مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم-

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-11-30 - 1437/02/18
التصنيفات: السيرة النبوية
عناصر الخطبة
1/ أسماء المدينة 2/ من فضائل المدينة 3/ تفاضل بركات أماكنها 4/ أحكام تتعلق بالمدينة 5/ خلاص المدينة وقت ملاحم آخر الزمان

اقتباس

وإنها طيبة، إنَّ مدينةَ الرَّسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- طَيْبة الطيِّبة، مهبطُ الوحي ومتنزَّلُ جبريلَ الأمين على الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وهي مأرزُ الإيمان، وملتقى المهاجرين والأنصار، وموطنُ الذين تبوؤوا الدارَ والإيمان.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

 

إن حُجّاج بيت الله الحرام، قد أنهوا مناسك حجهم، فوقفوا بعرفات، وباتوا بمزدلفة، ورموا الجمرات، وباتوا بمنى، وطافوا حول الكعبة سبعا، وسعوا بين الصفا والمروة سبعا، وودعوا البيت الحرام سبعا.

 

والآن، قد توجهوا إلى مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، التي كان يسميها العرب: يثرب، قال -سبحانه-: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) [الأحزاب:13].

 

وسماها الله المدينة فقال: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) [التوبة:101]، وقال: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) [التوبة:120]، وقال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) [الأحزاب:60].

 

وكما أن مكةَ مخرجُ الصدق، كانت المدينة مدخلَ الصدق، قال -سبحانه-: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) [الإسراء:80].

 

وسماها الله: طابة، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ" رواه مسلم عن جابر بن سمرة.

 

وإنها طيبة، إنَّ مدينةَ الرَّسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- طَيْبة الطيِّبة، مهبطُ الوحي ومتنزَّلُ جبريلَ الأمين على الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وهي مأرزُ الإيمان، وملتقى المهاجرين والأنصار، وموطنُ الذين تبوؤوا الدارَ والإيمان.

 

وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فيها عُقدت ألويةُ الجهاد في سبيل الله، فانطلقت كتائبُ الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها شعَّ النور، فأشرقت الأرض بنور الهداية.

 

وهي دارُ هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، إليها هاجر، وفيها عاش آخر حياته -صلى الله عليه وسلم-، وبها مات، وفيها قُبِر، ومنها يُبعث، وقبرُه أوَّل القبور انشقاقاً عن صاحبه، ولا يُقطع بمكان قبرِ أحدٍ من الأنبياء سوى مكانِ قبره -صلى الله عليه وسلم-.

 

وهذه المدينة المباركةُ شرَّفها الله وفضّلها، وجعلها خيرَ البقاع بعد مكة، ويدلُّ على تفضيلِ مكةَ على المدينة، قولُ الرسولِ الكريم -صلى الله عليه وسلم- لمّا أخرجه الكفار منها واتَّجه إلى المدينة مهاجراً، قال مخاطباً مكة: "والله! إنَّكِ لَخيْرُ أرضِ الله، وأَحبُّ أرضِ الله إلى الله! ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ" رواه الترمذي وابن ماجه.

 

إنها المدينة، حُرِّمت كمكة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِأَرْضِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِأَصْلِ الْحَرَّةِ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَكَ وَعَبْدَكَ وَنَبِيَّكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَرَسُولُكَ أَدْعُوكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِثْلَ مَا دَعَاكَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، نَدْعُوكَ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ وَثِمَارِهِمْ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ، وَاجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ وَبَاءٍ بِخُمٍّ. اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَمَا حَرَّمْتَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمَ" رواه أحمد.

 

وفي المدينة المنورة كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ"، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ" رواه مسلم.

 

وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ، وَمُدِّهِمْ" يَعْنِي أَهْلَ المَدِينَةِ. متفق عليه.

 

وعندما هاجر الصحابة، رضي الله -تعالى- عنهم، تغير عليهم مناخ المدينة، فمرض بعضهم، ومنهم أبو بكر وبلال -رضي الله تعالى عنهما-، فعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلاَلُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟.

 

قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ:

 كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ *** وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ:

أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً *** بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ

وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ *** وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ

 

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ" متفق عليه.

 

كيف لا؟ ورَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا، كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رواه مسلم.

 

إنها المدينة؛ "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ" رواه مسلم.

 

يا من تزور المدينة، إياك أن تخرج منها وأنت كارهٌ لها! فإنه سـ "ـيَأْتِي عَلَى النَّاسِ" من أهل المدينة "زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ" رواه مسلم.

 

قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" رواه مسلم.

 

ومعنى يبسّون: يتحملون بأهليهم ويرحلون، وقيل: معناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب، وقيل: يزينون لهم البلاد، ويحببونها إليهم، ويدعونهم إلى الرحيل إليها. ومعناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسًّا في سيره إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتحها.

 

قال العلماء: في هذا الحديث معجزات لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهليهم إليها، ويتركون المدينة، وفيه فضيلة سكنى المدينة، والصبر على شدتها، وضيق العيش بها.

 

ورد أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقِلْنِي بَيْعَتِي! رجع عن الإسلام، لا يريد الإسلام، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا" رواه مسلم... ومعنى الحديث أنه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه، ويبقي فيها من خلص إيمانه.

 

إنها القرية التي قَالَ فيها رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِب، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ" رواه مسلم.

 

معناه: أمرت بالهجرة إليها واستيطانها، وذكروا في معنى أكلها القرى وجهين: أحدهما: أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر، فمنها فتحت القرى، وغنمت أموالها وسباياها. والثاني معناه: أن أكلها وميرتها تكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها.

 

ألا واعلموا أن "مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ -يَعْنِي الْمَدِينَةَ– أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ" رواه مسلم.

 

وهناك تفاضل في بقاع المدينة، فالمسجد النبوي أفضلها، وثبت أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" رواه مسلم، وفي رواية لمسلم أيضا: "وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي".

 

فيها جبل أحد قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" رواه مسلم.

 

يا أهل الإيمان! "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا" رواه البخاري. أي: يأوي وينضم.

 

عباد الله: إياكم من تخويف أهل المدينة! فــ "مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَخَافَهُ اللَّهُ" رواه ابن حبان في صحيحه.

 

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْفِتْنَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جَابِرٍ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْهُ! فَخَرَجَ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ فَنُكِّبَ، فَقَالَ: تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-! فَقَالَ ابْنَاهُ -أَوْ أَحَدُهُمَا-: يَا أَبَتِ! وَكَيْفَ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَقَدْ مَاتَ؟! قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيَّ" رواه أحمد.

 

إيّاكم -إخواني في دين الله- والكيدَ للمدينة وأهلها! عَنْ عَائِشَةَ هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ: "لاَ يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ، إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ" رواه البخاري.

 

ومسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، الصلاة فيه أجرها مضاعف، فقد ثبت أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ" رواه البخاري.

 

عباد الله: "مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ" رواه الترمذي. فكيف بمن صلى كذلك في المسجد النبوي؟!.

 

تَمَارَى رَجُلَانِ -تجادلا- فِي المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قبَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "هُوَ مَسْجِدِي هَذَا" رواه الترمذي والنسائي.

 

وفي المدينة الوادي المبارك؛ وادي العقيق، عن عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَة فِي حَجَّةٍ" رواه البخاري.

 

ووادي العقيق قرب الميقات، بينه وبين المدينة سبعة أميال. ومعنى العقيق؛ الذي شقه السيل قديما، من العَقّ، وهو الشق. والآتي هو جبريل، عليه السلام. و"عمرة في حجة" أي: اجعل عمرتك مقرونة بالحج.

 

وفي المدينة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقبرا صاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما-، ومن السنة والمستحب زيارتها والسلام عليهم، ولا يجوز اتخاذها أوثانا تعبد، فقد قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: "لَوْلاَ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" رواه البخاري.

 

وهناك في مسجده الروضة الشريفة، التي قال عنها النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" متفق عليه. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ" رواه النسائي. وفي حديث آخر: "مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ" رواه أحمد.

 

وفي المدينة مسجد قباء، الذي قَالَ فيه رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ"، رواه ابن ماجة والترمذي والنسائي. و"كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَأْتِي مَسْجِدَ قبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا" وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يفعله. متفق عليه.

 

إنها المدينة، "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ" رواه مسلم.

 

وقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا" رواه مسلم.

 

ومن قطع شيئا من شجرها فهو معتدٍ يؤخذ متاعه، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ، جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ -أَوْ عَلَيْهِمْ- مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: "مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَأَبَى أَنْ يردَّ عَلَيْهِمْ" رواه مسلم.

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ" رواه مسلم.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

 

 وبعد: ألا واعلموا -عباد الله- ما أخبر به رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ"، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ -أَوْ مَنْكِبِهِ- ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا"، أَوْ "كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ"، يَعْنِي مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ. رواه أبو داود.

 

وعَنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "يَوْمُ الْخَلَاصِ! وَمَا يَوْمُ الْخَلَاصِ!" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَوْمُ الْخَلَاصِ؟ فَقَالَ: "يَجِيءُ الدَّجَّالُ، فَيَصْعَدُ أُحُدًا، فَيَطَّلِعُ فَيَنْظُرُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَذَا الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ؟ هَذَا مَسْجِدُ أَحْمَدَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ فَيَجِدُ بِكُلِّ نَقْبٍ مَنْ نِقَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا، فَيَأْتِي سُبْحَةَ الْجُرُفِ، فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ، ثُمَّ تَرْتَجِفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ، وَلَا فَاسِقٌ وَلَا فَاسِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَتَخْلُصُ الْمَدِينَةُ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلَاصِ" رواه الحاكم وصححه.

 

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم...

 

 

 

المرفقات

الرسول -صلى الله عليه وسلم-

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات