متى فرضت صلاة الجمعة

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2023-12-03 - 1445/05/19

اقتباس

إن الاجتماع هو لذِكْر الله وشُكْره، وهو حاصل بالقليل والكثير، بل من الواحد لولا ما قدَّمناه من أن الجمعة يُعتبر فيها الاجتماع، وهو لا يحصل بواحد، وأما الاثنان فبانضمام أحدهما...

الجُمعة فيها مَعنى الاجتماع، والاجتماع لابُدَّ فيه من عدد، ويوم الجُمعة عيد أسبوعي للمسلمين، كما أن السَّبت عيدٌ لليهود، والأحد عيد للنَّصارى، وله 32 خصوصية، كما في زاد المعاد لابن القيم، نقل ابن حجر في الفتح 26 منها.

 

وقد خَصَّ الله المسلمين بفضْل هذا اليوم، كما جاء في مُسند أحمد عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما ذُكرت عنده اليهود قال: “إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجُمعة التي هدانا الله لها وضلُّوا عنها وعلى القِبْلَة التي هدانا الله لها وضلُّوا عنها وعلى قوْلنا خلف الإمام آمين”.

 

ويوم الجمعة كان يُسمى في الجاهلية يوم العَروبة، “بفتح العين” والعروبة معناها الرحمة، وجاء في “الروْض الأنُف” للسهيلي على سيرة ابن هشام، أن كعب بن لؤي أحد أجداد النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أول من جمَع يوم العَروبة ولم تُسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام في قول بعضهم.

 

وقيل: هو أول من سمَّاها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم ويُذَكِّرهم بمبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- ويُعْلِمهُم أنه من ولده، ويأمرهم باتِّباعه والإيمان به، وقد ذكر الماوردي هذا الخبر عن كعب في كتاب الأحكام السلطانية.

 

وصلاة الجمعة فُرِضَتْ بمكة قبل الهجرة، كما أخرجه الدار قطني عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ولم يتمَكَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- من إقامتها بها، وذلك لقِلة عدد المسلمين، أو لضعف شوْكَتهم أمام قوة المشركين، فلمَّا هاجر من هاجر من الصحابة إلى المدينة.

 

كتب إلى مصعب بن عُمَير وهو أول من أوفده النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة مع المسلمين من الأنصار ليُعَلِّمهم، ثم قَدم بعده عبد الله بن أم مكتوم: "أما بعد فانظر اليوم الذي تجْهَر فيه اليهود بالزَّبور لسَبْتِهِم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقرَّبوا إلى الله بركعتين".

وعلى هذا يكون مُصعب أول من صلَّى بهم الجمعة في المدينة، وكان عددهم اثني عشر رجلاً، كما في حديث الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري، وهذا الحديث ضعيف.

 

وهناك قولٌ آخر بأن أول من جمع بهم هو أبو أمامه أسعد بن زُرَارَة الذي نزل عليه مصعب بن عمير، يقول عبد الرحمن بن كعب بن مالك الذي كان يقود أباه كعبًا إلى المسجد: كان أبي إذا توجَّه لصلاة الجمعة وسمع الأذان استغفر لأبي أُمَامة، ولمَّا سأله لماذا يستغفر له قال: كان أول من جمع بنا في المدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يُقال له نقيع الخضمات، وكانوا يومئذٍ أربعين رجلاً، والقول بهذا رواه أبو داود وابن حِبان وابن ماجه والبيهقي وصححه، وقال ابن حجر: إسناده حسن.

والهزم المكان المطمئن من الأرض، والنبيت أبو حي من اليمن اسمه عمرو بن مالك، وحرة بني بيضاة قرية على ميْل من المدينة، وبنو بياضة بطن من الأنصار والنقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مُدة فإذا نضب نبت الكلأ.

 

وقد جُمع بين الحديثين على فرض صحة الأول بأن مصعبًا يقال: إنه أول من جمع باعتباره كان إمامًا للمُصلين، وبأن أسعد هو أول من جمع؛ لأنه الأمير للقوم، وكان مُصعب في ضيافته فنسب الأمر إليه وبخاصة أنه أطعم المُصلين غذاء وعشاء، كما في رواية أخرى.

 

واجتماع المسلمين في يوم من أيام الأسبوع قيل: كان باجتهادهم قبل أن تُفْرَض عليهم صلاة الجمعة، فقد جاء في حديث مُرسل عن ابن سيرين قال: جُمِعَ أهل المدينة قبل أن يقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل أسبوع وللنصارى مثل ذلك، فهلمَّ فلنجعل يومًا نجمع فيه فنذكر الله -تعالى- ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العَروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، فصلي بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم، فسَموا الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها، وذلك لقلتهم فأنزل الله -تعالى- في ذلك: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ…)[الجمعة: 9].

قال ابن حجر: رجاله ثقات، إلا أنه مُرسل، أي سقط منه الصحابي (يُلاحظ أن هذا الحديث بيَّن قلة عدد المصلين للجمعة في أول مرة بحيث تكفيهم الشاة غَداء وعَشاء، أما الحديث الذي فيه استغفار كعب بن مالك لأسعد بن زرارة فيذكر أن عددهم أربعون، وهؤلاء لا تكفيهم الشاة غَداء وعَشاء، فالظاهر أن رواية حديث ابن سيرين كانت عن أول صلاة، وحديث كعب كان بعد اشتهار صلاة الجمعة وكثرة الحاضرين).

 

وقيل كان اجتماع المسلمين لصلاة الجمعة بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما يدُل عليه كتابه إلى مصعب بن عمير الذي أخرجه الدارقُطني عن ابن عباس.

 

ولما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- نزل “قِباء” عند بني عمرو بن عوف، ثم توجه إلى المدينة يوم جمعة فأدركته صلاتها في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وسُمي مسجد الجمعة وهي أول جمعة صلاها بأصحابه وكانوا مائة وقيل أربعون(الزرقاني 7/382).

 

وأول خُطْبة خطبها بالمدينة في المرجع المذكور نقلاً عن تفسير القُرطبي وذكر وجوه محاسنها. (لعل كل جماعة أسلمت قبل هجرة النبي إليهم كانت تتخذ لها مسجدًا خاصًا).

 

هذا في تاريخ التشريع لصلاةِ الجمعة، أما العدد المشروط لإقامتها ففيه أقوال كثيرة، أوصلها الحافظ بن حجر في “فتح الباري” إلى خمسة عشر قولاً، ونقلها الشوكاني في نيل الأوطار وعلَّق عليها، وفيما يلي تلخيص لذلك.

القول الأول: تصح بواحد، ولا دليل عليه، وهو لا يتفق مع معنى الاجتماع الموجود في الجمعة، نقله ابن حزم، وحكاه الدارمي عن الكاشاني.

 

القول الثاني: تصح باثنين، إمام ومأموم؛ لأن العدد واجب الحديث والإجماع، ولم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، فتُقاس على صلاة الجماعة، حيث تصح باثنين، فقد صح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: بت عند خالتي ميمونة أم المؤمنين -رضي الله عنها- فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره فأخذ برأسي وأقامني عن يمينه، رواه الجماعة، وفي لفظ: صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا ابن عَشْر، وقمتُ إلى جنبه عن يساره فأقامني عن يمينه، قال: وأنا يومئذٍ ابن عشر سنين.(رواه أحمد).

والشوكاني يرجح هذا القول. وهو قول النخعي وأهل الظاهر.

 

القول الثالث: تصح باثنين غير الإمام، ودليله أن العدد واجب كالجماعة، وشرط العدد في المأمومين المستمعين للخُطبة، وأقل عدد يحصل به الاجتماع هو اثنان. وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة. القول الرابع تصح بثلاثة والإمام رابعهم ومُسْتَنده حديث أم عبد الله الدوسية الذي أخرجه الطبراني وابن عدي عنها مرفوعًا “الجُمعة واجبة على كلِّ قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة” وفي رواية “وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم الإمام”(وقد ضعَّفه الطبراني وابن عدي)، وهو قول أبي حنيفة، وحكى عن الأوزاعي وأبي ثور، واختاره المزني والسيوطي وحكاه عن الثوري والليث بن سعد.

 

القول الخامس: تصح بسبعة ولا مُسْتَند له، وحُكي عن عكرمة.

 

القول السادس: تصح بتسعة، ولا مُسْتَند له أيضًا، وحُكي عن ربيعة.

 

القول السابع: تصح باثني عشر بما فيهم الإمام، ودليله حديث: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عِيرٌ قد قدِمت، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزل الله -تعالى-: (وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً…)[الجمعة 11](رواه البخاري ومسلم).

ووجه الاستدلال أن الجمعة صحت بهذا العدد، لكن يُردُّ عليه بأنه دليلٌ على أنها تصح باثني عشر فما فوقهم، أما إنها لا تصح بأقل من ذلك فلا يدل عليه هذا الدليل. كما استدلَّ من قال بذلك بحديث الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري: أول من قَدِمَ من المهاجرين مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة قبل أن يَقْدُمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم اثنا عشر رجلاً لكن هذا الحديث ضعيف، وهو قول ربيعة في رواية وحكاه الماوردي أيضًا عن الزهري والأوزاعي ومحمد بن الحسن.

 

القول الثامن: تصح باثني عشر غير الإمام، أي بثلاثة عشر، ومُسْتَنده مُستند القول السابع، وهو قول إسحاق.

 

القول التاسع: تصح بعشرين، ولا مُستند له، وهو رواية عن مالك.

 

القول العاشر: تصح بثلاثين، ولا مُسْتَند له أيضًا، وهو رواية أخرى عن مالك.

 

القول الحادي عشر: تصح بأربعين بما فيهم الإمام، ومُسْتنده حديث أبي داود المُتقدم في أن أسعد بن زرارة أول من جمع في هزم النبيت، وفيه أن عددهم يومئذٍ كان أربعين رجلاً.

ووجه الاستدلال أن الإجماع على اشتراط العدد في صلاة الجمعة، فلا تصح إلا بعدد ثابت بدليل، وقد ثبت جوازها بأربعين، فلا يجوز بأقل منه إلا بدليل صحيح، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “صلُّوا كما رأيتموني أصلي” قالوا: ولم تثبت صلاته لها بأقل من أربعين، لكن أُجيب عنه أنه لا دليل في الحديث على اشتراط الأربعين، بل هو يدلُّ على صحتها بأربعين فمن فوقهم، وأما عدم صحتها بأقل من ذلك فلا يدلُّ عليه هذا الحديث؛ لأنه واقعة عين، وواقعة العين لا تدلُّ على نفي غيرها، ففي القواعد الأصولية، وقائع الأحوال لا يحتج بها على العموم، فالمعروف أن الجمعة لما فُرضت بمكة لم يتمكن النبي -صلى الله عليه وسلم- من أدائها، فلما هاجر من هاجر كتب إليهم بأدائها، فاتفِقَ أن عددهم إذ ذاك كان أربعين في رواية الطبراني عن ابن عباس.

 

ومن أدلة هذا القول ما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود قال: جَمَعَنَا النبي -صلى الله عليه وسلم- وكنت آخر من أتاه ونحن أربعون رجلاً، فقال: “إنكم مُصيبون ومنصورون ومفتوح لكم” ورُدَّ عليه باحتمال أن تكون هذه الواقعة قد قَصَدَ بها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجمع أصحابه ليبشرهم لا ليصلِّي بهم جمعة، فاتفق أن اجتمع له منهم هذا العدد، قال السيوطي: وإيراد البيهقي لهذا الحديث أقوى دليل على أنه لم يجد من الأحاديث ما يدل للمسألة صريحًا، وهذا هو قول الشافعية.

 

القول الثاني عشر: تصح بأربعين غير الإمام، ورُوي عن الشافعي أيضًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، ولعلَّ دليله هو دليل القول السابق.

 

القول الثالث عشر: تصح بخمسين، ومُسْتَنده حديث الطبراني مرفوعًا “الجمعة على الخمسين رجلاً، وليس على ما دون الخمسين جمعة” وقد ضعَّفه السيوطي، ومع ضعفه مُحتمل للتأويل؛ لأن ظاهره أن هذا العدد شرط للوجوب لا شرط للصحة، وهو قول أحمد بن حنبل، وفي رواية عن عمر بن عبد العزيز.

 

القول الرابع عشر: تصح بثمانين ولا مُسْتند له.

 

 القول الخامس عشر: تصح بجمع كبير بغير قَيْد، ومُسْتنده أن الجمعة شعار، وهو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المسلمين، ونُوقش ذلك بأن كونها شعارًا لا يستلزم أن ينتفي وجوبها بانتفاء العدد الذي يحصل به ذلك. على أن طلبها من العباد كتابًا وسُنَّة مُطْلَق عن الشعار، فما الدليل على اعتباره؟

وكتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مُصعب بن عمير في نظر يوم اليهود… غاية ما فيه أن ذلك سبب أصل المشروعية، وليس فيه أنه مُعتبر في الوجوب، فلا يصح التمسك به لاعتبار عدد يحصل به الشعار، وإلا لزم قصر مشروعيتها على بلد يشارك المسلمين في سكنه اليهود، وأنه باطل.

 

لكن هذه المناقشة غير واردة؛ لأن الشأن في الجمعة أنها شعار وإن لم ينص عليه، ولا يشترط في الشعار وجود يهود مع المسلمين، فقد يزول السبب ويبقى الحُكم كالرَّمل في الأشواط الأولى في الطواف؛ لإظهار أن بالمسلمين قوة تَدْحَضُ زَعْمَ المشركين أن المدينة أصابتهم بوبائها، وبقي الرَّمل مسنونًا إلى عهدنا هذا مع انتفاء السبب الأول في مشروعيته، وهذا القول حكاه السيوطي عن مالك، قال الحافظ ابن حجر: ولعلَّ هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل.

 

هذه هي الأقوال في اعتبار العدد الذي تنعقد به الجمعة، وقد رأيت أن بعض الأئمة كمالك حُكيت عنه عدة روايات في هذا الصدد، وأن بعضها ليس له دليل، والبعض الآخر دليله مناقش غير مُسَلَّم تمامًا.

 

ونرى انعقادها بأي عدد يُوجد، مُحَافَظَةً عَلَى الشَّعيرة، وكُلَّما كان العدد كبيرًا كان أفضل وبخاصة إذا كان هناك مُخالفون لنا في الدِّين، ففي انعقادها بالعدد الكبير إظهار لاهتمام المُسلمين بالعبادة وتقوية الروح الجماعية، وإعطاء مظهر رائع له تأثيره النفسي على من يشاهد هذا الجمع الكبير، في صلاته المُنظمة ووحداته الروحية القوية.

قال الشوكاني بعد عرض الأقوال السابقة ومُناقشة أدلتها: إن الاجتماع هو لذِكْر الله وشُكْره، وهو حاصل بالقليل والكثير، بل من الواحد لولا ما قدَّمناه من أن الجمعة يُعتبر فيها الاجتماع، وهو لا يحصل بواحد، وأما الاثنان فبانضمام أحدهما إلى الآخر يحصل الاجتماع، وقد أطلق الشارع اسم الجماعة عليهما فقال “الاثنان فما فوقهما جماعة” كما تقدم في أبواب الجماعة وقد انعقدت في زمانه الصلوات بهما بالإجماع، والجمعة صلاة، فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المُعْتبر في غيرها، وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث وكذلك قال السيوطي: لم يثبُت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص.(انظر: الحاوي للفتاوى للسيوطي: نيل الأوطار للشوكاني، فتح الباري لابن حجر، والروض الأنف للسهيلي).

 

أما مكان صلاة الجمعة فقال فيه أبو حنيفة: الجُمعة لا تُقام إلا في المُدن دون القُرى، والدليل ما رُوي عن علي مرفوعًا “ولا جُمعة ولا تَشْرِيق إلا في مَصْر جَامِع” وقد ضعَّف أحمد رفع هذا الحديث، وصحح ابن حزم وقفه، وللاجتهاد فيه مجال فلا ينتهض للاحتجاج به.

 

وعن ابن عباس: أول جُمعة بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسجد عبد القيس بجؤاثي من البحرين.(رواه البخاري وأبو داود)، وقال: جؤاثى قرية من قرى البحرين، وروى ابن أبي شيبة عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جَمِعُّوا حيثما كنتم، وهذا يشمل المُدن والقُرى، وصَحَّحه ابن خزيمة وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم، وَيُؤَيِّد عدم اشتراط المدن حديث الدَّوْسية المُتَقَدِّم في بيان العدد الذي تصح به الجمعة.

 

أما المسجد فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنه غير شرط، إذ لم يفصل دليلها ذلك، وهو قوي إن صحت صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بطن الوادي، وقد رويت صلاته في بطن الوادي، ولو لم يُسلم بصحته فإنَّ فِعْلَهَا في المسجد لا يدل على اشتراطه.

 

وجاء في المجموع للنووي أنه لا يُشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البَلْدَة معدودة في خُطتها فلو صَلَّاهَا خارج البلدة لن تصح بلا خلاف، سواء كان بقُرْب البلد أو بعيدًا عنها، وسواء صلوها في ركن أم ساحة.

 

أما المالكية فذهبوا إلى اشتراط المسجد للوجوب والصحة، أو للصحة فقط، ولا تصح في براحٍ أُحيط بأحجار من غير بناء؛ لأنه لا يُسمى مسجدًا، فالمسجد ما له بِناء وسقف.

 

وبناء على ما تقدَّم في بيان العدد والمكان لإقامة صلاة الجمعة نرى وجوب الحِرص على إقامتها بأي عدد كان لمن وُجِدوا في مَحَلةٍ لا يتوفر فيها العدد الكبير، ولا يُشترط أن تكون المَحَلة مُسْتوفية لمقومات القرية أو المدينة، والأرض كلُّها مسجد.

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات