ماذا عن مولد المصطفى –صلى الله عليه وسلم-؟

عبد الله بن علي الطريف

2017-01-08 - 1438/04/10
عناصر الخطبة
1/ المنة ببعثة نبي الأمة –صلى الله عليه وسلم- 2/ بعض واجبات المسلمين تجاه النبي –صلى الله عليه وسلم- 3/ حقيقة محبة النبي –صلى الله عليه وسلم- ودلائلها وعلاماتها 4/ بدعية الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم وبعض المخالفات الشرعية في ذلك 5/ بعض الدلائل والحجج على بطلان الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم 6/ بعض الخرافات والاعتقادات الباطلة المتعلقة بمولده صلى الله عليه وسلم

اقتباس

بعثه الله بالرسالة على رأس الأربعين من عمره، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وهَدَى اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَعَلَّمَ بِهِ مِنَ الجَهالَةِ، وأرشَدَ بِهِ مِنَ الغَيِّ، وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُناً عُمْياً، وَآذاناً صُمّاً، وَقُلُوباً غُلْفاً، وسارَت دَعوَتُهُ مَسِيرَ الشَّمسِ فِي الأَقطارِ، وَبَلَغَ دِينَهُ ما بَلَغَ الليلُ وَالنَّهارُ، وأعاد للحنيفة...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي منَّ (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيراً.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة: اتقوا الله حق التقوى.

 

واعلموا أعظم منَّةٍ وأكبرَ نعمةٍ منَّ اللهُ بها على عباده: أن بعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب ليحكموا بين الناس بالعدل فيما اختلفوا فيه.

 

وكان من أعظمِهم قدراً وأبلغِهم أثراً، وأعمِهم رسالة: محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، بعثه الله -تعالى- لهداية الخلق أجمعين، وختم به النبيين.

 

بعثه الله على حين فترة من الرسل فهدى اللهُ -تعالى- به بعد ضلالِ، وألَّف به بعد فرقة، وأغنى به بعد عيلة؛ فأصبح الناس بنعمة الله إخواناً، فلله الحمد ربِ العالمين.

 

وقد ولد بمكة عام الفيل في شهر ربيع الأول ولا خلاف بأن ولادته كانت يوم الاثنين؛ فقد روى مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ".

 

وقد اختلف في تحديد تاريخ هذا اليوم على أقوال؛ منها: أنه ولد في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول، وقيل: الثامن، وقيل: العاشر، وقيل: في الثاني عشر، وقيل: السابع عشر، وقيل: في الثاني والعشرين.

 

وقد مات أبوه وهو حمل في بطن أمه، ثم ماتت أمه وعمره ست سنين، ثم كفله جده ثم مات وهو ابن ثمان سنين ثم كفله عمه أبو طالب.

 

وشب عليه الصلاة والسلام على الأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة.

 

وبعثه الله بالرسالة على رأس الأربعين من عمره، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وهَدَى اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَعَلَّمَ بِهِ مِنَ الجَهالَةِ، وأرشَدَ بِهِ مِنَ الغَيِّ.

 

وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُناً عُمْياً، وَآذاناً صُمّاً، وَقُلُوباً غُلْفاً.

 

فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ، وَأَدَّى الأَمانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَجاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ الجِهادِ حتى أتاه اليقين.

 

وسارَت دَعوَتُهُ مَسِيرَ الشَّمسِ فِي الأَقطارِ، وَبَلَغَ دِينَهُ ما بَلَغَ الليلُ وَالنَّهارُ، وأعاد للحنيفة السمحة ملة أبينا إبراهيم صفاءها وضياءها.

 

أيها الإخوة: إن واجبنا نحو هذه النعمة العظيمة: أن نشكر الله -تعالى- عليها بالتمسك بها، ونعضَ عليها بالنواجذ، ونحافظَ عليها بيضاء نقية كما تركها لنا صلوات ربي وسلامه عليه.

 

والواجب علينا: اتباع هديه بفعل أمره، واجتناب ما نهى عنه، وأن نحبه أكثر مما نحب أنفسَنا وأولادَنا وآباءَنا وأمهاتِنا، وقد أقسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجوب ذلك، فَقَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ" [رواه البخاري ومسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-].

 

وفي حديث آخر عندهما: "مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" [عن أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-].

 

قال ابن بطال والقاضي عياض -رحمهما الله-: "المحبة ثلاثة أقسام: محبةُ إجلالٍ وإعظام كمحبةِ الوالد، ومحبةُ شفقةٍ ورحمة كمحبةِ الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبةِ سائر الناس فجمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصناف المحبة في محبته".

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الآنَ يَا عُمَرُ" [رواه البخاري].

 

أيها الإخوة: محبة الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تقتضي طاعتَه واتباعَه، وتركَ ما نهى عنه، وكلُ عملٍ من أعمالِ العبادةِ يجبُ أن يكونَ موافقاً لما شرعَه، وما لم يشرعه فهو بدعةٌ مردودةٌ؛ فعَنْ عَائِشَة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" [رواه مسلم].

 

"أمرنا" شرعنا الذي نحن عليه. "رد" مردود لا يقبل منه.

 

وعَنْ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وكان منها: "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" [رواه أحمد وهو صحيح].

 

قال شيخنا محمد العثيمين -رحمه الله-: "والأمور المحدثة، يعني بها صلوات الله وسلامه عليه المحدثات في دين الله، وذلك لأن الأصل فيما يدين به الإنسان ربه، ويتقرب به إليه الأصل فيه المنع والتحريم، حتى يقوم دليل على أنه مشروع".

 

أيها الإخوة: إن من جملة البدع ما ابتدعه بعض الناس في شهر ربيع الأول من بدعة المولد النبوي، فيجتمعون في الليلة الثانية عشرة منه في المساجد والبيوت فيصلون على النبي -صلى الله عليه وسلم- بصلوات مبتدعة، ويقرأون مدائح للنبي تخرج بهم إلى حد الغلو الذي نهى عنه الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وربما صنعوا مع ذلك طعاماً يسهرون عليه! فأضاعوا المال والزمان!

 

وقد ادعى جهلاً من يعمل هذه الموالد أنها من محبة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومن لم يفعله يعتبرونه غير محب لله ولا رسوله.

 

أيها الإخوة: إن الاحتفال بذكرى مولده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذه الصورة لا يدل على محبته.

 

وهذه الموالد مبتدعة ومشتملة على منكرات وشركيات واعتقادات واهية تتعارض مع محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي سبق بيانها.

 

ويدل على بطلانها أمور: أن الاحتفال بمولده على الصفة السائدة الآن مضاهاة للنصارى في احتفالهم بذكرى ميلاد عيسى -عليه السلام-.

 

ثم إن الاحتفال بمولد الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس له أساس من الشرع؛ فلم يفعله الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم يكن من سنته، ولم يفعله أصحابه -رضوان الله عليهم- وهم أسبق الناس إلى الخير، ولم يُفْعل بالقرون المفضلةِ، وإنما أُحدث فعله في القرن السادس الهجري، قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- شيخ مصر في زمانه: "هذه الموالد بدعة بلا نزاع، وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد: أحدُ ملوكِ الشراكسة بمصر، ولم نطلع على قصة من قصص المولد النبوي الشريف إلا ورأينا فيها كثيراً من الأخبار الموضوعة" ا. هـ.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف -رضي الله عنهم- أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبتُه وتعظيمُه في متابعتِهِ وطاعتِهِ، واتباعِ أمره، وإحياءِ سنته باطناً وظاهراً، ونشرِ ما بُعث به، والجهادِ على ذلك بالقلبِ واليدِ واللسانِ، فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثرُ هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع، مع مالهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول مما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا" أ. هـ.

 

ثم ما يجري في هذه الموالد من المنكرات التي أعظمها: الشرك الأكبر، وذلك بدعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وطلب الحاجات، وتفريج الكربات منه، وإنشاد الأشعار الشركية في مدحه.

 

ولولا طهارة هذا المكان وجلاله لذكرت لكم بعض ما ينشدون من أشعار شركية يمدحون فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

 

ثم ما ينفق فيه من أموال باهضة لا مبرر شرعي لها، وغيرها من مخالفات.

 

أسأل الله -تعالى- أن يهدي ضال المسلمين ويجمعهم على الحق والدين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أيها الإخوة: إن الاحتفال بمولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يقام ليلةُ الثاني عشر من شهر ربيع الأول؛ كما أنه لا أساس له من الشرع، لا أساس له من التاريخ، وقد تقدم اختلاف أصحاب السير في ذلك إلى أقوال كثيرة ليس لبعضها ما يدل على رجحانه على الآخر.

 

فيبقى تعيين تاريخِ يومِ مولده مجهولاً، وحققه بعض المعاصرين بالتاسع كما قال شيخنا -رحمه الله-.

 

ويقول الفاكهاني: "وقد أحسن أبو عمرو بن العلاء حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب فالشهر الذي مات فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو بعينه الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن".

 

أيها الإخوة: لم نتناول هذه المسألة بالتنبيه على إنكارها وبطلانها لوجودها بيننا ولهح الحمد، وإنما لأنها توجد في كثير من البلاد الإسلامية وتنقلها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، فيشاهدها ويعلم بها القاصي والداني، وربما تأثروا ببعض الأباطيل والأكاذيب التي يقصها القصاص فيها مثل قولهم في حمله وميلاده: بأن أمه لم تر أخف ولا أيسر من حمله، وأنها كانت تلبس التعاويذ من حديد لحفظه فيتقطع، ووقع حين ولادته وقوعاً ما يقعه مولود فقد وقع معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء, وأنه ولد مختوناً أو ختنه جبريل، وأن بعض الأصنام انتكس بمكة لما ولد، وأن إيوان كسرى ارتج وسقط منه أربعة عشر شُرفة، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس التي حول بحيرة ساوة، ورأى الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة وتنتشر في بلاد فارس.

 

قال أهل العلم: الحقيقة أن كل هذه الأخبار إما روايات واهية أو موضوعة أو ضعيفة جداً!

 

وبعد –أحبتي-: ولادة الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولادة معتادة لم يقع فيها ما يستدعي العجب أو يلفت النظر.

 

وما يقيمه بعض المسلمين من موالد لا أصل له بالشرع، فتحرم إقامته وحضوره، وبذل المال له.

 

ونسأل الله أن يهد ضال المسلمين ويبصرهم.

 

 

المرفقات

عن مولد المصطفى –صلى الله عليه وسلم-؟

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات