محنة الإمام برهان الدين البقاعي

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-01-28 - 1442/06/15
التصنيفات: شخصيات تاريخية

اقتباس

أحدثت حركة الإمام البقاعي هزة في حياة المسلمين الدينية والعلمية، وتكسر على يديه تابوه الصوفية الذي ظل صامداً منذ رحيل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وبدأت تظهر مجموعات من العامة وطلبة العلم والعلماء تنحاز لجانب البقاعي في...

لقد أثمرت دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مدرسة كان روادها من تلاميذه الأوائل وسارت تلك المدرسة على نهج زعيمها من تحمل المصاعب في سبيل المبدأ والاستمرار في إصلاح المجتمعات والتصدي للمنكرات ومحاربة الصوفية والفرق الكلامية والجمود والتعصب المذهبي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان لهم أثر في الحياة العلمية والعامة في العالم الإسلامي، وذلك على مر العصور، تعرضوا لمثل تعرض له شيخهم من الابتلاء والأذى، منهم ابن القيم والحافظ المزي وابن كثير والإمام الذهبي وابن مري البعلبكي وابن سعد الشافعي وأبو بكر الهاشمي وابن أبي العز الحنفي صاحب الشرح الأشهر للعقيدة الطحاوية.

 

ومن أشهر تلاميذ ابن تيمية في القرن التاسع؛ الإمام برهان الدين البقاعي صاحب التفسير والتصانيف الماتعة النافعة والذي تصدى للصوفية الاتحادية والحلولية في أواخر القرن التاسع، وكان قوي الحجة، ثابت الجنان، بارع البيان، أعاد للأذهان سيرة شيخه ابن تيمية؛ فكان من الطبيعي أن يمتحن ويتعرض لصنوف البلاء التي تعرض لها شيخه قدس الله سره؛ فمن هو برهان الدين البقاعي ؟ وما هي قيمته العلمية وجهوده الإصلاحية ؟ وما هي محنته التي تعرض لها ؟

مولده ونشأته.

 

ولد إبراهيم بن عمر بن حسن بن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، في سنة 809 هـ، بقرية من قرى سهل البقاع في لبنان، ونشأ وترعرع بها، وطلب العلم منذ الصغر بحفظ القرآن وتلقى دروسه الأولى في علوم العربية والفقه والأصول والحديث والتفسير، وارتحل إلى دمشق طلبا للعلم والعلماء وسماع الحديث وعلوم الشريعة ودراسة الفقه من شيوخه وأعلامه، ودخل بيت المقدس وأخذ عن علمائها الثقات، وسافر الى القاهرة وقرأ على التاج بن بهادر في الفقه والنحو، وعلى الإمام الجزري في القراءات، وأخذ عن التقي الحصني، والتاج الغرابيلي، والعماد بن شرف، والسبكي الحفيد، والعلاء القلقشندي، والقاياني، وأبي الفضل المغربي، ولازم الإمام الكبير ابن حجر العسقلاني وتعلم على يديه، ولنبوغه نال إعجاب شيخه ابن حجر ورقاه وهو طالب وجعله قارئا للبخاري في حضور السلطان المملوكي جقمق.

 

نبوغه وتقدمه العلمي

برع الإمام البقاعي في جميع العلوم وفاق الأقران، وبلغ مكانة كبيرة ومنزلة عالية في علوم القرآن والتفسير وعلم الحديث والجرح والتعديل، وكان ممن يشد إليه الرحال لسماع كتبه وأسانيده، وقد اعترف له معاصروه ومن جاء بعده بالعلم والفضل والتقدم، قال الشوكاني -رحمه الله-: "إنه من الأئمة المتقين المتبحرين في جميع المعارف، وبرع في جميع العلوم وفاق الأقران وتصانيفه شاهدة"، ووصفه السيوطي-رغم خلافه العلمي معه-  بأنه: "العلامة المحدث الحافظ، مهر وبرع في الفنون ودأب في الحديث ورحل، وله تصانيف حسنة"، وقال فيه داود الأنطاكي: "وحيد زمانه ورئيس أقرانه وواحد عصره ونادرة دهره"، وقال عنه ابن العماد الحنبلي: "المحدث المفسر الإمام العلامة المؤرخ، برع وتميز وناظر، وصنف تصانيف عديدة من أجلها المناسبات القرآنية، وبالجملة فقد كان من أعاجيب الدهر وحسناته".

 

مؤلفاته العلمية

خلَّف الإمام البقاعي مصنفات كثيرة في شتى العلوم يغلب عليها التصنيف في التفسير والتاريخ والحديث والقراءات والأدب، منها إظهار العصر لأسرار أهل المصر، و عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأعيان، ومختصر سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وثلاثة من الخلفاء الراشدين، والنكت الوفية بما في شرح الألفية، ومصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، وضوابط الإشارة إلى أجزاء علم القراءة، والقول المفيد في أصول التجويد لكتاب ربنا المجيد، والإعلام بسن الهجرة إلى الشام، وتنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وهو الكتاب الذي سيجلب عليه محنته الكبرى، وتحذير العباد من أهل العناد.

 

أما أشهر كتب الإمام البقاعي؛ فهو نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ويعرف بمناسبات البقاعي أو تفسير البقاعي، واعتبره العلماء من أعظم ما كتب، حيث أنشأ علما جديدا يتحدث عن المناسبة بين الآية القرآنية وما قبلها وبعدها، والمناسبة بين السورة وما قبلها وما بعدها، وهو علم يعتمد على فهم كامل للنسق القرآني وتدبر عميق للآيات وسور القرآن الكريم، اذ سبق فيه علماء عصره، الذين انصرف جهدهم الى تفسير القرآن نحويا ولغويا وإيراد الأقاويل ونقل الروايات حتى المتعارض منها واجترار ما قاله السابقون.

 

 أحوال العالم الإسلامي في القرن التاسع الهجري

مثل القرن التاسع الهجري ذروة التدهور السياسي في حكم دولة المماليك؛ فبعد قادتها الكبار سيف الدين قطز والظاهر بيبرس والناصر قلاوون آل الأمر إلى سلاطين ضعاف يتنافسون على الحكم، وانشغلوا بصراعاتهم الجانبية عن مصالح الأمة، فعمّ التدهور في شتى مناحي الحياة، وهذا هو شأن التدهور السياسي إذا وقع لابد أن يصاحبه تدهور في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، وهذا هو حال عصر الإمام البقاعي بالضبط.

 

فقد انتشرت المظالم والمكوس، وظهرت الفواحش والمنكرات، وسيطر الجهل والخرافة على عقائد العامة، وشاع الإرهاب الفكري بسبب الجمود الفقهي والتمسك المقيت بالمذهبية، وسيطرت الفرق الصوفية المنحرفة بالأخص الاتحادية أتباع ابن عربي وابن الفارض على الحياة الدينية في الشام ومصر؛ فمال الناس على السلبية والاتكالية، وأصبح التجديد ومحاولة الاجتهاد والخروج بآراء فقهية وعلمية جديدة تهمة شنيعة يستحق صاحبها التشنيع والتنكيل والتبديع، وربما القتل.

 

وهذه الأجواء المظلمة والقامعة للإبداع كانت السبب الرئيسي للمحن المتتالية التي تعرض لها الإمام برهان الدين البقاعي:

أولاً: محنته مع المتعصبة والمقلدة.

الناس أعداء لما يجهلون، لذلك تجدهم ينظرون بعين الشك والارتياب من كل جديد، ويسارعون باتخاذ مواقف سلبية وربما عدائية من كل شخص يطرح أفكاراً جديدة، ولقد عانى المجددون عبر العصور من هذه النزعة العقلية المتأصلة عند الكثيرين، فالتقليد ورفض الجديد صنوان الحياة العلمية في عصور الجمود والتخلف.

 

عندما كتب الإمام البقاعي كتابه الشهير نظم الدرر، وبث فيه علماً جديداً هو علم المناسبة لم يستسغ متفقهة العصر وسدنة التقليد مثل هذه العلوم الجديدة، ورأوا أن هذا العلم من موروثات أهل الكتاب؛ فاتهموا البقاعي بالنقل من التوراة والإنجيل في التفسير، على الرغم من وجود الكثير من أهل العلم سابقاً مما استدل بنصوص من التوراة والإنجيل في تعضيد التفسير القرآني والتناسب مع آيات القرآن، ولكنه الحقد الذي ملأ القلوب والنفوس من كل مجدد وعبقري.

 

أغرى المتعصبة والمقلدة الرؤساء بالإمام البقاعي فتعرض للاضطهاد، ويقول ابن الصيرفي: "وصنف كتابا في مناسبات القرآن فقاموا عليه وأرادوا إحراق الكتاب وتعصب عليه جماعة وأغروا به الأمير تمربغا"، ورموه بالكفر وأقاموا عليه دعوى عند القاضي المالكي، فعكف البقاعي على كتابة رسالة يجيب فيها على أباطيل خصومه، ويفند ادعاءاتهم ويثبت جواز النقل من الكتابين، فاقتنع بها القاضي الزيني بن مزهر، فعذره وحكم بإسلامه فرفعت عنه محنة التكفير.

 

ثانياً: محنته مع الصوفية كائنة البقاعي

كما قلنا من قبل عصر دولة المماليك شهد سطوة التصوف وهيمنته على الحياة العلمية والدينية، حتى أنه قد بلغ مثابة الدين الرسمي المعتمد عند سلاطين الدولة والهيئة العلمية في هذا الزمان، بحيث كل من يفكر أن يقترب أو ينال جاه وهيبة التصوف فكراً ومنهجاً وطريقة وشيوخاً يكون بمثابة المارق الذي خرج عن ربقة الإسلام.

 

وعلى الرغم من أن الفارق الزمني بين البقاعي وابن تيمية أكثر من 150 سنة إلا إن البقاعي كان سائراً على درب شيخه ملتزماً طريقته ومنهجه العلمي والإصلاحي أيضاً، لذلك تعرض لنفس المحن والابتلاءات التي تعرض لها شيخه ابن تيمية -رحمه الله- مع متصوفة عصره.

 

لم تكد تنتهي محنته مع المتعصبة والمقلدة بسبب كتاب نظم الدرر تنتهي حتى تعرض لمنحة أشد قوة بسبب تأليفه كتابين هاجم فيهما أكبر رمزين صوفيين في القرون الوسطى والأشهر على الإطلاق حتى كتابة هذه السطور، وهما ابن عربي شيح الحلولية، وابن الفارض شيخ الاتحادية، وأنكر أقوالهما في عقيدة الاتحاد الصوفية بالقول واللسان، في السر والعلن.

فقد أعلن البقاعي دعوته لتكفير ابن عربي وابن الفارض في جامع الظاهر بيبرس الذي كان يلقي فيه دروسه، ولم يقبل أتباعهما من الصوفية والفقهاء الذين كان لهم سطوة ونفوذ لدى الحكام المماليك هجوم الامام البقاعي، فحدث ما يعرف بـ كائنة البقاعي سنة 874 هـ.

 

فقد كتب الامام البقاعي رسالة علمية طويلة ومحكمة فند فيها أقوال عمر بن الفارض وتتضمن الحكم بفسقه وتكفيره بسبب ما قاله في قصيدة التائية الكبرى وسلمها الى كاتب سر السلطان قايتباي؛ كما أرسل منها نسخا لبعض علماء الزمان، ولما علم الصوفية بما حدث، احتالوا للاطلاع عليها وفشلوا، وعندما علم البقاعي بحيلتهم أذن لهم بنسخ الرسالة بشرط أن يردوا عليها ردا علمياً، فعجزوا عن الرد ولجأوا للمكر والتآمر، وألبوا عليه العوام والحكام ومعظم الفقهاء والطلبة بالجامع الأزهر، وتزعم الحرب ضده الشيخ عبد الرحيم الفارضي شيخ الطريقة الفارضية المنسوبة لعمر بن الفارض، واشتعل الجو بالغضب على البقاعي وتزايدت الشائعات والمؤامرات وكادت تخرج مظاهرات العوام لتحاصر بيته وينبهوه، ولم تفلح محاولات الامام البقاعي في الاتصال بالداودار الكبير يشبك بن مهدي، أو حتى بالداودار الثاني تنبك قرأ ليبين موقفه، ولم يقبل خصومه المجادلة واستمروا في تخويف الناس المتأثرين بالتصوف وتقديس أوليائه وتهديد العلماء لعدم نصرته، حتى استفتوا قاضي الحنابلة المعز بن نصر الله الكناني فكتب لهم بتكفير ابن الفارض وكل من تمذهب بمذهبه وأيده عدد من الفقهاء منهم البرهان بن العبري، وقاضي الحنفية ابن الشحنة وغيرهم.

 

وبسبب ثبات البقاعي بدأت المشاعر تتجه نحوه وتميل عن الصوفية، وذلك هو الشأن في دعوات الحق التي تواجه العقائد الضالة، فتلك العقائد الضالة تستند إلى خرافات اكتسبت قدسية لمجرد أن القرون مرت عليها دون أن تجد من يتصدى لتنفيذها، فإذا وجدت عالماً شجاعاً يفعل ذلك ثار عليه المدافعون عن تلك الخرافات والأشياخ الذين يستفيدون منها وحاولوا إخافته بما ترسب في وجدانهم من خوف من الاعتراض على تلك الخرافات؛ فإذا ثبت صاحبنا على مبدئه ورأوا أنه لم تحدث له كارثة بسبب اعتراضه يبدأ الموقف يتغير لصالح، وذلك بالضبط ما حدث في كائنة البقاعي وما يمكن أن يحدث في أي حالة مماثلة.

 

 

العوام في بداية الأمر كانوا ضد البقاعي حتى لقد كانوا يؤذون أتباعه في الطرقات، وحتى لقد فكر خصمه شيخ الفارضية عبد الرحيم أن يقودهم في مظاهرة لتقوم بقتل البقاعي وتنهب بيته، ثم بعد أن ظل البقاعي متماسكاً صامداً يقرر رأيه في المسجد جاءوا إليه يستمعون، وضجوا يؤمنون على دعواه على خصومه.

 

ثم فكروا في حيلة أخرى فأشاعوا أن البقاعي قد أفتى بتكفير من يسكت عن تأييده، وبذلك جعلوا الشيوخ المحايدين ينقلبون على البقاعي، وكان منهم الشيخ زين الدين الاقصرائي، ونجحوا أيضا في إثارة طلبة الجامع الأزهر ضده حتى كان البقاعي يخشى أن ينفذوا تهديدهم ويحرقوا بيته.

 

أحدثت حركة الإمام البقاعي هزة في حياة المسلمين الدينية والعلمية، وتكسر على يديه تابوه الصوفية الذي ظل صامداً منذ رحيل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وبدأت تظهر مجموعات من العامة وطلبة العلم والعلماء تنحاز لجانب البقاعي في حربه ضد الصوفية، غير أن هذه الحركة المباركة قد تم إجهاضها بسبب جهود واحد من أكبر فقهاء العصر وهو شيخ مشايخ الشافعية؛ الشيخ زكريا الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام، وكان من أوعية العلم الكبار، ولكنه كان ضائعاً في العقائد، تابعاً للصوفية وعلى معتقدهم، بل كان ذيلاً لهم وليس برأس فيهم، يسمع لهم ويطيع في وقت لم يتمتع فيه السلطان عنده بهذه الحظوة. زكريا الأنصاري يعتقد في ولاية شيخ صوفي مجهول اسمه محمد الإسطنبولي، ولما وقعت محنة البقاعي في إنكاره على ابن الفارض أرسل السلطان إلى العلماء فكتبوا له بحسب ما ظهر لهم، وامتنع الشيخ زكريا الأنصاري في إبداء رأيه أولاً  ثم اجتمع بالشيخ محمد الاسطنبولي فقال له: "أكتب وأنصر القوم، أي: الصوفية وبين في الجواب أنه لا يجوز لمن لا يعرف مصطلح القوم أن يتكلم في حقهم بشر، لأن دائرة الولاية تبتدئ من وراء طور العقل لبنائها على الكشف"، وقد بلغت المهزلة منتهاها عند تناسى زكريا ألأنصاري مكانته العلمية وروايته للحديث النبوي وافترى مناماً زعم فيه أنه قد رأي ابن الفارض على هيئة ملائكية في الجنة لتبرئة من تهمة الكفر والإلحاد التي وجهها أهل العلم له ومنهم البقاعي. وهذه أسطورة حيكت لتجعل ابن الفارض يخرج من قبره ليدعو على من أنكر عليه، ومن شأنها أن تخيف أولئك الذين يقدسون الأولياء ويعتقدون في نفعهم وضررهم، وبعض من يقرؤها في عصرنا قد يتأثر بها، فكيف بهم في عصر قايتباى.

وبعد فترة من حرب الأعصاب والتهديد الذي وصل لدرجة التهديد بالقتل وحرق الدار، سكنت حركة البقاعي، وسكن خصومه عنه، وكان وقتها شيخاً كبيراً طاعناً في السن، ولكنه كان ذا عزم وافر وإقدام كامل وهمة عالية، لم ينقطع عن الدرس والإفتاء وبيان كفر الصوفية الاتحادية والحلولية، مما أدى في النهاية لعودة ظهور مصطلح أهل السنة للتميز عن الصوفية، وبمدرسة أهل السنة استطاع البقاعي أن يوقف الكثير من البدع، على رأسها وقف مولد البدوي في طنطا، وكان بمثابة أكبر أعياد الصوفية في وقتها.

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات