اقتباس
لكن لنا أمل -يا عيد المسلمين- أن يصلح الله -عز وجل- أحوالنا، وأن يكون لرمضان الذي سبقك بالغ الأثر في تهذيب نفوسنا وردنا إلى أحضان ديننا، وأن نعود "أمة واحدة" كما أمرنا ربنا، فإن فعلنا عادت لنا العزة والكرامة والمهابة في قلوب أعدائنا...
يعود كعادته كل عام محمَّلًا بالتهاني بإتمام الطاعات وتحصيل القربات... يعود العيد كعادته بالبشريات وبالأماني طالبًا أن يُدخل الفرحة إلى قلوبنا ونفوسنا، وأن يملأ بالبهجة بيوتنا، وأن يحيط بالسعادة أولادنا... يعود العيد متوقعًا أننا قد لبسنا له الجديد بعد أن ادخرنا في رمضان ما ينجينا الله به من هول يوم الوعيد...
يعود العيد مؤملًا أن يأتينا ونحن في أسعد الأحوال وأتمها... لكنه حين عاد لم يكن يدري أن أمة الإسلام قد صارت أمة مستهدفة من أعدائها! لما عاد فوجئ أن أرض المسلمين صارت كلأ مستباحًا وساحةً لحرب ليست لها! عاد العيد فوجد أمتنا هدفًا للتصويب وورقة يضغط بها عدو على عدوه، وأمتنا لا تستطيع حراكًا ولا تحرك ساقًا!
وينادي العيد: لماذا صار حالكم إلى ما أرى؟! أما كنتم "أمة واحدة" لعدوها قاهرة؟!...
ولو صدقنا لأجبناه: لقد وقع علينا ما وقع حين تراخينا في التمسك بديننا وبشرعنا! حين صرنا ذيلًا وتبعًا لغيرنا! حين والينا المعسكر الغربي أو الشرقي أكثر من موالاتنا لربنا! حين تقطَّعنا وتفرقنا وتشرذمنا! حين دب في قلوبنا الوهن فصارت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا! حين بخلنا بإنفاق أموالنا وتقديم أرواحنا نصرة لدين الإسلام! حين كاد بعضنا لبعض، ودبَّر له المؤامرات فانتشرت بيننا العداوات! حين رخص دم المسلم على أخيه المسلم فسفكه وأرسل الذخائر لقتله! حين صار إمامنا الدرهم والجنيه والريال والدينار! حين يمننا وجوهنا تجاه الشهوات، ولبينا كل نداء للنزوات!... عندها -أيها العيد- صار حالنا إلى ما ترى!! وعندها عدتَ فلم تجد منا ما تحب!
أقبلت يا عيد والأحزان نائمـة *** على فراشي وطرف الشوق سهران
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي *** قلوبنا من صنوف الهمِّ ألـــوان؟
من أين نفرح والأحداث عاصفة *** وللدُّمى مـقـل ترنـو وآذان؟
من أين والمسجد الأقصى محطمة *** آمالـه وفؤاد القـدس ولهـان؟
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي *** دروبنا جدر قامـت وكثبـان؟
لكن لنا أمل -يا عيد المسلمين- أن يصلح الله -عز وجل- أحوالنا، وأن يكون لرمضان الذي سبقك بالغ الأثر في تهذيب نفوسنا وردنا إلى أحضان ديننا، وأن نعود "أمة واحدة" كما أمرنا ربنا: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)[الأنبياء: 92]، فإن فعلنا عادت لنا العزة والكرامة والمهابة في قلوب أعدائنا.
***
وإليك نعتذر -أيها العيد- أننا ما أحسنا استقبالك، وما احتفينا بقدومك، وأننا انشغلنا عنك بما نزل بنا، لكننا سنتدارك الأمر بأن نفهم معناك الحقيقي الذي قد قدِمْتَ تعلِّمه لنا يا عيدنا:
أما أولى معانيك: فإن هلالك إشارة إلى حِل الطعام والشراب بعد أن كان محرمًا في نهار رمضان:
ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله *** تجلَّى هـلال العيـد من جانب الغرب
كحاجـب شيخ شاب من طول عمره *** يشير لنا بالرمـز للأكل والشرب
وأما المعنى الثاني: فإن العيد لمن أطاع لا لمن عصى، والفرح فيك ليس بالماديات والملبوسات والمطعومات، إنما بطاعة رب البريات:
ما عيدك الفخم إلا يوم يغفر لك *** لا أن تجرَّ به مستكبرًا حللك
كم من جديد ثيابٍ دينهٌ خَلِقٌ *** تكاد تلعنه الأقطار حيث سلك
ومن مرقع الأطمار ذي ورع *** بكت عليه السما والأرض حين هلك
***
وإن كانت هذه بعض معانيك، فقد علَّمنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- كيف نفعل فيك -يا عيد المسلمين-:
أولًا: أن نرفع فيك الصوت بالتكبير: قال الله -تعالى-: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)[البقرة: 185]، "قال ابن عباس: "حق على المسلمين إذا رأوا إهلال شوال أن يكبروا"، وقال الشافعي: "واجب إظهار التكبير في العيدين"(تفسير الخازن)، وعن الزهري قال: "كان الناس يكبرون في العيد حين يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى، وحتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام سكتوا، فإذا كبر كبروا"(مصنف ابن أبي شيبة).
ويقول ابن قدامة المقدسي: "وجملته أنه يستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين، لظاهر الآية المذكورة...
وكان ابن عمر يكبر في قبته بمنى، يسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرا... واختص الفطر بمزيد تأكيد؛ لورود النص فيه"(المغني، لابن قدامة).
ثانيًا: الفرح بالمباح: قال -عز وجل-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس: 58]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه"(متفق عليه).
ولا يكون الفرح الحق إلا بالطاعة، يقول بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت معه يوم عيد فقال: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا غض البصر"، ورجع حسان بن أبي سنان من عيده فقالت امرأته: كم من امرأة حسناء قد رأيت؟ فقال: "ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت إلى أن رجعت"!(التبصرة لابن الجوزي).
ثالثًا: التهنئة: فعن أدهم -مولى عمر بن عبد العزيز- قال: "كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيدين: تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيرد علينا ولا ينكر ذلك علينا"(البيهقي في شعب الإيمان).
رابعًا: الاغتسال قبل الذهاب إلى صلاة العيد: فعن نافع "أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى"(مالك في الموطأ).
ومنها كذلك: أكل تمرات وترًا قبل الخروج إلى المصلى في عيد الفطر، ومنها: مخالفة الطريق؛ بالذهاب إلى الصلاة من طريق والعودة من طريق آخر، ومنها: صلاة العيد في المصلى والذهاب إليه ماشيًا، ومنها: الاستماع للخطبة...
وقد تقدم إليكم هاهنا عدد من الخطباء بالتهاني وجميل التماني، فتقبلوا منهم:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم