مشاهد الاحتضار

ناصر بن محمد الأحمد

2013-03-11 - 1434/04/29
عناصر الخطبة
1/ أن الموت نهاية حتمية لكل البشر 2/ اختلاف أحوال ومواقف الناس حال الاحتضار 3/ نماذج من مشاهد احتضار بعض السابقين
اهداف الخطبة

اقتباس

الموت أيها الأحبة مصير كل حي، الموت نهاية كل إنسان في هذه الدنيا، الموت الذي لا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين شريف ووضيع فـ(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) .. الموت باب مفتوح أمام كل منا سيلجه، ومركب حتماً سيركبه، ومشهد عظيم سيشهده، لا مفر له منه، ولا محيد له عنه، إيمان يقيني قائم بذلك في النفوس، وواقع مشهود...

 

 

 

 

إن الحمد لله..

أما بعد: قال الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [سورة الرحمن(26-27)] ويقول سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [سورة العنكبوت(57)].

الموت أيها الأحبة مصير كل حي، الموت نهاية كل إنسان في هذه الدنيا، الموت الذي لا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين شريف ووضيع (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [سورة آل عمران: (185)] الموت الذي يفر منه الجميع وهو يطلبهم (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [سورة الجمعة: (8)].

أيها المسلمون: الموت باب مفتوح أمام كل منا سيلجه، ومركب حتماً سيركبه، ومشهد عظيم سيشهده، لا مفر له منه، ولا محيد له عنه، إيمان يقيني قائم بذلك في النفوس، وواقع مشهود محسوس ملموس.

أمامنا أيها المؤمنون مشهد الاحتضار الذي ينتظر كلاً منا بلا موعد ولا خيار (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) [سورة لقمان: (34)] مشهد الاحتضار عباد الله وُصف في كتاب الله بقوله: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [سورة القيامة: (26 -36)].

الموت الذي لم ينج منه نبي مرسل ولا عبد صالح، وقال سبحانه لخير خلقه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [سورة الزمر: (30)].

هو الموت ما منه ملاذٌ ومهربُ *** متى حُط ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نشاهد ذا عين اليقين حقيقة عليه *** مضى طفلٌ وكهلٌ وأشيبُ

عباد الله: إن الموت لا خلاف فيه ولا ينكره أحد منا، وليست هذه قضيتنا؛ لكن قضيتنا ما هي مواقف الناس عندما يحل بهم الموت، هل يستوون؟ الجواب: أنهم لا يستوون، إن بين الناس في مشاهد الاحتضار مشاهد شتى ومواقف مختلفة، فمنهم من يقول: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) [سورة المؤمنون: (100)] فيقال له: كلا، ومنهم من يقول: (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) [سورة المنافقون: (10)] فيجابُ بـ(وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا) [سورة المنافقون: (11)].

ومنهم من يرد عليه ويذكّر بالعمر المديد والزمن الطويل الذي عاشه؛ ولكنه لم ينتفع به، ولم يزده طول العمر إلا بعداً عن الله فيقال له: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ) [سورة فاطر: (37)].

ومنهم من يقول: (يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة الزمر: (56-58)] فيجاب هذا الإنسان على هذه الطلبات المتعددة والمتنوعة بقوله تعالى: (بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [سورة الزمر: (59-61)] نعم أيها الأحبة تتباين مواقف الناس، وتختلف مواقف الناس في مشاهد الاحتضار (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ) [سورة السجدة: (18)].

وإليكم أيها الأحبة نماذج من مشاهد احتضار من سبقونا، ونقل إلينا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن جاء بعدهم من سلف هذه الأمة، ممن هم أكمل الناس إيماناً، وأكثرهم عملاً وجهاداً، ننظر في مشاهد أولئك القوم، وكيف كان الواحد منهم يخرج من هذه الدنيا ويدخل عالم الآخرة؟ وبأي نفسية وشعور كان احتضارهم؟ ثم نقارن بين حالهم وحالنا، والله المستعان.

عن أبي ظبية قال: مرض عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فعاده عثمان، وقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه.

من الذي يقول هذا؟ يقوله ابن مسعود حبر الأمة، الذي قال فيه عمر: "كُنيفٌ ملئ علماً" أي وعاءً مملوءاً علماً، ابن مسعود الذي كان يدعو في صلاته ويقول: يا رب خائف مستجير، تائب مستغفر، راغب راهب، ابن مسعود الذي إذا سمع قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصيبه رعدة ووجل وخوف، كان إذا نام، الناس وهدأت العيون، وغطى ثوب الليل المدينة، قام يصلي ويُسمع له دويٌ كدويّ النحل، هذا هو ابن مسعود، في لحظة مرضه وفراقه للدنيا يشتكي ذنوبه، كم هو الفرق بين ذنوب عبد الله بن مسعود وذنوب من بعده؟ ومع ذلك لا نتعظ ولا نخشى من ذنوبنا، ويمشي الواحد منا على الأرض وكأنه من أهل الجنة.

وعن ثابت البناني قال: لما مرض سلمان الفارسي -رضي الله عنه-، خرج سعد من الكوفة يعوده، فقدم فوافقه وهو في الموت يبكي، فسلم وجلس، وقال: ما يبكيك يا أخي؟ ألا تذكر صحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة؟ قال: والله ما يبكيني واحدة من اثنتين، ما أبكي حباً في الدنيا، ولا كراهية للقاء الله، قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إلي عهداً فقال: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب» وإنّا قد خشينا أنا قد تعدينا.

فتأمل: سلمان يقول: إنّا قد خشينا أنا قد تعدينا.
يا عجباً لك يا سلمان، وما عساك أن تكون قد تعديت يا سلمان؟ في مقابل من تعدى ممن جاء بعدك، سلمان الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «سلمان منّا آل البيت» يقول عن نفسه أنه تعدى، فماذا يقول من تعدى حقيقة على أموال الناس بنهبها، وأعراض الناس بانتهاكها، وحريات الناس بكتمها، ومعتقدات الناس بإفسادها، وتصورات الناس بتشويهها، الصادقون أمثال سلمان يراقبون تصرفاتهم على مقتضى النصوص الشرعية، ويتألمون هل تعدوا؟ هل قصروا؟ هل بدّلوا وغيّروا؟

ثم ماذا قال سلمان بعد هذا؟ نادى زوجته فقال لها: افتحي هذه الأبواب فان لي اليوم زوّاراً لا أدري من أيّ هذه الأبواب يدخلون عليّ؟ ثم دعا بمسك وقال: ضعيه في تور، ثم انضحيه حول فراشي، تقول: فاطّلعت عليه، فإذا هو قد أُخذ روحه، فكأنه نائم على فراشه -رضي الله تعالى عنه ورحمه-.

وكان سلمان يقول: ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني، وثلاث أحزنتني حتى أبكتني: أما الذي أعجبني حتى أضحكني، فمؤمل دنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملئ فيه ولا يدري أساخط عليه رب العالمين أم راضٍ عنه؟ وأما الذي أحزنني حتى أبكاني، ففراق محمد -صلى الله عليه وسلم- والأحبة، والوقوف بين يدي الله تعالى، ولا أدري أيُذهب بي إلى جنة أم إلى النار؟.

وعن ابن أبي مليكة أن ذكوان أبا عمرو حدثه قال: جاء ابن عباس -رضي الله عنهما- يستأذن عائشة -رضي الله عنها- وهي في الموت، قال: فجئت وعند رأسها عبد الله ابن أخيها عبد الرحمن، فقلت: هذا ابن عباس يستأذن، قالت: دعني من ابن عباس لا حاجة لي به، ولا بتزكيته، فقال عبد الله: يا أُمّه، إن ابن عباس من صالحي بنيكِ، يودعُكِ ويسلم عليك، قالت: فأذن له إن شئت، قال: فجاء ابن عباس فلما قعد قال: أبشري، فو الله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصبٍ، وتلقي محمداً -صلى الله عليه وسلم- والأحبة، إلاّ أن تفارق روحَكِ جسدكِ، قالت: إيهٍ يا ابن عباس، قال: كُنتِ أَحب نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليه، ولم يكن يحب إلا طيباً، سقطت قلادتك ليلة الأبواء، وأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلتقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله: (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا) [سورة النساء: (43)] فكان ذلك من سببك، وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة، ثم أنزل تعالى براءتك من فوق سبع سماوات، فأصبح ليس مسجد من المساجد يذكر فيها الله، إلا براءتك تتلى في آناء الليل والنهار، قالت: دعني عنك يا ابن عباس، فو الله لوددت أني كنت نسياً منسياً.

هذه أم المؤمنين عائشة بنت صديق هذه الأمة تقول: دعني عنك يا ابن عباس، فو الله لوددت أني كنت نسياً منسياً.

دعني عنك يا ابن عباس لا تعدد فضائلي، ولا تعدد مناقبي، اليوم أقدم على ربي، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، يرى أن ما قدمه وبذله - إن كان قد بذل شيئاً- يرى أنه لا شيء، ولهذا كانت تقول عائشة: دعني عنك يا ابن عباس، فلوددت أني كنت نسياً منسياً، ليتني لم أخلق، وليتني لم أوجد، أين عائشة بفضائلها الذي ملأ ما بين السماء والأرض، وبين من إذا أحسن مرة في عمره تمنى على الله الأماني؟ ورأى أنه أتى بشيء لم يأت به الأوائل، فهل من وقفة محاسبة أيها الأحبة قبل أن نوقف ونحاسب؟ وهل من استدراك لما بقي على ما مضى؟

وهذا بلال -رضي الله عنه-، مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عندما حضرته الوفاة صار يقول وهو يحتضر: غداً نلقى الأحبة، محمداً وحزبه، هذا هو الذي غلب عليه وهو يحتضر، وهذا الذي كان يسيطر على مشاعره بعد أن فارق حبيبه -صلى الله عليه وسلم- فاشتاق إلى لقائه، لقد اشتاق المؤذن إلى الإمام، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، فصرخت امرأته وكانت بالقرب منه: وا ويلاه، تقول ذلك لمصيبتها في فراق زوجها، وهو يقول: وا فرحاه، وا فرحاه، إنه فرح حقيقي بقدوم الموت، إنه اشتياق حقيقي للقاء الأحبة، ولقاء الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، ونفسه تغرغر، وهو يقول: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، لقد مات بلال سنة (20 ) للهجرة، أي بعد إمامه بتسع سنوات، تسع سنوات على فراق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وحرارة الشوق لم تبرد، بقي طوال هذه المدة وحياته اليومية على السنة التي تعلمها من النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يغيّر قيد أنملة، ولهذا كان ذلك الاشتياق، أين العبد الذي يعمر ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حياته اليومية ويتمثل بالسنة لا يغيّر ولا يتغير؟ إن هذا العبد سيقول بلا ريب مثل ما قال بلال: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.

وهذا عمرو بن العاص -رضي الله عنه- جزع جزعاً شديداً عند الموت، فقال له ابنه عبد الله: ما هذا الجزع، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدنيك ويستعملك، قال: أي بني، قد كان ذلك، وسأخبرك: أي والله ما أدري أحباً كان أم تألفاً؟ ولكن أَشهد على رجلين أنه فارق الدنيا وهو يحبهما، ابن سمية، وابن أم عبد. فلما جدّ به وضع يده موضع الأغلال من ذقنه وقال: اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، فكانت هذه كلماته -رضي الله عنه- وهو يشهد الاحتضار حتى خرجت روحه، وفارق الدنيا -رضي الله عنه وأرضاه-، اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك.

ونحن أيضاً ينبغي علينا أن نقول: اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك.

اللهم أمرتنا بالجماعة فتركنا، أمرتنا بالصدقة فتركنا، أمرتنا بالجهاد فتركنا، أمرتنا بالطاعات فقصرنا، أمرتنا بالحقوق فعطلنا، ونهيتنا فركبنا، نهيتنا عن أكل الحرام فأكلنا، ونهيتنا عن الربا فتعاطينا، ونهيتنا عن المعاصي ففعلنا، ونهيتنا عن الغش فتعاملنا، ونهيتنا ونهيتنا ونهيتنا فما سمعنا وما أطعنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، ولا يسعنا إلا عفوك ورحمتك، ولا يسعنا إلا سترك وعافيتك.

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم اجعلنا ممن يفرح بلقائك، وينعم بعطائك، وممن يصحب في الدارين أولياءك يا رب العالمين.

أقول هذا القول…
 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه…

أما بعد: ومن عجب أخبار القوم ما روي عن النـزّال بن سبرة قال: قلت لأبي مسعود الأنصاري ماذا قال حذيفة بن اليمان عند موته؟ قال: لما كان عند السحر قال: أعوذ بالله من صباح إلى النار ثلاثاً، ثم قال: اشتروا لي ثوبين أبيضين فإنهما لن يتركا عليّ إلا قليلاً حتى أُبدل بهما خيراً منهما، أو أُسلبهما سلباً قبيحاً.

ومثله أبو هريرة، بكى في مرضه فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنياكم هذه؛ ولكن على بُعد سفري، وقلة زادي، وإني أمسيت في صعود ومهبطه على جنة أو نار، فلا أدري أيهما يُؤخذ بي؟

ولما احتضر معاوية بن أبي سفيان قيل له: ألا توصي؟ فقال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرجُ غيرك، فما وراءك مذهب، ثم قال:

هو الموت لا منجى من الموت والذي *** نحاذر بعد الموت أدهى وأفظعُ

ولما احتضر الأسود بن يزيد، بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع، والله لو أُتيت بالمغفرة من الله لأهمّتني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحياً منه.

ولما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى، فقيل له: فقال: أسفاً على الصلاة والصيام ولم يزل يتلو حتى فاضت روحه.

أسفاً على الصلاة والصيام، هذه الصلاة التي طالما ضيعناها وفرطنا فيها وقصرنا، أولئك القوم كانوا يتأسفون عند موتهم فقدها، والله المستعان وإلى الله المشتكى وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وروى المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، ثم أنشأ يقول:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجاء مني بعفوك سلماً
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك *** ربي كان عفوك أعظماً
وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل *** تجود وتعفو منةً وتكرماً

أيها الأحبة: إن أخبار القوم لا تنتهي، وكل واحدة أعجب من أختها، وما ذاك إلا أنهم كانوا يستشعرون التقصير حقيقة، إنهم كانوا يبكون مفارقة الطاعات، وانقطاع الحسنات، وبقاء السيئات، ولولا خشية الإطالة لنقلت لكم عجباً، وأي عجب؟!

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى، ما هذه القصص عرضت لنقل الغرائب والعجائب من حياة أولئك، لكنها نقلت للعبرة والعظة، فاختاروا لأنفسكم أيها الأحبة طريقاً بيناً، وصراطاً مستقيماً، تحيون عليه في دنياكم حتى تلاقوا ربكم، وهو راضٍ عنكم، وينالكم البشر والسرور عند الاحتضار كأخبار أولئك القوم، ويتحقق لكم قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) [سورة فصلت: (30-31)].

اللهم أحسن خاتمتنا، اللهم توفنا وأنت راض عنا، اللهم هون علينا سكرات الموت، اللهم اغفر لآبائنا ولأمهاتنا ولمن له حق علينا، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك...

 

 

 

 

المرفقات

مشاهد الاحتضار.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات