معركة وادي الخزندار: عواقب التفرق والخذلان

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-11-13 - 1443/04/08

اقتباس

المغول يحكمون العالم .. دخول المغول في الإسلام .. المماليك في دوامة الاختلاف .. التحاف المغولي الصليبي .. معركة وادي الخزندار .. جرائم المغول في دمشق ودور شيخ الإسلام ابن تيمية في النازلة...

سنة ربانية ماضية، وحقيقة قرآنية راسخة، ورسائل تاريخية متواترة، وحكمة إلهية عالية. تلك أربعة كاملة، رآها المسلمون عبر العصور صوراً متجسدة، ومشاهد متكررة، ونتائج حتمية قاضية.

 

لم تتجسد سنة من سنن الله -عز وجل- في خلقه وكونه، قدر ما تجسدت سنة عاقبة التفرق والاختلاف وفساد ذات البين. فهي السنة التي لا يمكن أن تؤجل عواقبها، أو تختلف نتائجها، فعاقبتها سريعة، ونتائجها أكيدة، يقسم على صحتها مئات وربما آلاف النماذج والتجارب على مستوى الأفراد والجماعات والدول والأمم.

 

فما من خطر أشد على الأمة وأهتك لسترها، وأنكى في قوتها، وأعظم ثغرة لعدوها، من اختلاف كلمتها وتفرق صفها. ويكفي في بيان خطرها وضررها أن الله -تعالى- جعلها من جنس العذاب والعقوبات التي ينزلها بالقوم الظالمين، قال الله -تعالى-: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)[الأنعام:65]، وقال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال:46].

 

هذه الآية القرآنية المحكمة تلخص كل إعجاز بلاغي عواقب التفرق والاختلاف والتنازع وأثره الأممي البالغ. وإنما كان التنازع مفضياً إلى الفشل؛ لأنه يبذر الغضب والحقد والكراهية في القلوب، ويزيل التعاون بين الناس، فيتربص بعضهم ببعض الدوائر، ويغفلون عن عدوهم المتربص بهم، بل ربما يكون من بعضهم من يقدم عداوة أخيه المختلف معه على عداوة عدوه الأصلي الذين يريد بواره واستئصاله بالكلية!!

 

فإذا وقع الفشل بين الناس أعقبه مباشرة ذهاب الريح وانتشار الغثائية في الأمة، وسقوط هيبة الأمة وانكسار رايتها التي ظلت ميمونة لقرون، وعندها يتسلط الأعداء وتبدأ الملاحم، وتسقط الأقنعة، وتجهر الأفاعي بالسوء!! وهذه واحدة من المشاهد التاريخية التي تبعث لنا برسائل شديدة اللهجة والتحذير الأكيد عن عواقب التفرق والاختلاف.

 

المغول يحكمون العالم

بعد موت الطاغية جنكيز خان في عام 624ه قُسمت إمبراطورية المغول حسب وصيته بين أبنائه الأربعة. بحيث يحكم كل واحد منهم جهة من الجهات الأصلية الأربعة، وكانت الأجزاء التي تهم العالم الإسلامي جزأين هما: الجزء الغربي من دولة جنكيز خان وكان من نصيب حفيده "باتو بن جوجي"، وعرف هذا الفرع باسم "القبيلة الذهبية" أو خانات القوقاز وشملت حدودها الشاسعة أجزاء مما يُعرف اليوم باسم روسيا، أوكرانيا، مولدوفيا، وكازاخستان. أما الجزء الآخر هو الجزء الجنوبي ويشمل بلاد فارس وكان من نصيب "تولوي"، وعرف هذا الفرع باسم دولة "الإيل خانات" أو مغول فارس.

 

توسع مغول فارس في آسيا الصغرى، واقتحموا حدود العالم الإسلامي، وفي عام 656هجرية استولوا بقيادة "هولاكو" على عاصمة الخلافة العباسية؛ بغداد ودمروها، وقتلوا الخليفة المستعصم بالله وقضوا على الخلافة العباسية، ثم استولوا على دمشق، وبذلك فقد المسلمون حاضرتين من أكبر حواضر الإسلام وقتها.

 

حبس العالم أنفاسه وهو يرى تيار المغول الجارف وهو يقتلع في طريقه كل مظاهر المدنية والحضارة ويدمر مظاهر العمران، ولكنّ لطف الله -تعالى- أدرك البشرية بجند الإسلام المخلصين، بعد أن ظهرت قوة إسلامية جديدة فتية لم تأسن بُعد من طول المقام والتصارع على السلطة والركون إلى الدنيا، ظهرت الدولة المملوكية في ظرف تاريخي حاسم ليس للعالم الإسلامي فحسب، بل للبشرية كلها، واستطاع المماليك بقيادة السلطان سيف الدين قطز -رحمه الله- وقف الإعصار المغولي في عين جالوت سنة 658ه، وبانتصار المماليك على مغول فارس تم تحرير دمشق من المغول الذين ترجعوا إلى العراق، وتلاشت الدولة الأيوبية نهائياً بسبب ضعفها واختلاف أمرائها وكثرة صراعاتهم على الملك، وامتدت الدولة المملوكية الناشئة لتحكم مصر والشام في إعمال لسنّة من سنن الله؛ سنة الاستبدال، كما قال تعالى(وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)[محمد:38].

 

دخول المغول في الإسلام

يعتبر مغول القبيلة الذهبية وزعيمها السلطان بركة خان أول فروع المغول دخولاً في الإسلام، وكان دخولهم بركة عظيمة ونعمة ربانية كبرى على العالم الإسلامي، ذلك بسبب إخلاص السلطان بركة خان وقوة إيمانه وجهوده الكبيرة في نشر الإسلام ومحاربة ابن عمومته من مغول فارس، حيث كان يكره بشدة الطاغية هولاكو بسبب جرائمه الوحشية بحق المسلمين وخاصة ما فعله بأهل لعراق عامة وبغداد خاصة وإسقاطه للخلافة العباسية، وبالجملة كان إسلام مغول القبيلة الذهبية من صنع الله -تعالى- وتدبيره بحق الأمة المحمدية.

 

أما مغول فارس أو الدولة الإيلخانية فقد ظلت على عداوتها وكراهيتها للعالم الإسلامي عامة والمماليك خاصة بعد أن وقف المماليك سداً منيعاً أمام اكتساحهم لغرب المعمورة والشمال الإفريقي، ومن ثم تكررت محاولات الثأر والهجوم على الشام ومصر عدة مرات.

 

فلم يكد يعلم المغول بمقتل السلطان قطز -رحمه الله- حتى أغاروا على مدينة البيرة وبعد ذلك هاجموا حلب واستولوا عليها. فأدرك السلطان بيبرس الذي خلف قطز خطورة مغول فارس على دولة المماليك والعالم الإسلامي، فهادن الصليبيين مؤقتاً، وعقد حلفاً مع السلطان "بركة خان" واتفقا على قتال مغول فارس، وبالفعل تمكن بيبرس من استرداد البيرة ووقف للمغول والصليبيين معاً بالمرصاد، وأنزل بهما خسائر كبيرة.

 

بعد وفاة الظاهر بيبرس جدد خليفته السلطان قلاوون الهدنة مع الصليبيين ليتفرغ هو الآخر لمواجهة الخطر المغولي، وتمكن من هزيمتهم قرب حلب في عام 679ه، ثم هزمهم مرة أخرى هزيمة نكراء عند حمص في سنة 680ه عندما هاجموا الشام بقيادة "أباقا بن هولاكو".

 

خلف أباقا بعد وفاته أخوه "تكودار" الذي أشهر إسلامه وسمى نفسه أحمد، وكان لإسلامه رجة كبيرة، فهو أول من أسلم من خانات مغول فارس، مما أدى إلى تحسن العلاقات بين مغول فارس والمماليك. إلا أن تحسن العلاقات لم يدم طويلاً، إذ قُتل تكودار على يد ابن أخيه "أرغون بن أباقا" الذي ولى عرش مغول فارس مكانه وعرف عنه كراهيته وعدائه للمسلمين بسبب تحريض أمه الأوروبية ضدهم.

 

وفي سنة 694ه وقع تحول كبير داخل البيت المغولي بالدولة الإيلخانية، حيث اعتلى عرش الدولة قازان بن أرغون بعد صراعات مريرة مع ابن عمه، وبعد اعتلائه العرش أعلن إسلامه وتسمى بمحمود، وأعلن الإسلام ديناً رسمياً للدولة، ولكن للأسف كان إسلام قازان إسلاماً مدخولاً، فقد كان مسلماً ولكن مازال على عادات المغول الوثنية، يعمل بالياسق الذي وضعه جنكيز خان كدستور للحكم، محافظاً على علاقات المغول الوثيقة مع الصليبيين، وأهم ما ظل به قازان محتفظاً به من إرث أجداده؛ عداوة المماليك والرغبة العارمة في الانتقام منهم.

 

المماليك في دوامة الاختلاف

بعد وفاة السلطان سيف الدين قلاوون سنة 689ه، دخلت الدولة المملوكية عهداً طويلاً من الفوضى والاضطرابات السياسية بسبب الصراع على الحكم، وخلال أقل من عشر سنوات تناوب على الحكم خمسة سلاطين بعضهم قُتل، وبعضهم خُلع، وبعضهم اعتزل ثم عاد، وهكذا مضى سيف التفرق والاختلاف يمزق وحدة المماليك ويفسح المجال أمام عدوهم التاريخي؛ مغول فارس للهجوم عليهم.

 

عندما جلس قازان على عرش مغول فارس كان السلطان العادل كتبغا يجلس على عرش المماليك بقلعة الجبل بالقاهرة. وكان كتبغا ذاته من أصل مغولي، وفي عهده وفد إلى الشام ومصر عدد كبير من المغول من طائفة الأويراتية وكان في الأصل مسلمين وعلى خلاف مع خانات الدولة الإيلخانية، وأجبروا على الفرار من فارس بعد حربهم ضد قازان الذي لم يغيره الإسلام كثيراً، وهذه الطائفة سيكون له دور سيء في مجري الأحداث خاصة قبيل معركة وادي الخزندار.

 

ولم يبق كتبغا في الحكم سوى سنة واحدة ثم ذاق من نفس الكأس، فخُلع وجلس مكانه السلطان حسام الدين لاجين، وفي عهد السلطان لاجين فر الأميران قبجق المنصوري نائب دمشق وبكتمر السلحدار إلى المغول وأقاما عند قازان، فلما نُصّب الناصر محمد بن قلاوون سلطاناً على المماليك بعد مقتل سيف الدين لاجين أغرى الخائن قبجق قازان بسهولة الزحف على الشام نظراً لصغر سن السلطان الناصر وانشغال الأمراء في خلافاتهم. واشتداد الصراع بين المماليك البحرية والبرجية، وهكذا فعل الغل والكره بقلب الأمير قبجق فدفعه للتعاون مع عدوه الأصلي ضد إخوانه ودولته وأمته!!

 

التحاف المغولي الصليبي

كما قلنا لم يغير الإسلام كثيراً في قازان فظل على عادات المغول ومسالكهم، فما إن شعر بضعف المماليك وكثرة اختلاف أمرائهم حتى استعد للانقضاض على الشام، وزاد من عزمه أخبار الفوضى والاضطراب السياسي الذي نقلها له الخائن قبجق، فأخذ في الاستعداد وأرسل إلى حلفائه الصليبيين للتعاون سوياً ضد أعدائهم التاريخيين؛ المماليك.

 

وبالفعل انضمت قوات صليبية من الأرمن والجورجيين، وكانت الخطة هي تنسيق الإجراءات بين جيش قازان والأنظمة العسكرية الصليبية وحكام قبرص لهزم المماليك وقهرهم، وفي المقابل سمح قازان للصليبيين بإعادة احتلال القدس لو نجح التحالف في مسعاه.

 

معركة وادي الخزندار

تكاملت الاستعداد المغولية والصليبية للهجوم على بلاد الشام بانضمام هيتوم الثاني ملك الأرمن ومن ضمن قواته بعض فرسان الهيكل وفرسان القديس يوحنا. وعندما وصلت الأخبار إلى أهل الشام دخلهم خوف عظيم، وخرج كثير من أهل الشام إلى بلاد مصر ودمشق، وفي المقابل أسرع سلطان مصر والشام بالتحرك إلى الشام حتى يمنع تقدم جيوش التتار إلى بلاد الشام، وكان سلطان البلاد هو الناصر محمد بن قلاوون ونائبه على الشام الأمير قوش الأفرم، فدخل السلطان الناصر دمشق في 8 ربيع أول سنة 699 هـ، ومكث فيها تسعة أيام، ثم خرج للقاء التتار عند بلدة حماة، وخرج معه آلاف المتطوعين، وأخذ الناس في الدعاء والبكاء والقنوت.

 

وعند وصول جيش المماليك إلى تل العجول قريباً من غزة، تآمر المغول الأويراتية الذين وفدوا إلى مصر وأقاموا فيها في عهد السلطان المخلوع كتبغا، مع بعض المماليك السلطانية على اغتيال الأميرين سلار وبيبرس الجاشنكير بهدف الانتقام وإعادة كتبغا -وهو مغولي الأصل- إلى الحكم، فأفلت الأميران بيبرس وسلار من القتل، وألقوا باللائمة على السلطان محمد الذي أقسم لهم بعدم علمه بالموضوع، ثم ما لبث أن تكشفت خيوط المؤامرة، وقُبض على الأويراتية، فأقروا بما كانوا قد عزموا عليه من قتل بيبرس الجاشنكير وسلار وإعادة العادل كتبغا إلى الحكم. فأمر السلطان بشنق نحو الخمسين من الأويراتية، ونودي عليهم: "هذا جزاء من يقصد إقامة الفتن بين المسلمين ". كل هذه القلاقل والبلابل لم تزد المماليك إلا اضطراباً وضعفاً أمام عدوهم، خاصة بعد أن أصر الأميران الناجيان من الاغتيال على إبعاد الكثير من مماليك السلطان محمد لشكهم في ولائهم.

 

 وفي 8 ربيع الأول وصل الناصر إلى دمشق على رأس جيشه، ووردت الأنباء بالبريد ومع القادمين من حلب وغيرها بعبور قازان نهر الفرات بجيش ضخم. في 17 ربيع الأول خرج عسكر دمشق وتبعه الناصر بجيشه ونزلوا بحمص، وأرسل الناصر العربان لمعاينة وضع المغول، فبلغه أنهم يحتشدون عند سلمية.

 

في سحر 18 ربيع الأول خرج الناصر من حمص لملاقاة المغول، ووصل الناصر إلى مجمع المرج -الذي عرف فيما بعد باسم وادي الخزندار- وقام الأمراء بترتيب الجنود وتنظيم الصفوف، وراح الفقهاء يعظون المقاتلين ويقوون عزائمهم حتى بكوا من وقع الكلمات وشدة التأثر. كانت عدة جيش المسلمين نحو 20 ألف فارس وكان جيش قازان في نحو 100 ألف، وكان يضم قوات صليبية متحالفة من مملكة أرمينية الصغرى.

 

بدأ القتال متكافئاً أول النهار، ثم بدأت الكفة تميل لصالح المسلمين بعد أن سحقت ميسرة الجيش الإسلامي ميمنة الجيش المغولي سحقاً أسفر عن مقتل خمسة آلاف مغولي دفعة واحدة حتى كاد قازان نفسه أن يقتل، فأخذ يفكر في الفرار من أرض المعركة، لولا أن الخائن قبجق ثبته وأرشده إلى طريقة هزيمة المماليك وذلك بالهجوم على قلب الجيش الإسلامي وكان تحت قيادة الأمراء البرجية الذين كانوا على خلاف قديم مع الأمراء البحرية الذي ينتمي إليهم السلطان محمد، وبالفعل نفذ قازان الخطة وهجم بكل خطوطه على قلب جيش المماليك فوقعت هزيمة شنيعة وكسرة فظيعة للجيش الذي طالما أذاق المغول ذل الهزائم من قبل في عين جالوت وإبلستين وحمص.

 

هُزم المسلمون شر هزيمة، وهرب السلطان، وقتل عدد كبير من الأمراء والفقهاء والمتطوعة، وعندما وصلت الأخبار إلى أهل دمشق ركبهم هم وحزن وخوف شديد، وهرب من دمشق الأعيان والقضاة والوالي والنواب، وبقيت دمشق لا حاكم لها سوى أمير القلعة الأمير أرجواش الذي استمات في الدفاع عن القلعة ورفض بشدة تسليمها إلى المغول بعد نصيحة شيخ الإسلام ابن تيمية له بعدم الاستسلام.

 

جرائم المغول في دمشق ودور شيخ الإسلام ابن تيمية في النازلة

وصل المغول إلى أطراف دمشق بعد أن نهبوا الخزائن السلطانية وعتاد جيش المسلمين في حمص، فقامت ضجة عظيمة وهرب الناس من المدينة في فزع، ومات من الزحام في الأبواب العديد من الناس، وفر إلى جهة مصر كثير منهم. واجتمع من بقي في المدينة بالجامع الأموي واتفقوا على إرسال قاضى القضاة بدر الدين محمد وشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، في عدة من شيوخ وقضاة دمشق، إلى قازان لطلب الأمان، فذهبوا إليه عند النبك، وطلبوا منه الأمان عن طريق مترجم.

 

وعند الاجتماع معه أخذ شيخ الإسلام ابن تيمية يحث السلطان بقول الله ورسوله بالعدل ويرفع صوته ويقرب منه في أثناء حديثه حتى قرب أن تلاصق ركبته ركبة قازان، وقازان مع ذلك مقبل عليه ومصغ لما يقوله. وقال ابن تيمية للترجمان: "قل لقازان إنك تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بدا لنا فغزوتنا!! وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت".

 

العجيب المدهش أن قازان تأثر مؤقتاً بكلام شيخ الإسلام فقال لهم "قد بعثت إليكم الأمان" وصرفهم، فعادوا إلى دمشق، وفي يوم الجمعة قرأ الأمير إسماعيل التتري، الذي حمل الأمان لأهل دمشق. وهنا يبرز دور أهل العلم في النوازل العامة، دور يتجاوز التنظير والتحميس والتحريض على الثبات، إلى الحركة والمشاركة الفعالة في حماية الناس وحفظ حرماتهم وأعراضهم، وردّ العدوان والتصدي لهم بكل الوسائل المتاحة.

 

ولكن عهد الأمان كان مجرد حبر على ورق، ليس له أي قيمة، حيث ما لبث قازان أن أباح دمشق لحفائه الصليبيين من الأرمن، فنهب المغول والأرمن المدينة وأحرقوا المساجد والمدارس وقتلوا الناس. وصب الأرمن جمّ غضبهم على الصالحية معقل الحنابلة بالقرب دمشق، لدور أهل المنطقة البارز في الحروب الصليبية، فقتلوا وأسروا نحو 10,000 من أهلها وفر من تمكن منهم إلى داخل دمشق. وانتهز الأرمن فرصة هزيمة المسلمين فاستولوا على تل حمدون وغيرها. وخرج ابن تيمية مرة أخرى إلى قازان بتل راهط للشكوى من النهب والتخريب وقتل الناس برغم منح الأمان فلم يتمكن من لقائه لانشغاله بشرب الخمر!! وقد منعه وزير قازان اليهودي الملقب بابن المسلماني خشية من تأثير ابن تيمية -رحمه الله- على قازان.

 

كل هذه النكبات والمآسي والخسائر الضخمة إنما هي نتيجة طبيعية وحتمية للخلاف والتفرق الذي وقع بين قادة وأمراء المماليك، والعجيب أنه عندما صفت القلوب وخَلُصت النوايا وعادت اللحمة إلى الصف المملوكي استطاع المماليك طرد المغول بعد مائة يوم فقط من احتلال دمشق، ثم أوقعوا بهم هزيمة تاريخية بعد ذلك بعام في معركة شقحب الشهيرة في رمضان سنة 702ه.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات