مبادئ الإسلام في الحرب والسلام (3)

عبد العزيز بن عبد الله السويدان

2016-02-16 - 1437/05/07
عناصر الخطبة
1/ التحذير من تجاوز ضرورات الحرب 2/ مبادئ الإسلام في الحرب 3/ أبرز مظهر للعلاقات الدولية في حالة السلام المعاهدات 4/ تأملات في العهد العمري بين المسلمين والفلسطينيين 5/ منهج الإسلام في العلاقات الدولية.
اهداف الخطبة

اقتباس

قتل الصحفيين من المسلمين أو غير المسلمين وأمثالهم من المدنيين من غير المقاتلين ممن لم يحمل سلاحًا ولم يقاتل ولم يعن على القتل ليس من الإسلام في شيء بل هو وحشية وهمجية وقتل واعتداء بغير حق. وفوق ذلك كله هو تشويه سافر لصورة الإسلام دع عنك التبجح بذلك أمام عدسات التصوير حتى صيَّروا من قطع الرؤوس والوحشية والتفنن في الذبح مثالا ورمزا للإسلام في نظر العالم فما أسوأه من نظر! وما أبشعها من دعاية للإسلام وسماحة الإسلام!

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وقفنا الأسبوع الماضي عند مبدأ الثالث من مبادئ الإسلام في الحرب وهو عدم تجاوز ضرورات الحرب، وذلك في قوله (وَلاَ تَعْتَدُواْ) قال الطبري: "كتبت إلى عمر بن عبدالعزيز أسأله عن قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190]، قال: "فكتب إليَّ أن ذلك في النساء والذرية، ومن لم ينصب لك الحرب منهم".

 

وعن ابن عباس في تفسير الآية ذاتها يقول ابن عباس: "أي لا تقتلوا النساء ولا الصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم وكفَّ يده؛ فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم".

 

وروى الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) [البقرة:193]، قال يقول: لا تقاتلوا إلا من قتلكم".

 

فقتل الصحفيين من المسلمين أو غير المسلمين وأمثالهم من المدنيين من غير المقاتلين ممن لم يحمل سلاحًا ولم يقاتل ولم يعن على القتل ليس من الإسلام في شيء بل هو وحشية وهمجية وقتل واعتداء بغير حق.

 

وفوق ذلك كله هو تشويه سافر لصورة الإسلام دع عنك التبجح بذلك أمام عدسات التصوير حتى صيَّروا من قطع الرؤوس والوحشية والتفنن في الذبح مثالا ورمزا للإسلام في نظر العالم فما أسوأه من نظر! وما أبشعها من دعاية للإسلام وسماحة الإسلام!

 

وفي تفسير الآية الكريمة (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا) [المائدة: 2]، قال ابن كثير: "ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، على أن تعتدوا حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال".

 

وقال بعض السلف: ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.

 

وفي تفسير الآية الكريمة: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، قال الإمام القرطبي: "دلت الآية على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه وأن المثلة بهم غير جائزة، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثله قصدًا لإيصال الهم والحزن إليهم".

 

وفي تفسير قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ) قال القرطبي قال ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد "هي محكمة، أي: قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم".

 

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:"اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب"، وكان عمر بن عبدالعزيز لا يقتل حراثًا.

 

ويدل تاريخ الإسلام في كل العصور على أن المسلمين الملتزمين طبقوا هذا المبدأ دون استثناء.

 

معاشر الإخوة: إن إنشاء الحرب في الإسلام لا يخضع للأطماع، وإنما ينشئ الإسلام الحرب كارهًا لها، ولا يفعل ذلك إلا في حالات الضرورة؛ إذ لا بد من الحرب أحيانًا لإحقاق الحق ودرء الظلم ودفع الفساد، وكل ذلك إعلاءً لكلمة الله.

 

وإذا أنشأ الإسلام الحرب أقامها على العدل؛ فإن الحرب في الإسلام لا تُدار بالأهواء والأحقاد كما هي حروب عصر الحضارات ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام.

 

أيها الإخوة: هذه هي مبادئ الإسلام في الحرب فماذا عن السلم؟

الإسلام أيها الإخوة هو دين السلام ودين الوفاء والمروءة والشهامة، إن أبرز مظهر للعلاقات الدولية في حالة السلام المعاهدات، وقد عني القرآن في زهاء ثلاثين موضعًا منه للتأكيد على وجوب وفاء المسلم بالعهد وتحريم الإخلال به، فعلى سبيل المثال قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] قال ابن كثير "أوفوا بالعقود"، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني بالعقود العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: "والعقود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره"، وعن ابن عباس في تفسيرها قال "أي: لا تغدروا ولا تنكثوا" .

 

وقال تعالى (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)، وقال سبحانه (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، وقال تعالى في ذكر صفات الناجين المفلحين (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون:8]، وقال تعالى (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران:76]، وقال تعالى (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ) وقال تعالى (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) [الرعد:20]، وقال تعالى عن الناكثين: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد:25].

 

انظروا إلى عظمة الإسلام ونقائه وعدله، فإنه حتى في حالة ظهور شواهد نقض العهد من الطرف الآخر، واضطرار المسلمين الذين أبرموا العهد اضطرارهم بسبب ذلك إلى إنهاء العهد فإنه لا يجوز لهم استغلال هذا الإنهاء لتحقيق مصلحة لهم على حساب الطرف الثاني، بل يجب أن يتم إنهاء العهد في وضع من التوازن بين الطرفين بحيث يخبرون الطرف الآخر بإنهاء العقد أنه انتهى، قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) [الأنفال:58]، قال ابن كثير في قوله تعالى (فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء) أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب عليهم وهم حرب لك، وأنهم لا عهد بينك وبينهم على السواء (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) حتى ولو في حق الكفار لا يحب الله -عز وجل- الخيانة والغدر.

 

روى الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال: "كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم"، من غير أن يعلموا قد بيت ذلك -رضي الله عنه-، يعني كان بينه وبينهم أمد فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم.

 

 فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية فسأل فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء" يعني يخبرهم أنه خلاص انتهى هذا العقد "فرجع معاوية بالناس" طاعةً لأمر الله ورسوله.

هذا هو الإسلام وتلك هي أخلاقه.

 

أيها الإخوة: العقود في الإسلام على العموم واجبة الاحترام، ويجب الدخول فيها بنية الوفاء بشروطها مهما تغيرت الظروف، ولكن المعاهدات الدولية في الإسلام لها تميز في هذا عن غيره من الأديان ومن المذاهب والمناهج.

 

وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة"، والفقهاء وهم يرون أن الجهاد يكون مع الأمير الصالح والفاسق يذهب أكثرهم إلى أن الجهاد لا يكون مع الأمير الذي لا يلتزم الوفاء بالعهود.

 

وعلى خلاف القانون الدولي في الحضارة المعاصرة؛ فإن تغير الظروف لا يبرر نكث العهد بل حتى لو عجز المسلمون في ظروف معينة عن الوفاء بالتزاماتهم يجب عليهم مراعاة التزامات الطرف الآخر، ومن هذا الباب القصة المشهورة أيضًا عندما استولى القائد المسلم أبو عبيدة بن الجراح على حمص ثم اضطر إلى الانسحاب منها رد الجزية التي أخذها من السكان النصارى إليهم وقال: "إننا أخذنا الجزية مقابل حمايتكم، وما دمنا الآن لا نستطيع أن نحميكم فقد وجب أن نردها إليكم".

والأمثلة كثيرة من هذا النوع في التاريخ الإسلامي.

 

فتغير الظروف والمصلحة القومية لا تبرران في الإسلام نقض العهد، كما لا يبرره أن يرى المسلمون أنفسهم في مركز القوة تجاه الطرف الثاني، قد ورد النص الصحيح في القرآن يؤكد، ففي سورة النحل قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [النحل:92].

 

تكون أمة أقوى من أمة وأعلى منها، ثم قال بعد ذلك بثلاث آيات (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [النحل:95]، العهد هو العهد لا تشتروا به شيئًا من الدنيا.

 

وفي هذا التأكيد دلالة على تشديد القرآن على المسلمين بالوفاء بالعهد في وقت حاسم من مراحل تكوين الأمة المسلمة.

 

نزلت هذه الآيات أيها الإخوة في وسط الصراع المحتدم بين الأمة المسلمة وبين الأعداء الغادرين وفي بيئة لم تكن القاعدة فيها الوفاء بالعهود يأتي القرآن بهذا التشديد والتأكيد على الوفاء وترونه يذم هذه البيئة يقدمها لنا في صورة ذميمة في قوله تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ) [الأنفال: 55- 56]، هؤلاء بهائم.ط

 

ويقول تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [التوبة: 8- 10].

 

وقال عن اليهود: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [البقرة:100]، هكذا هو الإسلام -أيها الإخوة- في تعامله مع الآخرين في السلم وقت الوفاء بالعهود والمواثيق.

 

أسأل الله أن يحمينا والمسلمين من شر كل ذي شر واستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فبالرغم من إيقان المسلمين بأنه لا خيار لهم في عدم الوفاء بالعهد تحت أي ظرف، وبالرغم من معرفتهم أن الطرف المقابل لا يحمل مثل هذا الالتزام إلا أنهم كانوا -كما يظهر ذلك في تاريخ الإسلام- كانوا يقبلون على إبرام العهد تفاديًا للحرب كلما كان ذلك ممكنًا بصرف النظر عن عدم تعادل الشروط ومعاهدة الحديبية بالرغم مما تضمنته تبدو من الوهلة الأولى مجحفة في حق المسلمين مثال بارز في هذا.

 

ومثال بارز أيضًا كذلك في العهد العمري بين المسلمين والفلسطينيين سكان إيلياء، فبعد انتصار المسلمون على الروم في معركة اليرموك الفاصلة وهزيمة جيش أرتيون كانت فلسطين مفتوحة أمام جيش المسلمين، ولم يكن شيء يحول بينهم وبين الاستيلاء على إيلياء عنوة وبالقوة؛ فقد كان المسلمون أقوى وأقدر، فلما عرض السكان إبرام معاهدة الصلح لم يتردد المسلمون في قبولها بالرغم من اشتراط الفلسطينيين شرطًا غير عادي، وهو أن يحضر الخليفة بنفسه لكي يوقع المعاهدة.

 

يعني يأتي من المدينة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في سفر لمدة شهر، فرضي أمير المؤمنين عمر؛ لأنه يعرف روح الإسلام وما يحبذه القرآن، والذي يقرأ تلك المعاهدة اليوم وهو خالي الذهن من ظروف إبرامها لا يتوقع أبداً أنها معاهدة بين جيش منتصر وجيش منهزم.

 

وإليكم جزء من نصوص تلك المعاهدة:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أعطى عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان لأنفسهم وأموالهم، أعطاهم لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملّتها، أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنقص منها ولا من حيّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية.

 

 ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصُلُبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم.." إلى آخر المعاهدة.

 

ونتذكر أنه وقت كتابة العهد المشار إليه كانت الحرب لا تزال قائمة على أشدها بين المسلمين والروم، والآن أيها الإخوة يتردد سؤال السؤال هو هل منهج الإسلام في العلاقات الدولية منهج واقعي؟

 

قد يخيل لشخص يعيش في هذا العصر الكدر أن منهج الإسلام في العلاقة الدولية وما يقتضيه من مبادئ حاكمة منهج مثالي ليس قابل للتطبيق في عالم الواقع ولكن يرد على هذا أنه بالرغم من أن هذا المنهج كان يطبق من جانب واحد في عصور الإسلام، قد طبقه المسلمون فعلاً كما يشهد تاريخهم على مساحة واسعة من الزمان والمكان، صحيح أن تطبيق المبدأ الثاني من مبادئ الحرب لم يظهر بالوضوح الكافي بسبب أن حالة الحرب الدائمة في العالم كانت هي القاعدة، والصحيح أن المبدأ الأول وجد الإخلال به عدة مرات، وخاصة الحروب بين الجماعات أو الدويلات الإسلامية، ولكن هذه الحروب لم تعتبر قط جهادًا ولا حروبًا مشروعة لا من قبل الفقهاء الذين عاصروها ولا من قبل كُتاب التاريخ اللاحقين.

 

ولكن المبدأ الثالث طبق باستمرار من قبل المسلمين وربما لا يذكر التاريخ حالة واحدة تم الإخلال فيها من قبل المسلمين الملتزمين بأحكام الإسلام.

 

أسأل الله أن يكتب للأمة صحوة قريبة مباركة..

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين..

 

 

المرفقات

مبادئ الإسلام في الحرب والسلام (3).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات