مشاريع في الإجازة

سامي بن خالد الحمود

2022-10-05 - 1444/03/09
عناصر الخطبة
1/أحوال بعض الناس في تضييع الإجازة 2/ أمران ينبني عليهما استغلال الإجازة 3/ مشاريع لاستثمار الإجازة 4/ الحاجة إلى الترفيه في الإجازة
اهداف الخطبة
التعريف ببعض المشاريع التي يمكن استثمار الإجازة فيها / التحفيز على استغلال الإجازة
عنوان فرعي أول
إحصائية في التشجيع على ارتياد المكتبات
عنوان فرعي ثاني
العصر عصر الرفق والصبر والحكمة
عنوان فرعي ثالث
حرية الأبناء في الاختيار بين المشاريع

اقتباس

بهذه المشاريع والبرامج نحفظ أبناءنا وبناتنا من نزغات الشياطين ودعوات المفسدين، ونذب عنهم واردات الهوى وأمراض الشهوات والشبهات، ونربطهم بدينهم وأمتهم، ونحببهم لأهلهم ووطنهم، وبها نكتشف مواهبهم، ونصقل قدراتهم، ونفتح لهم آفاقًا لخدمة أمتهم وبلادهم.
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)

 

 

 

 

نحن في إجازة.. وكم هي مؤسفة أحوال بعض الأسر في الإجازة.

ها هو الأب يأتي من عمله والأبناء نيام، قد سهروا حتى ارتفاع الضحى، يقلّبون القنوات من قناةٍ لأخرى، وبعضهم في محادثاتٍ تطول عبر الإنترنت، أو يبحث عن مواقع تجرّه إلى الفاحشة والرذيلة، وقُبَيل العشاء أو بعده يستيقظ الأبناء والبنات، وما هي إلا ساعة، والأبناء مع رفاقهم.. دوران وتسكّع.. والبنات مع السائق من سوقٍ إلى سوق، ومن شارعٍ إلى آخر، والمطاعم ملأى، والعذر الذي يُجمِع عليه الكل، وتعتذّر به الأم: إنهم في إجازة، ولم يتيسّر لهم السفر.. وبعد شهر تطير العائلة إلى بلاد أوربا أو أمريكا أو غيرها ليبدأ الفصل الثاني من مسلسَل الضياع هناك، ثم تعود العائلة الكريمة بنفوسٍ قد تلطّخت بشؤم المعصية، وازدادت بعداً عن خالقها وربها.

وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي قال: " نعمتان مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ ".

فحصول الفراغ وكمال الصحة للعبد نعمة عظيمة، قلّ في الناس من يدركها ويستشعر فضلها؛ ليستثمرها فيما يعود عليه بالنفع في الأولى والآخرة.

أيها الأحبة: ذكرنا في خطبة سابقة أن استغلال الإجازة ينبني على أمرين:

1) أن نستشعر قيمة الوقت، وأن له شأناً عند الله، وأن هذا الوقت هو رأس مالنا؛ فإن ضيعناه ضاعت حياتنا، وإن حفظناه كنا من السابقين المفلحين.

2) التخطيط والتنظيم والبعد عن الفوضى في استغلال الوقت.

بالتخطيط والتنظيم يمكن أن نحول الإجازة إلى فترة إيجابية في حياتنا نجني منها الأجر والفائدة وبناء النفس من جهة، ونجد فيها المتعة والترويح عن النفس من جهة أخرى.

ولعلي أطرح في هذه الخطبة بعض المشاريع التي يمكن أن نقوم بها في الإجازة، وهذه المشاريع متنوعة، يمكن أن يختار كل منا ما يناسبه من هذه المشاريع، بحَسَب عمره، أو مستواه العلمي، أو درجةِ تدينه، أو محلِ إقامته، ونحوِ ذلك من المتغيرات؛ فأول المشاريع:

1. المشاريع التعبدية: فنحن يمكن أن نجعل من الإجازة فرصة للتزود بالتقوى والعمل الصالح. مثل: أداء العمرة وقضاء بعض الأيام الإيمانية بجوار الحرمين الشريفين.. الاجتهاد في تلاوة القرآن الكريم، وقيام الليل، وغير ذلك من أنواع العبادة.

2. المشاريع العلمية: كحفظ القرآن الكريم، وحفظ السنة، وحفظ المتون، وحضور دروس المشايخ، وحضور المحاضرات والندوات، وحضور الدورات العلمية، ودورات تجهيز الجنائز، وإعداد البحوث، وسماع الأشرطة، وتلخيص الكتب والأشرطة، وغير ذلك من المشاريع العلمية.

هذا الأمر وهو طلب العلم الشرعي هو أولى ما شغلت به الإجازات، وهو أعظم ما تـُعبـِّدَ اللهُ به.. ووالله ما وقع بعض شباب الأمة في الفتن إلا بضياع العلم المؤصل، المؤسس على الكتاب والسنة.

3. المشاريع المعرفية المهاراتية: والتي تهدف إلى بناء النفس وتطوير الذات:

أبناؤنا وبناتنا بحاجة إلى اكتساب مهارات أساسية هي من أعظم أسباب النجاح في الحياة العملية، مثل: القراءة السريعة - الكتابة السريعة – البحث والتعامل مع المراجع - فهرسة المعلومات - النسخ على الآلة الكاتبة أو الحاسب - تصنيف المكتبات- ترتيب الأفكار وإعداد التقارير - العلاقات العامة – الخطابة والإلقاء - تشغيل الحاسب الآلي – استخدام برامج الحاسب الآلي، وغيرها.

هذه المعارف والمهارات مهمة جداً في بناء الشاب.

خذ على سبيل المثال: القراءة.. من المؤسف أننا لا نقرأ ولا نشجع إخواننا وأبناءنا على القراءة والاطلاع.

في استبيان أجرته إحدى الصحف المحلية اتضح أن 90% من المواطنين لا يرون أن هناك تشجيعا لارتياد المكتبات العامة، بل إن الغالبية منهم يجهل موقع المكتبة العامة في مدينته.

الكثير من أطفالنا لا يقرؤون.. عقولهم متبلدة، ورؤوسهم خاوية كالكرة.

نعم.. هناك بعض النشاطات القليلة المشكورة في بعض المؤسسات التعليمية أو الأهلية كمسابقات القراءة ومعارض الكتاب.

وقد زرت قبل أشهر معرض الكتاب للطفل بالرياض، ورأيت فيه من إقبال الأسر والأطفال على الكتب والوسائل التعليمية ما يفرح ولله الحمد، وهو جزء مما يجب علينا تجاه أبنائنا وبناتنا.

4. مشاريع دعوية: جولات دعوية للقرى خارج المدينة.. نشاطات دعوية في الأسواق والمتاجر والأرصفة وتجمعات الشباب.

هؤلاء الشباب الذين يجلسون على الأرصفة أو الطرق وقد يوجد معهم بعض المنكرات كالشيشة أو الموسيقى أو الآلات الموسيقية، من حقهم علينا أن نمر عليهم مرور الكرام دون تنفير أو إثقال، ونهدي لهم الكلمة الطيبة، والمطوية الجميلة، والشريط المؤثر.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: " هذا العصر عصر الرفق والصبر والحكمة، وليس عصر الشدّة.. الناس أكثرهم في جهل، في غفلة وإيثار للدنيا، فلا بدّ من الصبر، ولا بدّ من الرفق ؛حتى تصل الدعوة، وحتى يبلّغ الناس، وحتى يعلموا، نسأل الله للجميع الهداية ". ا.هـ مجموع فتاوى ابن باز 8/376، 10/91.

ولا شك أن شبابنا فيهم خير كثير بحمد الله.. وقد قام مجموعة من الأخوة قاموا بعمل استبيان حول من يجلسون في الطرقات وعلى الأرصفة واتضح أن 70% من الشباب يحبون الشباب المتدينين، وقال 10% منهم إنهم يحبون بعض الشباب المتدينين، وقال10% لا يحبون الشباب المتدينين لسبب أو لآخر.

وقد سئل كثير من الشباب هل تحب أن تكون متدينا؟ فكانت النسبة 5ر99% يرغبون أن يكونوا متدينين.

5. مشاريع النشاط الجماعي: كالمراكز الصيفية، والمخيمات الدعوية والتربوية، والمخيمات البحرية، والرحلات الطويلة أو القصيرة، مع العائلة أو مع الأقارب، مع المركز، مع الزملاء.

وهذه المشاريع تسهم في بناء شخصية المشارك، واكتسابِه مهارات التواصل مع الآخرين، والقدرة على التحمل، والتكيف مع الظروف المتغيرة.

6. مشاريع إغاثية: كالمشاركة في الجمعيات الخيرية، والقيام على الفقراء والمساكين، وجمع ما يحتاجونه وتوزيعه عليهم.

7. مشاريع تجارية ووظيفية: كالتجارة الصغيرة في سوق الخضار أو عند المساجد، وكالوظائف المؤقتة في الشركات والمتاجر أو في الجهات الخيرية والدعوية.

8. الزيارات: كزيارة المكتبات، والمعارض، وصالات الألعاب، وحدائق الحيوانات، والمشاريع الخيرية، والمشاريع الدعوية، والمستشفيات، ودور المعاقين، وغيرها.

9. المشاريع المهنية: كتعلم مهنة في المصانع، أو مراكز التدريب المهنية: كهرباء، الكترونيات، سباكة، تبريد، نجارة، وغيرها من المهن.

10. الألعاب الرياضية المفيدة: كالدفاع عن النفس، والسباحة والغوص، وتعلم الفروسية، وغيرها من الرياضات المفيدة للجسم.

والرياضة أمر مطلوب في حياة الشاب، بشرط أن لا تفوّت واجباً ولا تضيع حقاً ولا تشتمل على أمر محرم ولا تكون غاية تستنزف حياة الشاب.

وقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وحث على تعلم الرمي، وسابق بين الخيل في المدينة.

ومن لطائف ما روي عن الإمام البخاري ما نقله عنه محمد بن أبي حاتم، قال: " كان يركب إلى الرمي كثيراً؛ فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمُه الهدفَ إلا مرتين، وكان لا يُسبَق ".

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله مدبر الشهور والأعوام.. ومصرف الليالي والأيام.. والصلاة والسلام على سيد الأنام، وعلى آله الكرام وأصحابه الأئمة الأعلام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الأحبة: ومع هذه المشاريع التي يمكن أن نقوم بها في الإجازة، علينا أن لا ننسى حاجتنا وحاجة أبنائنا إلى الترفيه والترويح عن النفس.

الترفيه البريء فيه إجمام للنفوس وإعادة لنشاطها.. ويجدر التنبيه هنا بأن الترفيه لا بدّ أن يكون محاطًا بإطار الشرع، فلا يسمح فيه بتجاوزات شرعية، وإنما ترفيه يجدّد النشاط ويبعث حياة الهمّة في النفوس.

أخي رب الأسرة: لا تنس أن المحفّزاتِ والجوائزَ مطلب هام لنجاح البرامج والمشاريع الأسرية في الإجازة، فلا تغفل عن هذا الأمر.

واعلم أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع؛ فلا تكثر من البرامج والمشاريع على الأبناء والبنات بحيث يصيبهم الملل.

ومن المناسب أيضاً أن يجعل للأبناء أكثر من خيار، ثم يترك لهم مساحة للتفكير والاختيار.

أيها الأفاضل: بهذه المشاريع والبرامج نحفظ أبناءنا وبناتنا من نزغات الشياطين ودعوات المفسدين، ونذب عنهم واردات الهوى وأمراض الشهوات والشبهات، ونربطهم بدينهم وأمتهم، ونحببهم لأهلهم ووطنهم، وبها نكتشف مواهبهم، ونصقل قدراتهم، ونفتح لهم آفاقًا لخدمة أمتهم وبلادهم.

(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) [التوبة:105].

ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية فقد أمركم الله بذلك فقال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) [الأحزاب:56].

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم.

 

 

 

المرفقات

673

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات