معايير الحق والتحذير ممن دعا إلى ضدها

عبدالله بن صالح القصير

2009-10-29 - 1430/11/10
عناصر الخطبة
1/بناء الدين الإسلامي على قاعدتين 2/ براهين الحقِّ الكتابُ والسنةُ وما عليه السلف الصالح 3/ الوعيد لأصحاب البدع وأهمية الحذر منهم.

اقتباس

فاحذروا البدع -عباد الله- وأهلها، فإنهم أعداء السنة النبوية، ودعاة الجاهلية، وهم عباد الهوى، الصادون عن الهدى، فما أشأمهم على أنفسهم! وما أشقى المجتمعات بهم! إنهم دعاة على أبواب جهنم، من أطاعهم قذفوه فيها، فاحذروهم وحذّروا منهم، وعادوهم وتقربوا إلى الله بعداوتهم ومقتهم ..

 

 

 

 

الحمد لله المتفرد بالخلق والإبداع، الذي أتقن ما صنع وأحكم ما شرع، فأغنى عن الابتداع، وبعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم مبلغاً لرسالته وناصحاً لعباده، وأمر أن يتبع ويطاع، أحمده سبحانه على أن جعلنا مسلمين وأكمل لنا الدين، وأتم به النعمة علينا من بين العالمين، وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القدوس السلام، يعدكم مغفرة منه وفضلاً، ويدعو إلى الجنة دار السلام. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب النهج القويم، والخلق العظيم، الذي أوصى أمته بالتمسك بالكتاب والسنة، وحذرها من الضلالة والبدعة، وأخبرها أن المحدثات هي شر الأمور على مر العصور.

صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلُّها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

أما بعد:

فيا أيها الناس! اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واذكروه واشكروه إذ خصكم من بين الأنام، بأن اصطفى لكم دين الإسلام، وأكمله لكم، وأتم عليكم به الإنعام، وجعله الدين الخالد المحفوظ بحفظ الله له على مر الدهور والأعوام (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت:42].

أيها المسلمون: إن مبنى دين الإسلام يقوم على قاعدتين أساسيتين هما مقتضى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله؛ اللتين لا يحكم لأحد بالإسلام إلا بالتلفظ بهما، والاعتقاد لمعناهما، والالتزام بالعمل بمقتضاهما، ونبذ كل ما خالفهما وضادهما.

القاعدة الأولى: أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فلا معبود بحق سواه، فكل معبود معه أو من دونه فعبادته باطلة، وعابده من المشركين الجاحدين، وإن عد نفسه من المسلمين، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:25]. وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل:36].

وصرح سبحانه أن كل رسول خاطب قومه أول ما خاطبهم فقال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف:59]. ونعى سبحانه على المشركين الذين جعلوا أهواءهم وأصنامهم وأوثانهم أنداداً لرب العالمين، فسووهم به في المحبة والخضوع والطاعة في المشروع والممنوع، وأنهم يندمون على تلك التسوية يوم الدين حين لا ينفع الندم، إذا دخلوا النار مأوى شر الأمم (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء:96-98].

أيها المسلمون: وأما القاعدة الثانية: أن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرع على لسان نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعبد بالأهواء ولا البدع، قال -تعالى-: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف:3]. وقال -سبحانه-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153].

وقال -سبحانه-: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) [الشورى:13]. إلى قوله: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [الشورى:15].

فجعل تعالى الهوى مقابلاً للدين؛ فكل من تدين بدين لم يشرعه الله فحقيقة أمره أنه متبع لهواه، قال -تعالى-: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية:23]. وقال -تعالى-: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [النساء:80]. وقال -سبحانه-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69].

وقال -سبحانه-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [الأحزاب:36]. وقال -جل وعلا-: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر:7]. وقال -سبحانه-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63].

أيها المسلمون: ولقد تواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الوصاة للأمة بالتمسك بالكتاب والسنة، وأن فيهما لمن تمسك بهما العصمة من كل ضلالة، والسلامة من كل فتنة، والنجاة من كل هلكة.

أيها المسلمون: وما أشكل فهمه من نصوص الكتاب والسنة، أو لم يعرف وجه تطبيقه وتحقيقه - فإنه يرجع إلى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم هم خلفاؤه الراشدون، وهم من بعده أئمة أمته المهديون، قال صلى الله عليه وسلم: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ " .

وقال حذيفة -رضي الله عنه-: " كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوها فإن الأول لم يترك للآخر مقالاً ".

وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: " سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده -يعني الخلفاء الراشدين وأئمة الصحابة المهديين- سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء مما خالفها، من عمل بها مهتدٍ، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً ".

أيها المسلمون: فالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من هذه الأمة، هي براهين الحق، ومعالم الهداية وموازين الأمور، وهي التي تزكي النفوس وتطمئن القلوب، وتشرح الصدور وتنور البصائر، وترجح العقول وتسدد الأقوال، وتصلح الأعمال، وتجمل الأحوال، وتحسن المآل، وما سوى هذه الثلاثة فهي شر المحدثات، وأنواع الضلالات المهلكات التي تصد عن الهدى، وتنافي التقوى وتجلب العمى، وتورث الشقاء، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها في كل خطبة جمعة، فيقول: " أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ".

وجاء التحذير من البدع في أحاديث كثيرة ومناسبات متعددة وصيغ بليغة؛ كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

وقال -صلى الله عليه وسلم-: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به " رواه الترمذي وغيره.

وفي الصحيح: " أن أقواماً يطردون عن حوضه -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة كما تطرد الإبل العطاش، فيقول صلى الله عليه وسلم: أمتي -وفي رواية: أصحابي- فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ".

 

وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء..." . وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ".

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل ".

 

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المراد بقوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:105]. أنهم أصحاب البدع والضلالات.

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لكل صاحب ذنب توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة ".

 

أيها المسلمون: وإنما جاء هذا الوعيد الشديد لأهل البدع؛ لأن البدع تفسد القلوب، وتفتح للشيطان الباب، فيزين للمبتدع سوء عمله، ويغريه ببدعته، حتى يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فيعرض عن الحق حين يدعى إليه، ويشتغل بشر ما هو فيه، ويسعى في تغيير الدين، وإضلال المسلمين، وتشتيت الكلمة، وتفريق الأمة، حتى يفرق الناس دينهم شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون.

أيها المسلمون: إن البدع في الدين أصل كل بلاء وفتنة، فإنها حدث في الدين وتغيير للملة، ومن شؤمها أنها لا تزيد أصحابها من الله إلا بعداً، وحظهم من اجتهادهم وتعبهم في بدعهم أن تصدهم عن الحق صدًّا، وصدق الله العظيم إذ يقول: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف:103-105].

فاحذروا البدع -عباد الله- وأهلها، فإنهم أعداء السنة النبوية، ودعاة الجاهلية، وهم عباد الهوى، الصادون عن الهدى، فما أشأمهم على أنفسهم! وما أشقى المجتمعات بهم! إنهم دعاة على أبواب جهنم، من أطاعهم قذفوه فيها، فاحذروهم وحذّروا منهم، وعادوهم وتقربوا إلى الله بعداوتهم ومقتهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء:115].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا جميعاً بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

 

المرفقات

823

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات