مصحف يحترق

الشيخ هلال الهاجري

2023-01-20 - 1444/06/27 2023-01-25 - 1444/07/03
عناصر الخطبة
1/حرق المصحف الشريف من الأدلة التي تبرهن عن حقد الكفار وعدواتهم للمسلمين 2/ضعف المسلمين وهوانهم من الأسباب التي جرأت الصليبيين إلى ارتكاب مثل هذه الحماقات (حرق المصحف) 3/مشاعر المسلمين تجاه مقدساتهم ومنها القرآن الكريم 4/دعوة لكل المسلمين كل في موقعه ومن ثغرته إلى التعبير عن غضبه تجاه ما يقوم به أعداء الملة.

اقتباس

مُصحفٌ يَحتَرِقُ .. فَيَهتزُّ مِنبرُ خَطيبٌ، ويَسيلُ قَلمُ أديبٍ، وتَفيضُ قَريحةُ شاعرٍ، ويُقَاطعُ الاقتصادَ تاجرٌ، وتَثورُ لِنُصرَتِهِ شُعوبٌ، وتَتَقطَّعُ في حُبِّهِ قُلوبٌ، ويُصرِّحُ أَصحابُ القَرارِ، وتَصدرُ بَيَاناتُ الاستنكارِ؛ فيَا أيُّها العُقلاءُ أوقِفوا هذا الاعتداءَ، ولا بُدَّ من وَضعِ الخُطوطِ الحَمراءِ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ الذي أَنزلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ ولم يَجعلْ لهُ عِوجَاً، قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأساً شَديداً مِن لَدُنهُ، ويُبَشِّرَ المؤمنينَ الذينَ يَعملونَ الصَّالحاتِ أنَّ لهم أَجراً حَسناً، مَاكثينَ فِيهِ أَبداً، ويُنذرَ الذينَ قَالوا اتَّخَذَ اللهُ ولداً، مَا لهم بِهِ مِن عِلمٍ ولا لآبائهم كَبُرَت كَلمةً تَخرجُ من أَفواهِهِم إن يَقولونَ إلا كَذِباً، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ لَهُ، لم يَتخذْ وَلداً، ولم يَكنْ لَهُ شَريكٌ في الملكِ، ولم يَكنْ لَهُ وَليٌّ من الذُّل وكَبرهُ تَكبيراً، وأَشهدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحمداً عَبدُ اللهِ ورسولُهُ، وصَفيهُ من خَلقِهِ وخَليلُه، بَعثهُ ربُّهُ مُبَشّرِاً ونَذيراً، وهَادياً إلى اللهِ بإذنِه وسِراجاً مُنيراً، فَبَشَّرَ المؤمنينَ بأنَّ لهم من اللهِ فَضلاً كبيراً، وأَنذرَ الكَافرينَ من النَّارِ سَاءتْ مُستقراً ومَصيراً، فَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسولِ اللهِ، عَددَ حَبَّاتِ المَطرِ، وعَددَ أَوراقِ الشَّجرِ، وكُلمَا ذكَرَهُ الذَّاكرونَ، وَغَفلَ عَن ذِكرِهِ الغَافلونَ، أَمَّا بَعدُ:

 

عِبادَ اللهِ: أُوصيكم ونَفسي بتقوى اللهِ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، مُصحَفٌ يَحتَرِقُ .. غِلافٌ وأوراقٌ وَنارٌ ودُخانٌ، ويَبقى القُرآنُ في صُدورِ أَهلِ العِلمِ والإيمانِ؛ فَهُم يَعلَمونَ أنَّ وُجودَ القرآنِ عِندَ المَسلمينَ، هو سَببُ النَّصرِ والعِزِّ والتَّمكينِ؛ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)؛ فَيَأتي الجَوابُ مِنَ اللهِ القَويِّ العَزيزِ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

أحرَقتَ قَلبَكَ أيُّها المُتطرِّفُ  *** ‏وبَدا لَنَا مِنكَ الفُؤادُ الأَجوَفُ 

‏قُرآنُنا في قَلبِ كِلِّ مُوحِّدٍ  *** ‏بَاقٍ فَنَحنُ بِحفظِهِ نتشرَّفُ 

‏هَذا كَلامُ اللهِ كُلُّ قُلوبِنا  *** ‏تَحيَا بِهِ مَهمَا تَطاولَ مُرجِفُ

 

مُصحَفٌ يَحتَرقُ .. فَتُبصِرُ العَينُ بِضياءِ نَارِه حَقيقَةَ الغَربِ الكَافِرِ، ويَظهَرُ بِدُخانِهِ سَوادُ حِقدِ القَلبِ الفَاجرِ، ويَنهَدِمُ ما كَانَ يَقولُهُ البَعضُ مِن عَدلِ وتَسامحِ واحترامِ الآخَرِ، ويُريدُ اللهُ -تَعالى- أن يُذَكِّرَنا بِما قَالَهُ عن الوَجهِ الآخَرِ؛ (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).

 

مُصحَفٌ يَحتَرِقُ .. لِيُوقظَ في قُلوبِ المُسلمينَ الإحساسَ الرَّاقدَ؛ فَقَد كَانوا ولا يَزالونَ البُنيانَ والجَسدَ الواحدَ، مَهمَا حَاولَ الأعدَاءُ في التَّحريشِ بَينَهم والتَّفريقِ، ومَهما كَادوا لِيَصلِوا إلى مُرادِهم بِكلِّ طَريقٍ؛ فَالمُسلِمونَ روحٌ واحدةٌ، ومَشاعرُ واحدةٌ، يَفرحونَ جَميعاً، ويَحزَنونَ جَميعاً، كَما أَمَرَهم رَبُّهم -سُبحَانَهُ وتَعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). 

 

مُصحَفٌ يَحتَرِقُ .. لِيَقولَ لَنا: لا عَجبَ أن يَحرُقَني الأعداءُ، ولَكنَّ العَجبَ أن يَهجُرَني الأصدقاءُ؛ فَكيفَ أَثرُ أَحكامي وقَصَصي وعِظاتي؟، وكَمْ هو نَصيبُكم في اليَومِ مِن قِراءةِ آياتِي؟، واسمَعوا ماذا قَالَ اللهُ -تَعالى- لأهلِ الأعذار: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)؛ فإذا كَانَ أهلُ الأعذارِ لَم يُعذَروا بِتَركِ قِراءةِ ما تَيَسرَ مِنهُ؛ فما هو نَصيبُ أهلِ الصِّحةِ والفَراغِ مِنهُ؟؛ فأَعظمُ نَصرٍ أن تُقبِلَ اليَومَ على كِتابِ اللهِ إقبالاً مَأجوراً، لتَنجوَ مِن: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).

بَهَرَ الوُجودَ بَلاغةً وجَمَالا *** وانسَابَ عَذبَاً صَافياً سِلسَالا

هَذا كِتابُ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ *** قَد فَاضَ نُوراً بَاهياً وَجَلالا

سُبحانَ مَنْ هَذا البَيانُ كِتَابُهُ *** مَلَكَ القُلوبَ وَمَزَّقَ الأَسدالا

 

بَاركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرَآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِن الآيَاتِ والذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ فَاستَغْفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمدُ لِلهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ على عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ ألَّا إِلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الأَسمَاءُ الحُسنى والصِّفَاتُ العُلا، وَأَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنَا مُحمَّدًا عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المُصْطَفى، صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَليهِ وعلَى آلِهِ وأصْحَابِهِ وَمَنْ بِهُدَاهُمُ اهتَدى، أَمَّا بَعْدُ:

 

مُصحفٌ يَحتَرِقُ .. فَيَهتزُّ مِنبرُ خَطيبٌ، ويَسيلُ قَلمُ أديبٍ، وتَفيضُ قَريحةُ شاعرٍ، ويُقَاطعُ الاقتصادَ تاجرٌ، وتَثورُ لِنُصرَتِهِ شُعوبٌ، وتَتَقطَّعُ في حُبِّهِ قُلوبٌ، ويُصرِّحُ أَصحابُ القَرارِ، وتَصدرُ بَيَاناتُ الاستنكارِ؛ فيَا أيُّها العُقلاءُ أوقِفوا هذا الاعتداءَ، ولا بُدَّ من وَضعِ الخُطوطِ الحَمراءِ والقوانينَ؛ فَحريَّةُ التَعبيرِ لا تَكونُ بالإساءةِ إلى الدِّينِ، ولا تَكونُ باستِفزازِ مَشاعرِ المُسلِمينَ، فَخُذوا بأيدي السُّفهاءِ والمُعتَدينَ، وإيَّاكُم وكِتابَ ربِّ العالمينَ.

قُرآنُنا النَّورُ والأَعداءُ ظَلمَاءُ *** وكم تُبدِّدُ ليلَ الوهمِ أضواءُ

قُرآنُنا سُوَرٌ بِالحَقِّ نَاطِقَةٌ *** بَيانُها مُشرقٌ كَالشَّمسِ وَضَّاءُ

وَحيٌ من اللهِ مَحفوظٌ وإِنْ حَرَقوا *** أَوراقَه، فَلهُ في الرُّوحِ سِيمَاءُ

قُلوبُنا أَيُّها الغَاوي مَصاحفُنا *** فَبؤْ بخَيْبتِكَ الكُبرى كَمَنْ بَاءوا

 

وأَنتُم -أيُّها الشُّعوبُ المُسلِمةُ-، هَذهِ أَقدَارُكم المُؤلمةُ، مُصحَفٌ يَحتَرِقُ، وأُمَّةٌ تَفتَرقُ، ومَسجدٌ يُهدَمُ، ومُسلِمٌ يُعدَمُ، ونِقابٌ يُنزَعُ، وقُلوبٌ تُفزَعُ، ودِينٌ بِهِ يُمكَرُ، ونَبيٌّ مِنهُ يُسخرُ، وإلهٌ بِهِ يُكفَرُ، وليسَ لَنا إلا الصَّبرَ والتَّقوى، كَمَا أَمرَنا رَبُّنا جَلَّ وعلا: (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، وهذا واللهِ خَيرُ زادٍ، فِي الدُّنيا ويَومِ المَعادِ.

 

اللهمَّ أَعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهمَّ انصر مَن نَصرَ دِينَكَ وكِتابَكَ وسُنَّةَ نَبيِّكَ مُحمدٍ صَلى اللهُ عَليهِ وَسَلمَ، اللهمَّ انصر إخوانَنا المستضعفينَ في كُلِّ مَكانٍ، اللهمَّ كُنْ لهم نَاصرًا ومُعِيناً وحَافظًا ومُؤيِّداً، اللهمَّ وَعليكَ بأَعداءِ الدِّينِ فإنَّهم لا يُعجزونَكَ، اللهمَّ إنَّا نَجعلُكَ في نُحورِهم، ونَعوذُ بِكَ اللهمَّ مِنْ شُرورِهم، اللهمَّ آمِنَّا في أَوطانِنا، ووفِّقْ وَليَ أَمرِنا لهُداكَ واجعلْ عَملَهُ في رِضاكَ، اللهمَّ ووَفقْ جميعَ ولاةِ أَمرِ المسلمينَ للعَملِ بكتابِكَ وتَحكيمِ شَرعِكَ واتباعِ سُنةِ نَبيِّكَ، اللهمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزكِّها أَنتَ خَيرُ من زَكاها، أَنتَ وليُّها ومَولاها، اللهمَّ اغفر لنا ولوالدِينا وللمسلمينَ والمسلماتِ الأحياءِ منهم والأَمواتِ إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ.

 

المرفقات

مصحف يحترق.pdf

مصحف يحترق.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
20-07-2023

 

                        

الخطبة الأولى:

 

 

 

الحمدُ للهِ الذي أَنزلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ ولم يَجعلْ لهُ عِوجَاً، قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأساً شَديداً مِن لَدُنهُ، ويُبَشِّرَ المؤمنينَ الذينَ يَعملونَ الصَّالحاتِ أنَّ لهم أَجراً حَسناً، مَاكثينَ فِيهِ أَبداً، ويُنذرَ الذينَ قَالوا اتَّخَذَ اللهُ ولداً، مَا لهم بِهِ مِن عِلمٍ ولا لآبائهم كَبُرَت كَلمةً تَخرجُ من أَفواهِهِم إن يَقولونَ إلا كَذِباً، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ لَهُ، لم يَتخذْ وَلداً، ولم يَكنْ لَهُ شَريكٌ في الملكِ، ولم يَكنْ لَهُ وَليٌّ من الذُّل وكَبرهُ تَكبيراً، وأَشهدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحمداً عَبدُ اللهِ ورسولُهُ، وصَفيهُ من خَلقِهِ وخَليلُه، بَعثهُ ربُّهُ مُبَشّرِاً ونَذيراً، وهَادياً إلى اللهِ بإذنِه وسِراجاً مُنيراً، فَبَشَّرَ المؤمنينَ بأنَّ لهم من اللهِ فَضلاً كبيراً، وأَنذرَ الكَافرينَ من النَّارِ سَاءتْ مُستقراً ومَصيراً، فَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسولِ اللهِ، عَددَ حَبَّاتِ المَطرِ، وعَددَ أَوراقِ الشَّجرِ، وكُلمَا ذكَرَهُ الذَّاكرونَ، وَغَفلَ عَن ذِكرِهِ الغَافلونَ، أَمَّا بَعدُ:

 

 

 

عِبادَ اللهِ: أُوصيكم ونَفسي بتقوى اللهِ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، مُصحَفٌ يَحتَرِقُ .. غِلافٌ وأوراقٌ وَنارٌ ودُخانٌ، ويَبقى القُرآنُ في صُدورِ أَهلِ العِلمِ والإيمانِ؛ فَهُم يَعلَمونَ أنَّ وُجودَ القرآنِ عِندَ المَسلمينَ، هو سَببُ النَّصرِ والعِزِّ والتَّمكينِ؛ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)؛ فَيَأتي الجَوابُ مِنَ اللهِ القَويِّ العَزيزِ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

 

أحرَقتَ قَلبَكَ أيُّها المُتطرِّفُ *** ‏وبَدا لَنَا مِنكَ الفُؤادُ الأَجوَفُ

 

‏قُرآنُنا في قَلبِ كِلِّ مُوحِّدٍ *** ‏بَاقٍ فَنَحنُ بِحفظِهِ نتشرَّفُ

 

‏هَذا كَلامُ اللهِ كُلُّ قُلوبِنا *** ‏تَحيَا بِهِ مَهمَا تَطاولَ مُرجِفُ

 

 

 

مُصحَفٌ يَحتَرقُ .. فَتُبصِرُ العَينُ بِضياءِ نَارِه حَقيقَةَ الغَربِ الكَافِرِ، ويَظهَرُ بِدُخانِهِ سَوادُ حِقدِ القَلبِ الفَاجرِ، ويَنهَدِمُ ما كَانَ يَقولُهُ البَعضُ مِن عَدلِ وتَسامحِ واحترامِ الآخَرِ، ويُريدُ اللهُ -تَعالى- أن يُذَكِّرَنا بِما قَالَهُ عن الوَجهِ الآخَرِ؛ (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).

 

 

 

مُصحَفٌ يَحتَرِقُ .. لِيُوقظَ في قُلوبِ المُسلمينَ الإحساسَ الرَّاقدَ؛ فَقَد كَانوا ولا يَزالونَ البُنيانَ والجَسدَ الواحدَ، مَهمَا حَاولَ الأعدَاءُ في التَّحريشِ بَينَهم والتَّفريقِ، ومَهما كَادوا لِيَصلِوا إلى مُرادِهم بِكلِّ طَريقٍ؛ فَالمُسلِمونَ روحٌ واحدةٌ، ومَشاعرُ واحدةٌ، يَفرحونَ جَميعاً، ويَحزَنونَ جَميعاً، كَما أَمَرَهم رَبُّهم -سُبحَانَهُ وتَعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

 

 

 

مُصحَفٌ يَحتَرِقُ .. لِيَقولَ لَنا: لا عَجبَ أن يَحرُقَني الأعداءُ، ولَكنَّ العَجبَ أن يَهجُرَني الأصدقاءُ؛ فَكيفَ أَثرُ أَحكامي وقَصَصي وعِظاتي؟، وكَمْ هو نَصيبُكم في اليَومِ مِن قِراءةِ آياتِي؟، واسمَعوا ماذا قَالَ اللهُ -تَعالى- لأهلِ الأعذار: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)؛ فإذا كَانَ أهلُ الأعذارِ لَم يُعذَروا بِتَركِ قِراءةِ ما تَيَسرَ مِنهُ؛ فما هو نَصيبُ أهلِ الصِّحةِ والفَراغِ مِنهُ؟؛ فأَعظمُ نَصرٍ أن تُقبِلَ اليَومَ على كِتابِ اللهِ إقبالاً مَأجوراً، لتَنجوَ مِن: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).

 

بَهَرَ الوُجودَ بَلاغةً وجَمَالا *** وانسَابَ عَذبَاً صَافياً سِلسَالا

 

هَذا كِتابُ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ *** قَد فَاضَ نُوراً بَاهياً وَجَلالا

 

سُبحانَ مَنْ هَذا البَيانُ كِتَابُهُ *** مَلَكَ القُلوبَ وَمَزَّقَ الأَسدالا

 

 

 

بَاركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرَآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِن الآيَاتِ والذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ فَاستَغْفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

 

الحَمدُ لِلهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ على عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ ألَّا إِلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الأَسمَاءُ الحُسنى والصِّفَاتُ العُلا، وَأَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنَا مُحمَّدًا عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المُصْطَفى، صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَليهِ وعلَى آلِهِ وأصْحَابِهِ وَمَنْ بِهُدَاهُمُ اهتَدى، أَمَّا بَعْدُ:

 

 

 

مُصحفٌ يَحتَرِقُ .. فَيَهتزُّ مِنبرُ خَطيبٌ، ويَسيلُ قَلمُ أديبٍ، وتَفيضُ قَريحةُ شاعرٍ، ويُقَاطعُ الاقتصادَ تاجرٌ، وتَثورُ لِنُصرَتِهِ شُعوبٌ، وتَتَقطَّعُ في حُبِّهِ قُلوبٌ، ويُصرِّحُ أَصحابُ القَرارِ، وتَصدرُ بَيَاناتُ الاستنكارِ؛ فيَا أيُّها العُقلاءُ أوقِفوا هذا الاعتداءَ، ولا بُدَّ من وَضعِ الخُطوطِ الحَمراءِ والقوانينَ؛ فَحريَّةُ التَعبيرِ لا تَكونُ بالإساءةِ إلى الدِّينِ، ولا تَكونُ باستِفزازِ مَشاعرِ المُسلِمينَ، فَخُذوا بأيدي السُّفهاءِ والمُعتَدينَ، وإيَّاكُم وكِتابَ ربِّ العالمينَ.

 

قُرآنُنا النَّورُ والأَعداءُ ظَلمَاءُ *** وكم تُبدِّدُ ليلَ الوهمِ أضواءُ

 

قُرآنُنا سُوَرٌ بِالحَقِّ نَاطِقَةٌ *** بَيانُها مُشرقٌ كَالشَّمسِ وَضَّاءُ

 

وَحيٌ من اللهِ مَحفوظٌ وإِنْ حَرَقوا *** أَوراقَه، فَلهُ في الرُّوحِ سِيمَاءُ

 

قُلوبُنا أَيُّها الغَاوي مَصاحفُنا *** فَبؤْ بخَيْبتِكَ الكُبرى كَمَنْ بَاءوا

 

 

 

وأَنتُم -أيُّها الشُّعوبُ المُسلِمةُ-، هَذهِ أَقدَارُكم المُؤلمةُ، مُصحَفٌ يَحتَرِقُ، وأُمَّةٌ تَفتَرقُ، ومَسجدٌ يُهدَمُ، ومُسلِمٌ يُعدَمُ، ونِقابٌ يُنزَعُ، وقُلوبٌ تُفزَعُ، ودِينٌ بِهِ يُمكَرُ، ونَبيٌّ مِنهُ يُسخرُ، وإلهٌ بِهِ يُكفَرُ، وليسَ لَنا إلا الصَّبرَ والتَّقوى، كَمَا أَمرَنا رَبُّنا جَلَّ وعلا: (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، وهذا واللهِ خَيرُ زادٍ، فِي الدُّنيا ويَومِ المَعادِ.

 

 

 

اللهمَّ أَعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهمَّ انصر مَن نَصرَ دِينَكَ وكِتابَكَ وسُنَّةَ نَبيِّكَ مُحمدٍ صَلى اللهُ عَليهِ وَسَلمَ، اللهمَّ انصر إخوانَنا المستضعفينَ في كُلِّ مَكانٍ، اللهمَّ كُنْ لهم نَاصرًا ومُعِيناً وحَافظًا ومُؤيِّداً، اللهمَّ وَعليكَ بأَعداءِ الدِّينِ فإنَّهم لا يُعجزونَكَ، اللهمَّ إنَّا نَجعلُكَ في نُحورِهم، ونَعوذُ بِكَ اللهمَّ مِنْ شُرورِهم، اللهمَّ آمِنَّا في أَوطانِنا، ووفِّقْ وَليَ أَمرِنا لهُداكَ واجعلْ عَملَهُ في رِضاكَ، اللهمَّ ووَفقْ جميعَ ولاةِ أَمرِ المسلمينَ للعَملِ بكتابِكَ وتَحكيمِ شَرعِكَ واتباعِ سُنةِ نَبيِّكَ، اللهمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزكِّها أَنتَ خَيرُ من زَكاها، أَنتَ وليُّها ومَولاها، اللهمَّ اغفر لنا ولوالدِينا وللمسلمينَ والمسلماتِ الأحياءِ منهم والأَمواتِ إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ.