متى يباح الكلام والإمام يخطب (1)؟

عصام خضر - عضو الفريق العلمي

2021-02-28 - 1442/07/16
التصنيفات: أحكام المستمع
الكتابة
26

اقتباس

وأما الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند ذكره في الخطبة فلا بأس بذلك، لكن بشرط أن لا يجهر به، لئلا يشوش على غيره، أو يمنعه من الإنصات. وكذلك التأمين على دعاء الخطيب لا بأس به بدون...

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين.

 

يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس، والمسلم حين يغتنم هذا اليوم بكثرة الطاعات وأعمال البر، ينال الثواب الجزيل والخير العظيم الذي أعده الله له في الدنيا والآخرة،  وهو كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله -تعالى-:"اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة"([1]).

 

ويغفر لمن شهد الجمعة ولم يلغ فيها ما بين الجمعتين؛ فعن سلمان الفارسي قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى"([2]).

 

ويجب الإنصات أثناء الخطبة، ويحرم الكلام، قال ابن رجب: "أجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبة الإمام أن ينصت ويستمع، وأنه أفضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه، أو تلاوة قرآن، أو دعاء"([3]).

وهو مذهب الجمهور: الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول للإمام  الشافعي في القديم، وبه قال أكثر أهل العلم([4]).

 

ومن الأدلة على ذلك:

قول الله -تعالى-: (وَإِذَا قُرِئ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)([5]).قال الإمام أحمد:"أجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة"([6]).

 

ومن أدلة السنة ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت"([7]).وقد دل الحديث على النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا على ما سواه، لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه -صلى الله عليه وسلم- لغوًا، فيسيره من الكلام أولى أن ينهى عنه([8]).

 

كما أن الخطبة وجبت في الجمعة، تذكيرًا للناس، وموعظة لهم، فإذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها، فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغوًا لا فائدة له([9]).

 

وقد استثنى أهل العلم جملة من الحالات التي يباح فيها الكلام والخطيب يخطب الجمعة فمن ذلك:

الكلام الواجب:

قال الإمام النسائي: "الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف عليه نارًا، أو حية، أو حريقًا أو نحو ذلك، فله فعله، لأن هذا يجوز في نفس الصلاة مع إفسادها فهاهنا أولى"([10]).

 

كلام الحاضرين مع الخطيب:

يباح الكلام مع الخطيب في أثناء الخطبة للحاجة نص عليه المالكية، والشافعية، والحنابلة([11]). ومما يدل على ذلك ما جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فبينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا..([12]).

 

ومن الأدلة أيضًا ما جاء عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل والنبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس يوم الجمعة فقال: "أصليت يا فلان" قال: لا قال:"قم فاركع"([13]).

ووجه الدلالة من الحديثين: أن هذا الأعرابي قد تكلم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في أثناء الخطبة، وأقره النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدل على جواز الكلام مع الخطيب في الخطبة للحاجة([14]).

 

ومن الأدلة أيضًا ما جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فناداه عمر أية ساعة هذه قال إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت فقال والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر بالغسل([15]).

والعلة في تحريم الكلام الاشتغال به عن الإنصات الواجب، وسماع الخطبة، ولا يحصل هاهنا إذا كلمه الخطيب([16]).

 

الإشارة في الخطبة:

تجوز الإشارة أثناء الخطبة عند الحاجة، وهو مذهب الجمهور: الحنابلة، والشافعية، والحنفية، وقول للمالكية([17])، وقالت به طائفة من السلف قال ابن قدامة: وإذا سمع متكلمًا لم ينهه بالكلام ولكن يشير إليه ويضع إصبعه على فيه، كما روينا عن أبي، وهذا قول زيد بن ضوحان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي([18]).

وحُكِى الإجماع على ذلك. قال ابن رجب: لا خلاف في جواز الإشارة إليه – أي المتكلم أثناء الخطبة – بين العلماء، إلا ما حكي عن طاووس وحده، ولا يصح لأن الإشارة في الصلاة جائزة، ففي حال الخطبة أولى([19]).

 

ومن الأدلة على ذلك ما جاء عن أنس -رضي الله عنه- قال: دخل رجل المسجد، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله متى قيام الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فسأله ثلاث مرات كل ذلك يشير إليه الناس أن اسكت، فقال له رسول الله عند الثالثة: "ويحك ما أعددت لها"؟ قال: حب الله ورسوله، قال: "إنك مع من أحببت"([20]).

 

 

الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عند ذكره في الخطبة:

يشرع أن يصلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- سرًا عند ذكره في الخطبة، وهو مذهب المالكية، قال الحطاب نقلا عن ابن ناجي: لا خلاف في جواز الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتعوذ من النار، والتأمين عند ذكر الإمام أسباب ذلك، وإنما اختلف: هل يجهر أو يسر؟ على قولين([21]). وهو مذهب الحنابلة([22])، وقول أبي يوسف، قال السرخسي: وأما الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد رُوي عن أبي يوسف -رحمه الله تعالى-: أن الخطيب إذا قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ)([23]) ينبغي لهم أن يصلوا عليه، وهو اختيار الطحاوي لأنه يبلغهم أمرًا، فعليهم الامتثال([24]).

وبه قالت طائفة من السلف، قال ابن رجب: اختلفوا في الإمام إذا صلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة: هل يوافقه المأموم؟ فقالت طائفة: يصلي المأموم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفسه، وهو قول مالك، وأبي يوسف، وأحمد وإسحاق واستدلوا: بأن الصلاة على النبي خصوصا يوم الجمعة متأكدة الاستحباب، ومختلف في وجوبها كلما ذكر، فيشرع الاتيان بها في حال الخطبة عند ذكره، لأن سببها موجود، فهو كالتأمين على دعاء الإمام، وأولى([25]).

واختاره الكمال بن همام قال: عن أبي يوسف: ينبغي أن يصلي في نفسه لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة، فكان إحرازًا للفضيلتين، وهو الصواب([26]). قال ابن عثيمين -رحمه الله-: وأما الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند ذكره في الخطبة فلا بأس بذلك، لكن بشرط أن لا يجهر به، لئلا يشوش على غيره، أو يمنعه من الإنصات. وكذلك التأمين على دعاء الخطيب لا بأس به بدون رفع صوت؛ لأن التأمين دعاء ([27]).

 

يتبع

 

 

([1]) زاد المعاد (1/384).
(2) صحيح البخاري (2/4) رقم (883).
([3]) فتح الباري لابن رجب (5/496).
([4]) انظر حاشية ابن عابدين (2/158)، بداية المجتهد لابن رشد (1/161)، كشف القناع للبهوتي (2/47)، والمجموع للنووي (4/523).
([5]) الأعراف: 204.
([6]) فتح الباري لابن رجب (5/499).
([7]) صحيح البخاري (2/16) رقم (934).
([8]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (6/138).
([9]) انظر فتح الباري (5/499).
([10]) الجمعة للنسائي (1/12) والمغني لابن قدامة (2/165).
([11]) انظر الشرح الكبير للدردير (1/286)، المجموع للنووي (4/523-525)، والمغني لابن قدامة (2/239).
([12]) صحيح البخاري (2/15) رقم (933).
([13]) صحيح البخاري (2/15) رقم (930).
([14]) شرح النووي على صحيح مسلم (6/164).
([15]) صحيح البخاري (2/2) رقم (878).
( ([16]انظر المغني لابن قدامة (2/239).
([17]) انظر تبيين الحقائق للزيلعي مع حاشية اللبي (1/223)، المجموع شرح النووي (4/524)، الشرح الكبير لابن قدامة (2/219)، ومواهب الجليل للخطاب (2/551).
([18]) الشرح الكبير (2/220).
([19]) فتح الباري (5/496).
([20]) شرح السنة للبغوي (15/100) رقم (4297)، ورواه ابن خزيمة وصححه (3/149) رقم (1796)، وأخرجه البيهقي (3/ 221) وصححه، وصحح إسناده النووي في المجموع (4/474)، وأورده ابن رجب في فتح الباري (5/496).
([21]) انظر مواهب الجليل (2/546،547)، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي (1/385).
([22]) المبدع لابن مفلح (2/160).
(([23] الأحزاب: 56.
([24]) المبسوط (2/51)، وينظر مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (1/133).
(([25] فتح الباري لابن رجب (5/497).
(([26] شرح فتح القدير لكمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (2/69).
([27]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (16/100).

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
28-02-2021

جزاك الله خيرا وتقبل الله منك

عضو نشط
زائر
21-03-2021

جزانا وإياكم اخي الكريم 

عضو نشط
زائر
21-03-2021

وإياكم إخي الكريم.. اللهم آمين

عضو نشط
زائر
22-03-2021

. جزانا وإياكم.. اللهم امين