معوقات النكاح: العضل وأثره -1

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2020-12-15 - 1442/04/30 2021-01-27 - 1442/06/14
عناصر الخطبة
1/المراد بالعضل 2/حكم العضل 3/أنواع العضل 4/الآثار السيئة للعضل 5/العضل المشروع.

اقتباس

كَمْ مِنْ عَفِيفَةٍ تَحْتَسِي كُؤُوسَ أَحْزَانِهَا مِنْ مَنْعِ وَلَيِّهَا لَهَا مِنَ الزَّوَاجِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ صَحِيحٍ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، فَتَزْدَادُ آهَاتُهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْ مَحَطَّةِ الْعُنُوسَةِ، وَكِبَرِ السِّنِّ، تَذْرِفُ الدُّمُوعَ، وَتَشْكُو إِلَى رَبِّهَا مَنْعَهَا مِنْ هَذَا الْحَقِّ الْفِطْرِيِّ...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ قَضَى اللَّهُ الْعَلِيمُ بِحِكْمَتِهِ أَنْ تَكُونَ أَحْكَامُ دِينِهِ مَبْنِيَّةً عَلَى وَضْعِ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ، وَجَعْلِ كُلِّ حُكْمٍ فِي مَوْقِعِهِ؛ حَتَّى لَا تَضْطَرِبَ الْأَحْكَامُ، فَتَذْهَبَ بِذَلِكَ مَصَالِحُ الْأَنَامِ؛ فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ: إِيجَابُ الْوِلَايَةِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَأَنْ تَكُونَ بِيَدِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِأَحْوَالِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ، وَأَكْثَرُ تَغْلِيبًا لِلْعَقْلِ مِنَ الْعَاطِفَةِ الَّتِي قَدْ تَسْتَبِدُّ بِالْمَرْأَةِ أَحْيَانًا فَتُورِدُهَا مَوَارِدَ النَّدَامَةِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ).

 

وَعَنْ أُمِّنَا عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ).

 

عِبَادَ اللَّهِ: غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ بَعْضًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ يَمْنَعُونَ مُوَلِّيَاتِهِمْ -مِنْ بَنَاتٍ وَأَخَوَاتٍ- مِنَ التَّزَوُّجِ وَقَدْ جَاءَهُنَّ خُطَّابٌ أَكْفَاءٌ، أَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ زَوْجُهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَخَرَجَتْ مِنَ الْعِدَّةِ فَرَغِبَ زَوْجُهَا فِي اسْتِرْجَاعِهَا وَرَغِبَتْ هِيَ فِيهِ. وَهَذَا الْمَنْعُ سَمَّاهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَضْلًا، قَالَ -تَعَالَى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 232].

 

قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: "هَذَا خِطَابٌ لِأَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ دُونَ الثَّلَاثِ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْعِدَّةِ، وَأَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يَنْكِحَهَا، وَرَضِيَتْ بِذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا، مِنْ أَبٍ وَغَيْرِهِ أَنْ يَعْضُلَهَا؛ أَيْ: يَمْنَعُهَا مِنَ التَّزَوُّجِ بِهِ حَنَقًا عَلَيْهِ؛ وَغَضَبًا؛ وَاشْمِئْزَازًا لِمَا فَعَلَ مِنَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ"(تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ).

 

وَقَالَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِنْ لَا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ).

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ يَأْمُرُ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْأَوْلِيَاءَ بِتَزْوِيجِ مَنْ وُلُّوا عَلَيْهِنَّ حِينَمَا يَخْطُبُهُنَّ ذَوُو الْخُلُقِ وَالدِّينِ، وَفِي فَحْوَاهُ نَهْيٌ لَهُمْ عَنْ عَضْلِهِنَّ فِي هَذِهِ الْحَالِ.

 

كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- حَذَّرَ مِنْ عَضْلِهِنَّ بِذِكْرِ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْعَضْلِ، فَبَيَّنَ أَنَّ رَدَّ الْأَكْفَاءِ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادٍ كَبِيرٍ، "وَذَلِكَ لِأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُزَوِّجُوهَا إِلَّا مِنْ ذِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ رُبَّمَا يَبْقَى أَكْثَرُ نِسَائِكُمْ بِلَا أَزْوَاجٍ، وَأَكْثَرُ رِجَالِكُمْ بِلَا نِسَاءٍ، فَيَكْثُرُ الِافْتِتَانُ بِالزِّنَى، وَرُبَّمَا يَلْحَقُ الْأَوْلِيَاءَ عَارٌ فَتَهِيجُ الْفِتَنُ وَالْفَسَادُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسَبِ وَقِلَّةُ الصَّلَاحِ وَالْعِفَّةِ"(تُحْفَةُ الْأَحْوَذِيِّ).

 

مِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ لَكُمْ -مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- أَنَّ عَضْلَ الْمَرْأَةِ عَنِ التَّزْوِيجِ وَقَدْ جَاءَهَا كُفْؤُهَا؛ حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- وَرَسُولُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- "قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ، فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؟!، لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ، بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...)[الْبَقَرَةِ: 232]، فَقُلْتُ: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ).

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَمْ مِنْ عَفِيفَةٍ تَحْتَسِي كُؤُوسَ أَحْزَانِهَا مِنْ مَنْعِ وَلَيِّهَا لَهَا مِنَ الزَّوَاجِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ صَحِيحٍ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، فَتَزْدَادُ آهَاتُهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْ مَحَطَّةِ الْعُنُوسَةِ، وَكِبَرِ السِّنِّ، تَذْرِفُ الدُّمُوعَ، وَتَشْكُو إِلَى رَبِّهَا مَنْعَهَا مِنْ هَذَا الْحَقِّ الْفِطْرِيِّ.

 

إِنَّ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ قَدْ لَا يُصَرِّحُ بِمَنْعِ مُوَلِّيَتِهِ مِنَ الزَّوَاجِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُسِيءُ إِلَى الْخُطَّابِ بِأَقْوَالِهِ أَوْ أَعْمَالِهِ فَيُنَفِّرُهُمْ عَنِ الْخِطْبَةِ إِلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُؤَدَّى فِي النِّهَايَةِ وَاحِدٌ؛ هُوَ: عَضْلُ الْمَرْأَةِ عَنِ الزَّوَاجِ.

 

فَيَا أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي بَنَاتِكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ، لَا تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ الزَّوَاجِ مِنَ الرَّجُلِ الْكُفْءِ لِمَصْلَحَةٍ تُرِيدُونَ تَحْقِيقَهَا مِنْ هَذَا الْمَنْعِ؛ كَالطَّمَعِ فِي رَاتِبِهَا، أَوْ خَشْيَةِ ذَهَابِ إِرْثِهَا إِلَى رَجُلٍ غَرِيبٍ، أَوْ إِرَادَةِ أَنْ تَبْقَى خَادِمَةً لَكُمْ وَلِنِسَائِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الْعَضْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَنَهَى عَنْهُ لَيْسَ نَوْعًا وَاحِدًا بَلْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

النَّوْعُ الْأَوَّلُ: عَضْلُ الْأَوْلِيَاءِ، وَقَدْ تَحَدَّثْنَا عَنْهُ.

 

النَّوْعُ الثَّانِي: عَضْلُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى مُضَارَّتِهَا، وَسُوءِ عِشْرَتِهَا، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا؛ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا أَعْطَاهَا مِنْ مَهْرٍ. وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهَا بِمَنْعِهَا حَقَّهَا، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْأَزْوَاجَ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)[النِّسَاءِ: 19].

 

النَّوْعُ الثَّالِثُ: عَضْلُ أَقَارِبِ الزَّوْجِ زَوْجَةَ قَرِيبِهِمْ عَنِ الزَّوَاجِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَانَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَهَى عَنْهُ الْإِسْلَامُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)[النِّسَاءِ: 19]. قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ: إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

نَسْأَلُ اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ يَهْدِيَ الْأَوْلِيَاءَ إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لِبَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ عَضْلَ الْأَوْلِيَاءِ لِبَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ مِنَ الزَّوَاجِ بِالْأَكْفَاءِ فِي حَالِ رَغَّبْتِهِنَّ خَطِيئَةٌ لَهَا آثَارٌ سَلْبِيَّةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الْعَاضِلِ، وَعَلَى النِّسَاءِ، وَعَلَى الْمُجْتَمَعِ:

فَالْعَاضِلُ يَبُوءُ بِالْإِثْمِ لِهَذَا الظُّلْمِ، الَّذِي إِذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ يَكُونُ عَلَيْهِ ظُلُمَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا أَنَّ الْفَتَاةَ الْمَظْلُومَةَ قَدْ تَدْعُو عَلَى ظَالِمِهَا فَتُسْتَجَابُ دَعْوَتُهَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنَ الْآثَارِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي عُضِلْنَ: حُصُولُ الْكَبْتِ، وَالْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ، وَسُوءِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ عَضَلَهَا، فَكَمْ مِنْ فَتَاةٍ مَرِضَتْ وَطَالَ مَرَضُهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَنْعُهَا مِنَ الزَّوَاجِ.

 

وَمِنَ الْآثَارِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ: انْتِشَارُ الرَّذِيلَةِ، وَتَعَدِّي حُدُودِ الْعِفَّةِ، وَكَمْ لِهَذَا الْأَثَرِ السَّيِّئِ مِنَ الْأَضْرَارِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، فَمَنْ مُنِعَ مِنْ طَرِيقِ الْحَلَالِ فَقَدْ يَغْلِبُهُ هَوَاهُ وَشَيْطَانُهُ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الْحَرَامِ.

 

وَمِنَ الْآثَارِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ: زِيَادَةُ ظَاهِرَةِ الْعُنُوسَةِ وَتَأَخُّرُ الزَّوَاجِ، وَهَذَا الْأَثَرُ قَدْ غَدَا الْيَوْمَ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي تُعَانِي مِنْهَا الْمُجْتَمَعَاتُ؛ نَظَرًا لِمَا يُورِثُهُ مِنَ الْعَوَاقِبِ السَّيِّئَةِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّنَا وَإِنْ تَحَدَّثْنَا عَنِ الْعَضْلِ الْمَمْنُوعِ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ عَضْلًا مَشْرُوعًا لِلْأَوْلِيَاءِ وَلِلْأَزْوَاجِ؛ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَمْنَعَ مُوَلِّيَتَهُ مِنَ الزَّوَاجِ بِرَجُلٍ غَيْرِ كُفْءٍ لَهَا، أَوْ يَكُونُ بِزَوَاجِهَا مِنْهُ مَضَرَّةٌ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْأُسْرَةِ، وَهَذَا مِنَ الْحِكْمَةِ، وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ السَّلَفِ كَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْإِمَامِ مَالِكٍ عَلَيْهِمَا رَحْمَةُ اللَّهِ.

 

وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)[النِّسَاءِ: 19]، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ عَضْلِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ، وَالْعَضْلُ هُنَا بِمَعْنَى: الْمُضَايَقَةُ وَالْمُضَارَّةُ. فَإِذَا "أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ لَا شَكَّ فِيهَا، أَوْ أَنَشَزَتْ نُشُوزًا بَيِّنًا فَحِينَئِذٍ لِلزَّوْجِ أَنْ يُضَايِقَهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَهْرِهَا أَوْ بِأَكْثَرِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا"(أَيْسَرُ التَّفَاسِيرِ).

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: "وَيُبَاحُ عَضْلُ... الزَّوْجِ بِالتَّضْيِيقِ عَلَى زَوْجَتِهِ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا أَعْطَاهَا مِنْ مَهْرٍ، وَذَلِكَ فِي حَالَةِ إِتْيَانِهَا الْفَاحِشَةَ؛ لِلنَّصِّ عَلَى ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْوَارِدِ فِي الْآيَةِ"(الْمَوْسُوعَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْكُوَيْتِيَّةُ).

 

فَيَا أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ الْكِرَامُ: كُونُوا عَوْنًا عَلَى سَتْرِ مَنْ وَلَّاكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ؛ احْرِصُوا عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ إِنْ جَاءَ كُفْءٌ كَرِيمٌ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَقِفُوا حَجَرَ عَثْرَةٍ فِي طَرِيقِهِنَّ وَقَدْ خَطَبَ إِلَيْكُمُ الْأَكْفَاءُ الْكِرَامُ.

 

وَنَقُولُ لِلْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ: احْذَرْنَ السَّيْرَ خَلْفَ خُطُوَاتِ الْهَوَى فِي الرَّغْبَةِ بِالزَّوَاجِ بِرِجَالٍ لَيْسُوا بِأَكْفَاءٍ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِذَا رَدَّهُمْ أَوْلِيَاؤُكُنَّ فَاحْمَدَنَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَلَا تَغْضَبْنَ عَلَيْهِمْ؛ فَبَقَاءُ الْمَرْأَةِ فِي خِدْرِهَا خَيْرٌ لَهَا مِنَ الزَّوَاجِ بِرَجُلٍ لَا يَرْعَى حَقَّ اللَّهِ وَلَا حَقَّهَا.

إِذَا خَطَبَ الْفَتَاةَ فَتًى بَعِيدٌ *** عَنِ الْخَيْرَاتِ وَالْخُلُقِ الْقَوِيمِ

فَإِنَّ بَقَاءَهَا فِي الْبَيْتِ خَيْرٌ *** مِنَ التَّزْوِيجِ لِلرَّجُلِ اللَّئِيمِ

 

نَسْأَلُ اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ يَهْدِيَ الْأَوْلِيَاءَ، وَيُرْشِدَ النِّسَاءَ لِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

 

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

المرفقات

معوقات النكاح العضل وأثره -1.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات