الناس حق المعرفة أو معرفة كبيرة إلا في هذه الأيام مع التقدم العلمي والبحث في أصل الإنسان وخلقته والمادة التي خلق منها فرأوا هذه النطفة فعلا أمشاج من جينات كثيرة، ومن أشياء مختلطة بنسب محددة ونسب منضبطة لو زاد كذا ما حصل إنجاب ولو نقص كذا ما حصل إنجاب تبارك الخلاق العظيم.

 

فكان ذكر الأمشاج هنا كالدليل على أن الله -تعالى- هو الذي خلق بالفعل: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ)، ودليل ذلك أنه مخلوق من أمشاج، انظروا ستجدون كلامي حقا، فأنا الإله، الخلاق العظيم، ولماذا خلقه الله؟ (نَّبْتَلِيهِ) اختبارا له (فَجَعَلْنَاهُ) مؤهلا لهذا الاختبار (سَمِيعًا) بسمع، و (بَصِيرًا) [الإنسان: 2] ببصر ووراء البصر والسمع قلب بصيرة تعي وتعقل وتفهم وتزن الأمور، فتعرف حقها من باطلها، لو أن الإنسان استعمل هذه الأدوات استعمالا صحيحا، ولا يكن كالكافرين الذين: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179]، فالإنسان الواعي العاقل يستعمل هذه الأجهزة العظيمة الدقيقة المعجزة، فيعلم الحق بها من الباطل، ويعرف الطريق الصحيح من غيره: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: 2]، وفوق ذلك لم يتركه الله لسمعه أو بصره أو قلبه فقط فهذه الأدوات كما قلنا تعطل كثيرا عند كثيرا من الناس أو تصاب بآفة تسيطر عليها الإغراءات والشبهات، وغير ذلك، لذلك من الله على البشرة بأن أرسل إليهم هداية، أرسل لكل أمة رسولا، وكان رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلمَ- منذ أن بعث إلى يوم القيامة وهو رسول هذه البشرية كلها.

 

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ) أي إنا هدينا الإنسان (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) أي الطريق الصحيح دلالاته على هذا ودلالاته على ذاك وليسلك الطريق الذي يعجبه: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان: 3] (كَفُورًا) يعني كافرا، إذاً، الشاكر هذا هو المؤمن عرف أن النعم التي تغمره إنما هي من الله، وطالما الله هو المعطي فلابد أن يشكر، فكان شكره إيمانا بالله، اعترافا بوجود الله -عز وجل-، إقرارا بوحدانيته، عرفانا له بنعمه الجزيلة، فشكره كما شرع الله له فسلك السبيل الذي دله الله عليه (شَاكِرًا).

 

أما الآخر فكان كفورا، كافرا بالله، جحد وجود الله -تعالى-، أو جحد فضله، أو أنكر وحدانيته، ولم يعترف لله بنعم، إنما فتن بالنعم، وقال: (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) [الكهف: 35 – 36]، هكذا لم يعترف لله بحق -سبحانه وتعالى-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: 67]، (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) [الأنعام: 91] ما أدراك؟ من قال لكم هذا والواقع يخالفك؟ التاريخ يعارضك؟ كيف تنافرون حقائق تاريخية وواقعية وتنكرون الرسالات؟! ثم بين الله للإنسان أيضا من ضمن الهداية عاقبة كل طريق، هذه الطريق هي الحق؛ لأنها توصل إلى جنات ونعيم، وهذه الطريق طريق ضلال؛ لأنه توصل إلى سلاسل وأغلال وسعيرا، واختر لنفسك -أيها الإنسان- (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]، (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [المزمل: 19]؛ كما جاء في آخر السورة لكن ذكر الله -كما قلت- ذكر الكافرين في كلام مجمل، ولكنه كافٍ لكل عاقل أن يردعه، كافٍ لكل عاقل أن يزجره، كافٍ لكل عاقل أن ينتبه وأن يحذر: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) [الإنسان: 4] السلاسل كالأغلال هي كلها سلاسل ولكن الغل سلسلة تربط في العنق، رباط العنق وقيد العنق يقال له: الغل.

 

أما الأربطة الأخرى فهي قيود وسلاسل، إذاً عند الله أربطة يربط بها رقاب الكافر يوم القيامة في النار، وعنده سلاسل يربط بها أطرافه وأجزائه، هكذا..

 

وتخصيص الغل هنا تشبيه لهذا الكافر بالحيوان، فالحيوان هو الذي يربط من عنقه لكي يقوده صاحبه، ويتحكم في حركته، إشارة إلى أن هذا الإنسان كان مغلولا في الدنيا، كان يقوده هواه ما كان يختار لنفسه إنما تقوده الشهوات والشبهات يقوده الشيطان، وهو لا يملك من أمره شيئا، كما هو حال الحيوان.

 

ولذلك يجعله الله بصفة الحيوان في الآخرة فيقيده في رقبته بأغلال، هذه السلاسل والأغلال يربط بها الكافر، أين؟ في أرض صحراء، في أرض خضراء ذات مرعى؟ أبدا، سَعِيرًا، نارا حامية مستعرة -نعوذ بالله-، هذه الكلمات الثلاثة لكل ذو لب وعقل أن يزدجر ويرتدع ويخاف، ويعد لذلك حسابا.

 

أما المؤمنون فذكر الله أدناهم ثم ذكر أعلاهم، أقل المؤمنين في الجنة هم: الأبرار، أعلاهم هم: المقربون -جعلنا الله مع المقربين-، الذين فسر الله خبرهم في "سورة الواقعة"، فقال عن أدناهم وأعلاهم: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) [الواقعة: 10 - 11].

 

وقال عن أدناهم سماهم بأصحاب اليمين: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ) [الواقعة: 27 - 28] هؤلاء الطبقة الدنيا في الجنة.

 

أما المقربون فهذا شيء آخر- أعلانا الله لدرجتهم، ورفعنا لدرجتهم-، فقال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) [الإنسان: 5] كأس فيها مشروب، ولكنه الله خلقه ومزجه ومشجه لهم بماذا؟ بشيء يقال له: (كَافُورًا)، وليس في الدنيا من الجنة إلا مجرد أسماء، أما المسميات والحقائق فشيء لا يوصف، ولا يخطر على قلب بشر، فلا تظن أن كافور الجنة ككافور الدنيا، وأن الزنجبيل في الآخرة كزنجبيل الدنيا، هذا في الاسم فقط، أما الحقائق مختلفة ومتغايرة.

 

ما هذا الكافور؟ (عَيْنًا) بئر كاملة نابعة، فياضة، (يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) [الإنسان: 6] الذين هم في الأعلى يشربون بها شربا خالصا.

 

أما الأبرار في الطبقة الدنيا فلا يشربون من تلك العين إلا مزيجا كالذي يشرب شاي بالحليب، غيره أعلى منه مستوى يشرب حليبا صافيا، وفرق بين هذا وهذا، وفروق الآخرة أوسع وأكبر.

 

(عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) [الإنسان: 6]، وهو على سريره يشتهي الشراب منها فيشير إلى الماء فيأتيه الماء في مجرى خاصا به حتى إذا أخذ منه نهمته دون حدود معينة، يشرب منها كما يريد شرابا خالصا أشار إليها فتعود إلى أصلها، ويرجع الماء منبعه.

 

اللهم أرنا وارزقنا وأنت خير الرازقين.

 

ثم ذكر الله بعض أوصافهم حيث: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) [الإنسان: 7] شره خطير (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) كل من يحتاج إلى الطعام (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8]، فهذا الأسير لا بد أنه كافر، فالمؤمن لا يأسر إلا كافرا ولا يأسر مؤمن مؤمنا أبدا، هذا حرام، فالأسير بين المسلمين لا بد أن يكون كافرا، أرأيت إلى سماحة الطعام فيطعم المسلمون أعداءهم؛ لأنه أسير بعيد عن أهله، محبوس ومقيد يحتاج إلى طعام، فنطعمه من طعامنا، فأنت تعطيه، وهذا يعطيه؛ فقد أطعم النبي -صلى الله عليه وسلمَ- بيده الشريفة بعض الأسرى ليعلن عن سماحة الإسلام.

 

فالإسلام الذي يكرم الإنسان ولو كان كافرا يحفظ حياته ويعطيه ما يقيم قوامه، ويمنعه من الموت كأسباب، إلا أن يميته الله فيعطه الطعام ليقيم نفسه وحياته: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8]، وذلك كله ليس لشيء، لا لشهرة ولا لسمعة، ولا لانتخابات، ولا لأي شيء من هذا؛ إنما خالصا لله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا) [الإنسان: 9]، إذاً لماذا؟ (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) [الإنسان: 10]، العبوس بلغتنا هو الذي يكشر، اليوم وجهه هكذا فما بالك بالناس الذين فيه؟ وصف الله الزمان بما يوصف به الإنسان في وجهه كناية عن شدة الغضب والحسرة والحزن، الجو كله ممتلئ بالأحزان، فصار اليوم عبوسا قمطريرا.

 

ماذا حدث لهؤلاء المخلصين؟ (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) في وجوههم (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) [القيامة:22]، هذه هي نضرة: (وَسُرُورًا) [الإنسان: 11]، نضرة الوجوه، وسرورا في القلب، فمن الداخل والخارج فرح وسرور حقيقي متطابق بين قلوبهم وبين وجوههم، ليست ضحكة باهتة، ليست ابتسامة عارضة بل فرح حقيقي؛ لأن القلب سعيد ومسرور.

 

(وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان: 12 - 13]، والأرائك هي الأسرة التي يجلس عليها المسلم في الجنة، وينام عليها، ويتكأ براحته، وهي عظيمة لها أوصاف كثيرة في القرآن؛ منها: أنها رفيعة عالية، وتنزل بصاحبها، وتصعد دون أن يتعب، ومنها: أنها مَّوْضُونَةٍ، أي مرصعة بالذهب والياقوت والمجوهرات، والأحجار الكريمة، يعني كالخشب نطعمه بقطع من الحديد أو النحاس، أو ما إلى ذلك، في الدنيا، الله -تعالى- رصع لنا أسرتنا في الجنة فجعلنا موضونة، أي مطعمة بأشياء غالية ثمينة، هذا بخلاف المادة التي صنع منها السرير، فقال سبحانه وتعالى: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا)، شمس حارة حارقة، (وَلَا زَمْهَرِيرًا) بردا شديدا، إذاً الجو في الجنة دائما معتدلا طيبا يهنأ فيه الإنسان المسلم: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا) ظلال الأشجار في الجنة دانية على الناس، قريبة منهم؛ لأنها لو كانت بعيدة لتسلسلت أشعة الشمس وحرارتها بين الإنسان، وبين تلك الظلال البعيدة إنما الأغصان دانية: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) [الإنسان: 14] تنظر إلى قطف الثمر في الشجر فتشتهيه نفسك فينزل إليك، ويتدلى فتأكل منه، فكلما قطفت حبة عادت أخرى مكانها: (أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا) [الرعد: 35]، (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة: 32 - 33] كلما قطعت وجد غيرها، سبحان الله! (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) [الإنسان: 14].

 

(وَيُطَافُ عَلَيْهِم) بواسطة الولدان المخلدون خدام الجنة، أطفال المسلمين الذين يموتون صغارا قبل سن ومرحلة البلوغ، هؤلاء خدام في الجنة؛ ففي صحيح مسلم أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- على من سألهم عن هؤلاء قال: "هم دعاميص الجنة"، ودعاميص جمع دعموص، أي هو القادم، أي هم الخدام في الجنة، ويأتي ذكرهم أثناء هذا الحديث.

 

يطوفون على المؤمنين ويطاف عليهم بماذا؟ (بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) [الإنسان: 15 - 16] الشكل شكل زجاجة شفاف رقراق صافي، لكن المادة التي صنعت منها الأكواب والآنية هي الفضة، حرمها الله -تعالى- علينا في الدنيا، حرام أن نأكل في آنية الذهب والفضة، ومن التزم بذلك عوضه الله هناك، وإذا أعطاك من فضة يعطيك من ذهب، وليس على الله حرج، والله على كل شيء قدير.

 

(وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا) [الإنسان: 17] (مِزَاجُهَا) خليطها، كأس فيها مشروب، وقالوا غالبا إذا كانت كأسا ففيها خمر، الخمر التي حرمناها في الدنيا من عند الله فحرمناها وأطعنا الله فيها الله، يعوضنا عنها يوم القيامة بخمرة لذيذة (لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) [الصافات: 46]، لا تؤثر في الإنسان بصداع ولا دوخان، ولا جهاد للعقل، ولا يبول على نفسه، ولا يسيل لعابه على صدره، ولا يهذي كما يهذي المجانين، ولا يخرف كما يخرف المخرفون، ولا شيء من ذلك، يشرب ويتلذذ بهذه الخمر.

 

ثم يمزجها الله لهم بشيء اسمه: زنجبيلا، ما الزنجبيل؟ الزنجبيل عندنا حارا، من الأشياء الحارة في التذوق، لكنه اسمه فقط: زنجبيلا، أما في الجنة فشراب عظيم لا يعلمه إلى الآن إلا الله حتى يطعمنا الله منه، فنعلم حقيقته اسمه فقط: زنجبيلا، ما زنجبيل؟ (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا) [الإنسان: 18]، هذه العين أيضا اسمها: سلسبيلا، وما فيها يسمى: زنجبيلا، يخلط للأبرار الذين في أدنى الجنة.

 

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ) أولئك الذين قيل فيهم (وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ) هم هؤلاء الذين يطوفون على الناس، هؤلاء هم خدام الجنة: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ) هم أولادنا الصغار أثبتهم الله في ميزان حسناتنا حتى نلقاهم هناك، فلا تحزن لولدك الذي مات صغيرا، فهو خير من الذي عاش كبيرا، اللهم أعلم بمستقبله وخاتمته، لكن هذا الصغير سبق إلى الجنة، فارض به، وافرح به، فقد رزقك الله رزقا عظيما، ولد سواء ذكر أو أنثى وهبك الله إياه، ثم أخذه مبكرا ليكون سابقا لك إلى الجنة.

 

وحينما يقبض ويصبر أبواه ويرضون بحكم الله، الله يسأل ملائكة الموت: "أقبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم يا رب أنت الذي أمرتنا "أقبضتم فلذة كبده؟" يقولون: نعم يا ربنا، فيقول الله -تعالى-: "وماذا قال عبدي؟" قالوا: استغفر واسترجع، أو صبر واسترجع، يعني قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، ذهب الولد، وأنا الوالد سأذهب بعده، وأنا الوالدة سأذهب بعده أيضا، كلنا سنذهب لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، فيقول الله -تعالى- الكريم المنان: "أشهدكم يا ملائكتي أني أوجبت له الجنة"، فيلحق بولده هذا.

 

لو نعلم حقيقة هذا لفرحنا ويهنأ بعضنا بعضا عليه، لكن القلب يحزن، والعين تدمع، إلا أننا لا ينبغي أن نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، حتى نلقاه هناك، يطوف علينا بالخيرات.

 

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ) يعني حين تراهم، إذا رأيتهم (حَسِبْتَهُمْ) يعني ظننتم من شكلهم أنهم (لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) [الإنسان: 19] الولد الواحد ذكر أو أثنى كاللؤلؤة، ولأنهم ينتشرون في الجنة بين المؤمنين هنا وهنا بغير نظام معين مربعات، أو مثلثات، أو غير ذلك، وإنما انتشار عشوائي هكذا، ترى منظرا بديعا جميلا هنا لؤلؤة وهنا لؤلؤة، لآلئ منتشرة، وقال أهل الذوق: لا يكون اللؤلؤ ولا الدر جميلا إلا إذا انتثر، ولذلك نشر الله النجوم في السماء كلآلئ على خلفية زرقاء، ولم ينظمها بشكل معين، وهذا من روائع الجمال في خلق الله -عز وجل-.

 

(حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمّ) [الإنسان: 19 - 20] إذا نظرت هناك يمينك ويسارك، وأمامك وخلفك، في الجنة، وعرضها الواسع: (رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان: 20]، هذا ملك المؤمنين في الجنة ملكهم الله إياه: (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 43] من سمع هذا تشوق إليه، وعمل له -رزقنا الله الجنة-.

 

والله -تعالى- يطمئنهم في الجنة ليأكلوا براحتهم، وليشربوا بشهوتهم، وليتمتعوا كما يشاؤون في غير امتنان من الله، الله -تعالى- كأنه يتخلص من الفضل، لا فضل لي: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء) [الإنسان: 22] هذا حقكم، لم أمنَّ عليكم بشيء، لم أتفضل عليكم بشيء، سبحان الله! لأنهم كانوا كرماء حين رأوا الجنة، قالوا: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ) [الأعراف: 43] نسبوا الفضل لله، فتخلى الله أمامهم عن الفضل. هذا حقكم، هذا لكم، لا ملك لي فيه، ولا فضل لي عليكم فيه، هذا عملكم في الدنيا، كصاحب البيت يقول للضيف: كُل واشرب خذ راحتك، نم كما تشاء، خذ راحتك تماما البيت بيتك، والخير خيرك، ليس لنا فضل عليك، إذا جاء الضيف جاء كرمه معه، فهذا كله ليؤنسه في هذه الغربة، فربما يحرج المؤمنون من كرم طبعهم من الله -عز وجل- الذي يراهم وينظرون إلى وجهه الكريم، فيحرجون فلا يأكلون كما يشتهون، ولا يشربون كما يشاؤون، ولا يتمتعون كما يطلبون، فيأخذهم الحرج والحياء فالله يؤنسهم ويشعرهم أن المكان مكانهم، والخير جزائهم.

 

(إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) [الإنسان: 22] الكافرون لم يعتبروا بكل هذا، لا بتفصيل أخبار الكافرين في "سورة القيامة"، ولا تفصيل أخبار المؤمنين في "سورة الإنسان"، وإنما أصروا على كفرهم، فيحتاج النبي إلى مصابرة، فيقول له بما معناه: إنك لم تكذب يا محمد إنما كذبونا نحن، فالدين ديننا، والشرع شرعنا، والأوامر والنواهي منا ولنا، فالتكذيب منصرف لي أنا وليس لك أنت، صرح الله بها في آية أخرى: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: 33]، أما أنت فعندهم صادق، أنت صادق أمين عندهم، لا زلت ولا تزال وستزال كذلك، لكن تكذيبهم منصرف لآياتي فلا تحزن.

 

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا) [الإنسان: 23]، هم يكذبون بالقرآن، وقرآن من هذا؟ إذاً هم يكذبوننا نحن، يكذبون الله فلا تحزن: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) [الإنسان: 23- 24] انتظر سوف يحكم الله فيهم، ويفصل كما فصل في الأمم السابقة: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: 24] ظل على منهجك: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاء) [الإنسان: 24 – 27] الكفار (يُحِبُّونَ الْعَاجِلَة)، وفي "سورة القيامة": (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) [القيامة: 20]؛ لأن الخطاب كان للكافرين هنا تكلم عنهم بأسلوب الغيبة، فقال: (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَة وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ) ينسون ويتناسون: (يَوْمًا ثَقِيلًا) [الإنسان: 27]، ونحن قادرون عليهم: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) [الإنسان: 28] (أَسْرَهُمْ) قال المفسرون: أي فتحة مخرج المخلفات - أكرمكم الله- التي تخرج من الإنسان، مخرج النجاسة، تلك العضلة القابضة التي تحفظ الإنسان من خروج النجاسة منه إلا حين يفتح الباب هو ويأذن حفاظا عليه، طهارة ونظافة، الله هو الذي خلق لهم هذه العضلة القابضة ماذا لو كانت سائبة كالحيوانات فتسيب النجاسات على الإنسان في كل مكان على فراشه في بيته في أرضه بين الناس في كل مكان، ويلطخ بنجساته، كيف يكون منظره؟! كيف يكون حاله؟ أليس هذه العضلة نعمة كبيرة من الله -تعالى- كأن الله يهددهم بهذا التهديد الخفيف، ولكنه عليهم عظيم يؤذيهم جدا ربما لا يخرج الإنسان من بيته خشية أن ينزل منه شيء فلن يعيشوا، ولن يتحركوا، ولن يتقابلوا إحراجا من بعضهم.

 

(وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) [الإنسان: 28]، (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) [النساء: 133]، يذهب كل الموجودين على الأرض، ويخلف مكانهم خلق آخر من نسلهم أو من غيرهم: (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا * إِنَّ هَذِهِ) [الإنسان: 28 - 29] السورة بما فيها، إن هذه الآيات العظيمة بأسلوبها، بعرضها، بهذه الحقائق: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ)، إذاً، ما تتضمنه هذه الآيات موجود في الكون، موجود أمام عيني الإنسان، ولو تفكر بقبله لرأى قبل أن يسمع، حينما لا يرى خالقا، حينما لا يسمع أحدا، ولا يرى أحدا، فيقول: أنا الذي خلقت الإنسانية، أنا الذي خلقت السماوات، أنا الذي خلقت الأرض، أنا الذي أجريت الأنهار، ما من أحد ادعى هذا؟ إذاً لا أحد خلق، ولابد لهذه الأشياء أن تكون مخلوقة لا يمكن لهذا الصنع البديع المعجز أن يكون صدفة أو ضربة بغير ضارب، هكذا لا بد أن له خالقا، من إذاً؟ الله المستقر في كل قلب بالفطرة الذي فطر الناس عليها، ففطر الإنسان وحده يقول: "لا إله إلا الله" لو تفكر، لكنه انتظر ولم يقلها، جاءك الخبر المسموع بالشرع وسمعت ما تراه عينك، وسمعت ما يعقله قلبك: ألا تؤمن؟

 

(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ) يعني يذكر الله بها الإنسان بما كان ينبغي أن يعرفه من معلومات في هذا الكون من حوله قبل أن يأتيه الشرع، تذكر من الذي خلقه، تذكر من الذي أعطاك العقل، تذكر من الذي وهبك السمع والبصر، تذكر.. تذكر.. وهكذا .. فتذكر هذه الحقائق الموجودة حولك ولكنك تتغافل عنها وتنساها.

 

(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء) الخير والنجاة والفوز والحياة الطيبة في الدنيا والحياة السعيدة في الآخرة: (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [الإنسان: 29]، (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) [النبأ: 39] (مَآبًا) مرجعا؛ لأنه ذهب في الضلال، وأبعد بعدت به، وهناك سمع الحق إذا ارجع، لذلك يقول الله -تعالى- عن المنافقين الذين ثبتوا على النفاق: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) [البقرة: 18]، لا يرجعون إلى الحق الذي تركوه وراء ظهورهم هناك، ولذلك قال هنا: (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) [النبأ: 39] اتخذ مرجعا إلى ربه (مَآبًا) في "سورة النبأ"، وهنا: (سَبِيلًا)، وفي "سورة المزمل" كذلك: (سَبِيلًا) [المزمل: 19]، وهكذا الآيات يفسر بعضها بعضا، (سَبِيلًا) يرجع به إلى الله.

 

(فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ) [الإنسان: 29 - 30]، إذاً الأمر كله بيد الله نعم، ولكن الله ترك لك الاختيار، إنما أراد الله أن يضبط المؤمن والكافر فربما ظن المؤمن أنه غالب القدر واختار الهداية بنفسه وباستقلاله وليس لله عليه فضل في ذلك، فيضيع ويضل وربما ظن الكافر أنه عاند القدر وغلبه فكان الله يريدني أن أكون عبدا له فلم أكن له وكنت لغيره! لا، لم تهتد أنت بمطلق إرادتك، ولكن لله عليك فضل بذلك، أنت اخترت، أنت بدأت فثبتك الله وأعانك، أنت كفرت وعاندت وضللت فثبتك الله على الضلال ولست أنت الذي أصررت على ذلك، لما رأى الله منك إصرارا على ذلك الله ثبتك، ولا تستطيع الرجوع، فهم لا يرجعون، فهم لا يعلقون.

 

لكي يعلم كل إنسان حده، نعم أنت فعلت ولكن فعلك هذا ليس لعجز في الله، ليس غلبة لله، لو شاء الله أن يجعلك خلاف ما أنت عليه لفعل: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) [السجدة: 13]، (لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) [الرعد: 31]، (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ) [الأنعام: 107]، لو أراد الله أن يغير حركة الإنسان لغيرها رغم أنفك، ولكن ترك الله الخيار للإنسان بهذه الأمور الشرعية، فقال: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الإنسان: 30 - 31]، (يُدْخِلُ مَن يَشَاء) إذًا المسألة حسب مشيئة الله، وأنا لا دخل لي.. لا، ولكن قل من الذي يشاء الله له الرحمة، ومن الذي يشاء الله له العذاب؟ لا شك أن المؤمن المحب لله القاصد لله هو الذي يشاء الله له الرحمة، أما الكافر المعاند فهو الذي يشاء الله له العذاب، فمن رحمة الله ومن حكمته جعل مشيئته بعد مشيئتنا وبعد إرادته بهذه الأمور بعد إرادتنا، قال تعالى موضحا هذه الحقيقة في آيات أخرى: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) [الليل: 5 - 6]، هذا فعل الإنسان يأتي بعد ذلك فعل الله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) [الليل: 7]، الله يهديه لهذه الطريق ويوصله، ويثبته عليها.

 

(وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل: 8 - 10]، فلا يستطيع العودة والرجوع، فهكذا مشيئة الله ثابتة وقائمة، ولكن من حكمة الله أن أخرها بعد مشيئتنا.

 

نسأل الله -تعالى- أن يدخلنا في رحمته، وأن يهدينا إليه برحمته، وأن يرزقنا مآبا إليه حتى نلقاه يوم القيامة، فيدخلنا مع المقربين الشهود إنه هو الغفور الودود.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه دائما إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

 

أما بعد:

 

فأوصيكم -عباد الله- بتقوى الله العظيم، ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي عصيانه -تعالى-، ومخالفة أمره، فهو القائل سبحانه وتعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون الكرام: هذه هي "سورة الإنسان"، أو "الدهر"، (هل أتى على الإنسان)، بعرض عام عليها، ومرور سريع على آياتها وسياقها، ولم يبق في التعرف عليها غير أن نتعرف على هدفها -كما تعلمنا كثيرا خلال السور السابقة-: أن كل سورة جاءت تحمل رسالة، رسالة مختصرة، وهدفا موجزا، ثمرة محددة، نقتطفها من هذه الشجرة، وإن كانت فيها منافع أخرى، لكن هذه الثمرة هي أساس الشجرة، فما أساس هذه السورة؟ وما هدفها؟

 

وكنا نتعرف على هذا الهدف دائما في أي سورة من خلال اسمها، ومن خلال أطرافها الأول والآخر، فاسمها: "الإنسان"، و"الدهر"، والدهر هو الزمان، والزمان بالنسبة للإنسان هو عمره فقط الذي يعيشه في هذه الدنيا فدهر كل إنسان عمره.

 

جاءت السورة في أولها تخبر عن أن الإنسان له بداية حديثة وليست قديمة أزلية، أما الأزلية هذه فلله وحده هو الأول، وليس الإنسان هو الأول، فأنت مخلوق، وبالتالي فلك نهاية وهذا الإنسان مخلوق من نطفة، أي مخلوق لخالق يعلم كيف خلقه، خلقه (مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ)، وفي النهاية يقول: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [الإنسان: 29]، إذاً كأن السورة جاءت لتقول للإنسان: أنت مخلوق لله، خلقك الله خلقا دقيقا لا يقدر عليه أحد، وهداك السبيلين والنجدين: طرق الحق، وطرق الباطل، أي عرفك عليهما، وعلى عاقبتهما، ونهايتهما، لتختار لنفسك ما تشاء: (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) أيضا على المقابل ومن لم يشأ اتخذ إلى هواه سبيلا، اتخذ إلى شهواته سبيلا، اتخذ إلى ما اعتقد سبيلا، هذا سلك سبيل الرحمن، وهذا سلك سبيل للشيطان.

 

فأنت مخير يا ابن آدم في هذه القضية، فانظر أين أنت ذاهب، علمت بدايتك، علمت خالقك، علمت بداية وجودك، أصل خلقك، من نطفة تستقذرها على بدنك أو ثوبك، فأنت هذا كيف الشيء الحقير المستحقر أن يتكبر ويتعالى، أنت مخلوق، وأمامك طريقان فانتبه في هذا المفترق الخطير أين تذهب؟ (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) [التكوير: 26]؟ هذا طريق ربك، وهذا طريق الشيطان والضلال والسعير، فعليك أن تسلك الطريق الذي تحفظ لك حياتك، وتمد لك في أجلك لتعيش دار الآخرة، أحسن من هذه الدار، وأعظم من هذه الدار: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 64].

 

وهذا الهدف جليل وعظيم وخطير من جلالته جهل به كثير من الناس، فقال قائلهم: جئت لا أدري من أين أتيت ولكني أتيت.. إلى آخر المنظومة الخاسرة هذه، لا أحفظها، ولا أحب أن أرددها، لكن هذا مضمونها، من أين جئت؟ لا أدري، لكني جئت! ماذا ينتظرني وماذا علي لا أدري ولكني موجود، يعني إنسانا ضائعا لا يعرف بدايته، ولا نهايته، ولا دوره في الحياة، هذا هو الإنسان الجاهل الضائع الذي لم يبصر بعينيه، ولم يفكر بقلبه وعقله، وجاءه الخبر المسموع من الشرع والوحي الكريم المعصوم من الله، ومع ذلك لم يستمتع إليه، ولم يتفكر فيه، فظل على ضلاله، وهذا شأن الفلاسفة عموما يسألون: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ أسئلة جميلة، ولكنها لم تحظ بجواب منهم، لم يهتدوا إلى جواب؛ لأنهم فكروا بعقول ضالة.

 

كان ينبغي أن يرجعوا إلى مصدر أصيل كالقرآن، كالكتب السماوية السابقة قبل أن تحرف للأنبياء والمرسلين عبر الزمان، كانوا سيعرفون الإجابة الحق على هذه الأسئلة المتنافرة المشوقة التي حيرتهم طول حياتهم وماتوا يقولون: أنا من ضيع في الأوهام عمرا ! وبشر على نفسه.

 

هذه الكلمات إنما تدل على واقع يعيشه كثير من الناس فلا يدرون عن الله شيئا، ولا يدري عن نفسه شيئا، وذاك هو الإنسان العالم بذلك الزمان البعيد عالم كبير لا يزال الناس يصفونه بالعلم إلى اليوم خجلا من التوبة، حياء من الرجوع، والاعتراف بالحق، وإن كان خطأً، أخطأت قل أخطأت، قل غلطت، ما المانع؟ وارجع عن غلطك، لكن ما زالوا يصفوه بالعلم.

 

تفكر في الإنسان هذا أصله قرد سلالة إنسانية بدايتها قرود، أصلنا حيوان أجدادنا حيوانات، ويا ليتها كانت خيولا أو حمالا أو أسودا، إنما أصولنا قرود! أهذا كلام يقوله عاقل؟! يرتضيه عاقل؟! فضلا عن أن يكون علما يدرس في المدارس والجامعات، وتعتبر نظريات علمية، إنه ضلال لا يعرف إلى العلم سبيلا، يعرف الإنسان بل العلماء، علماء الإنسانية يعرفون الإنسان، فيقولون: الإنسان حيوان ناطق، ما هذا؟! لم يعرف نفسه، أنت حيوان؟! الله ما قالها لك، إنما يشبه الله الكافرين الضلال بالحيوانات، مثل باليهود أنهم بقر، وذكر قصتهم في سورة البقرة، وصرح أنهم مثل الحمير في حالة معينة مثل الحمار: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: 5]، شبه العالم الذي يتخلى عن علمه الرباني مقابل عرض من الدنيا بأنه كلب يلهث يخرج لسانه ويسيل لعابه على الأرض؛ لأنه لهث وراء الدنيا: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف: 175 - 176] تجري وراءه بعصا يلهث، تراه نائما في الظل لا يقيمه أحد، ولا يخيفه أحد، أيضا يلهث ولا ذنب للكلب، إنها ليس عنده غدد عرقية تخرج العرق من الجسد، فيخرج عرق لسانه بلهثه، هذا فطرة وغريزة، فليس ذلك عيبا فيه، إنما العالم الذي أعطاه القرآن والدين والعلم الشرعي يلهث وراء دنيا، وراء مال! صار شكله كشكل الكلب وهو يلهث؛ كأنه أخرج لسانه يلهث في هذا الثرى، وهذا الطين الذي خرج إليه، وترك رفعة الله -عز وجل-.

 

وهكذا يعلم الله ولد آدم الأول على يد غراب تحقيرا له؛ لأنه قتل أخاه، ولم يتمكن من التصرف فيه، انظر إلى الغراب أذكى منه، أحسن منك حالا، وهكذا.. وهكذا..

 

الإنسان حيوان؟! لا، ليس الإنسان حيوانا، هو كائن حي نعم، هو فيه حياة هي أكرم حياة؛ لأنها نفخة من روح الله: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر: 29]، سر إلهي لا يعلمها إلا الله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: 85]، فتزداد جلالة الإنسان وتعلو قيمته أن هذه النفخة الروحانية الربانية لا يستطيع العلماء الوصول إليها ليعرفوها فقط فضلا عن أن يتحكموا فيها.

 

إذاً، الإنسان عند الله شيء كبير: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70]، ثم إنه ليس ناطقا، فالنطق هذا شأن كل شيء، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: 44]، كل شيء في الكون يتكلم وله لغة يتفاهم بها مع بني جنسه، الجماد والحيوان والطير، وكل شيء، ولكن من حكمة الله ورحمته بنا أن أخفى عنا أصواتها، ولكن حين كشف الله عنها معجزة للأنبياء ظهر صوتها وظهر كلامها: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) [النور: 41]، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه سمعوا حنين الجذع، جذع نخلة مقطوع من أصله كان يستعمله النبي -عليه الصلاة والسلام- منبرا يخطب عليه، أو يخطب عنده، فلما تركه وجاء له بمنبر آخر بكى المنبر، وحن كحنين الطفل، سمع الصحابة حنينه ولم يسكت حتى أتاه النبي -عليه الصلاة والسلام- وهدهد عليه بيده كما نهدهد، أي نطبطب على الطفل تهدئة له، وقال له: "أما يرضيك أن تكون معي في الجنة؟" فسكت الجذع.

 

إذا، يتكلم ويبكي ويفهم يعقل ويصدق الوعد، سبحان الله! حينما جاءت الشجرة وسألها النبي -عليه الصلاة والسلام-: من أنا؟ شهدت أنه رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلمَ-، حين رفع الله الحجاب عن الحصى في كف النبي -صلى الله عليه وسلمَ- فسمع الناس تسبيح الحصى، كان الحصى يسبح قبل النبي وبعد النبي وفي يدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولكن أخفى الله صوت تسبيحه عنا حتى جعله معجزة للنبي فسمعه الناس.

 

الجبال والطير تسبح ولكن لما سمعت تسبيح داود وترانيم داود في ذكر الله أعجبها ذلك وأطربها، فاجتمعت معه حشود تردد معه، ليس بصدى صوت، وصدى الصوت يأتي معي ومع أبي جهل لو وقف بين الجبال ونادى لسمع صدى وتردد وصوت، فما ميزة داود؟ إذاً لابد أنها نطقت بصوت مسموع مفهوم تردد ما يقوله داود -عليه السلام- من الأذكار معجزة له، وتأيدا له بين بني إسرائيل، وهكذا.. والنملة نطقت لسليمان، والهدهد كلمه، وهكذا..

 

كل شيء له نطق وصوت، ولكن لا نفهمه، الإنسان حيوان ناطق! ما خرجوا بالإنسان عن دائرة الحيوان، ويأتي ذلك القرد أو ابن القرد كما رضي لنفسه، ليقول: أصل الإنسانية قرد، إنسان لم يعرف نفسه فكيف يهتدي إلى ربه؟!

 

أيها الإنسان العاقل: جاءك البيان في القرآن والسنة ألا تأخذ به؟ ألا تسمع فتعقل؟! وهكذا كان يدعو سيدنا مصعب بن عمير -رَضي الله عنه- الناس في يثرب قبل الهجرة، فيقول له الواحد من الناس: قم من هنا اذهب عن ديارنا لا تسفه ألهتنا، لا تسب كذا.. دعك من هذا الإرهاب، وهذا التطرف، وإلا قاتلناك، وفعل بك .. فيقول لهم مصعب: "أو تجلس فتسمع؟" هذا هو منطق العقل، هذا هو المنطق الرشيد: "ألا تجلس فتسمع فإن وجدت خيرا قبلته وإلا انصرفت عنك؟" لن أكلفك دفعا لي، سأندفع وحدي وأمضي وحدي، فإذا بالرجل العربي يقول: حسنا والله كلامك جميل، منطق معقول، إذاً سيفكر بقلبه حين يسمع، أهذا حق؟ أهذا باطل؟ فإن وجد خيرا قبله وإن وجد شرا أو سوء أو باطلا تركه إلا أنه يسمع آيات دون تفسير، آيات دون خطبة دون منبر دون جمع، آيات فقط نزلت من السماء فتخالط قلبه، وتخاطب بشرة فؤاده، فيرق القلب، ويستسلم لله، ويخضع لهذا الحق، ويقوم فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

ويرجع إلى قومه الكافرين الذين جاء من عندهم فيلاحظون في وجهه لونا غريبا هو نور الإيمان، لكن ما عرفوا نور إيمان، ولا نور ظلام، ولا شيء، يرون شيئا غريبا لمعانا غريبا في وجهه، ما هذا؟ فيعبرون عنه بقولهم: "والله لقد عاد علينا فلان بوجه غير الذي ذهب به"، هذا هو الإيمان، هذا هو الإنسان إذا تفكر بعقله، واعتبر بما يسمع بأذنه أو يرى ببصره.

 

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يفهمنا عنه، وأن يرزقنا من كنور القرآن ما يقربنا إليه، ويرفعنا إلى درجة المقربين عنده إنه نعم المولى ونعم المجيب.

المرفقات

مقاصد سورة الإنسان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات