ماذا أودعتم في صحف العام الماضي؟

بركات أحمد بني ملحم

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ الاعتبار بالأيام 2/ محاسبة النفس 3/ الاستعداد للرحيل

اقتباس

إنكم في هذه الأيام تودعون عاما ماضيا كان على أعمالكم شهيداً، وتستقبلون عاما مقبلا جديدا، فماذا أودعتم في صحف العام الماضي؟ وماذا تستقبلون به العام الجديد؟ فلْيحاسب العاقل منا نفسه، وينظر في أمره؛ فإذا كان قد فرط في شيء من الواجبات وكان ظالما لنفسه فليَتُبْ لله وليتقِهْ، وإن كان طائعا مستقيما فليحمد الله ..

 

 

 

 

 

الحمد لله الذي جعل في اختلاف الليل والنهار تبصرة لأولي الألباب وذكرا، وجعل هذه الدار مجازا تفضي بمن عليها إلى الدار الأخرى، ويسَّر مَن شاء من عباده لليسرى، ويسر مسالك الطاعات وسهلها وجزى على الحسنة الواحدة عشرا.

وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا وترا، شهادة تكون لقائلها يوم المعاد عدّة وذخرا.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله نبيا نصره الله بالرعب وبعثه للخليقة يسرا، مَن صلَّى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا.

اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله الأرفعين قدرا، والأطيبين ذكرا, يقول الحق سبحانه وتعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة:36].

مَن الحي الذي لا يموت؟ من الباقي على الدوام فلا يزول ولا يحول ولا يفوت؟ من المتفرد بتصريف الشهور والأعوام؟ ومن المتوحد بتدبير الليالي والأيام؟ إنه الرب الملك العلام، إنه الله فتبارك الله أحسن الخالقين.

إنَّا لَنَفْرَحُ بالأيام نقطعها *** وكُلُّ يومٍ مضَى يُدْنِي مِن الأجل

نعَم عباد الله! كل يوم يمضي يدنينا من القبور، ويبعدنا عن عامر الدور والقصور، فإلى متى الغفلة؟ إن الموفق من يسعى لصلاح حاله بحيث يكون غده خيراً من يومه، ويومه خيرا من أمسه، وعامه الجديد خيرا من عامه الذي مضى والكيِّس مَن حاسب نفسه عند دخول العام الجديد؛ فيقدر لخطاه مواضعها خشية الانزلاق في مهاوى الردى الأخلاقي والسلوكي والعقدي والفكري.

عباد الله: إنكم بين عام راحل لا تدرون بم رحل عنكم ومضى، ولا تعرفون أحصلتم فيه على غضب من الله أم على رضا، وبين عام قابل لا تدرون ما أبرم فيه من القدر والقضا، ولا تعلمون أفي الأجل فسحة أم انقضى.

عباد الله: كأنكم اتخذتم من الموت عهداً وأمانا، ولم تنظروا إلى فعله بينكم عيانا، كلا والله! لقد أوسع فينا مجالا، وضرب لنا بأخذ أمثالنا أمثالا، ووعظنا والله -لو اتعظنا- فما ترك لقائل منا مقالا.

هذا وكتاب الله يتلى علينا صباحا ومساء! أصمّت الأسماع عن المواعظ وسُدَّت؟ أم قست القلوب من كثرة الذنوب فاسودت؟.

فكل يوم يمر بنا يبعدنا عن الدنيا ويقربنا من الآخرة، ويبعدنا عن عامر الدور والقصور ويقربنا إلى بطون القبور.

فطوبى لعبد اغتنم فرصها بما يقربه الى الله! وطوبى لعبد شغلها بالطاعات وتجنب المعاصي! وطوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات الأمور والأحوال! وطوبى لعبد استدل بتقلبات أمورها وأحوالها على ما لله فيها من الحكم البالغة، والأسرار الدامغة!.

عباد الله: ألم تروا إلى هذه الشمس تطلع كل يوم من مشرقها وتغرب في مغربها وفي ذلك أعظم الاعتبار؟ ففي طلوعها وغروبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار، وإنها دار رحيل وزوال.

ألم تروا إلى هذه الشهور تولد بالأهلة كما يولد الأطفال، ثم تنمو وتنمو حتى تكون بدرا كما تنموا الأجسام ثم يأخذ هذا البدر بالنقص والاضمحلال حتى يختفي، وهكذا عمر الإنسان، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

ألم تروا إلى هذه الأعوام تتجدد عاما بعد عام، فإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد، ثم تمر الأيام سراعا فينصرم العام كلمح البصر فإذا هو آخر العام، وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخره تطلع البعيد فإذا به قد جاءه الموت: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق:19].

عباد الله: إنكم في هذه الأيام تودعون عاما ماضيا على أعمالكم شهيداً، وتستقبلون عاما مقبلا جديدا، فماذا أودعتم في صحف العام الماضي؟ وماذا تستقبلون به العام الجديد؟ فليحاسب العاقل منا نفسه، وينظر في أمره؛ فإذا كان قد فرط في شيء من الواجبات وكان ظالما لنفسه فليتب لله وليتقِه، وإن كان طائعا مستقيما فليحمد الله.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله، وتعظيم أوامره ونواهيه، ومهدوا لتقلبكم من نور القصور إلى ظلمة القبور، وبادروا قبل أن يحل الميعاد، وقبل أن يُنادَى: الرحيلَ الرحيلَ وأنتم بلا زاد، فحينئذ تشتد الحسرة على من فرط في الأعمال، ويطلب الرجعة وحينها لا رجوع ولا إمهال، فيا لها من حسرة تتقطع لها القلوب! حسرة لا تنفع عندها الأموال ولا الأولاد ولا العشيرة ولا الدرجة في الدنيا؛ فالمبادرةَ المبادرةَ قبل أن تنصرم الليالي والأيام!.

وها هو عمر بن الخطاب يقول يوما وهو يخطب بالناس: اليوم نقول مات فلان وفلان، وغداً نقول مات عمر. نعم! وها نحن نقول الآن مات عمر، فأين عمر؟ وأين آدم؟ وأين الآباء والأجداد؟ وأين الخلافات الإسلامية وشعوبها؟.

عباد الله: فالأيام تنقضي لحظة بلحظة، وساعة بساعة، ويوما بيوم، وأسبوعا بأسبوع، وشهرا بشهر، وسنة بسنة، وعقدا بعقد، وقرنا بقرن، فيا مَن بلَغْتَ الخمسين والستين والسبعين من عمرك، ولم يغلب خيرك على شرك، اغتنم آخر أيامك، فالمسالة مسالة وقت، فلا بد وأن ترد الأمانة إلى صاحبها وهو الله.

يا معشر الشباب: الموت لا يفرق بين شاب ومُسن، كم من شاب جاءه الموت وهو قائم على طاعة الله! وفي المقابل؛ كم من شاب جاءه الموت وهو قائم على معصية الله!.

"اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".

ففي الشباب قوة وعزيمة، فإذا هرم الإنسان وشاب ضعفت القوة وفترت العزيمة، وفي الصحة نشاط وانبساط، فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه وضاقت نفسه وثقلت عليه الأعمال، وفي الغنى راحة وفراغ، فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه والعيال، وفي الحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال، فإذا مات العبد انقطعت عنه أوقات الإمكان.

يقول الحسن البصري: ما من يوم ينشق فجره إلا نادى منادٍ مِن قِبل الحق: يا ابن ادم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود بعمل صالح؛ فاني لا أعود إلى يوم القيامة.

ورجل من الصالحين قد جعل لنفسه في بيته قبرا، وجعل لهذا القبر بابا من حديد، فكلما رجع آخر النهار نزل في القبر وأغلق الباب على نفسه وبدأ يحاسب نفسه على ما عمل في ذلك اليوم، ثم يقول لنفسه: يا نفس ارجعي واعملي صالحا قبل أن يأتي يوم فتقولين فيه رب ارجعون فيقال كلا! (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:99-100].

تمرّ علينا الأيام كمرّ السحاب، أو هي أسرع... كأنّها ومضة برق أو غمضة عين! ها نحن وقد كنّا بالأمس القريب جدا نهنئ أنفسنا بعيد الأضحى المبارك، مرّت سنة هجرية كاملة، اقتربنا من الآخرة، سنة كاملة! فهل هي شاهدة لنا أم علينا؟ هل ازددنا فيها من الله قربا؟ هل اقتربنا من الجنّة منزلا؟.

أحبتي في الله: أعدّوا الزاد فإن السفر طويل، والزاد قليل، وصاحب البيت لن يدعنا؛ بل سنطرد من هذه الدنيا طردا، (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الذاريات:50].

قيل لنوح -عليه السلام- وهو على فراش الموت، وقد لبث في قومه يدعوهم ألف سنه إلا خمسين عاما، قيل له: صف لنا هذه الدنيا. قال: والله ما الدنيا عندي إلا كدارٍ لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر، فهذه حال الدنيا.

والله لنخرجن منها كما دخلنا! فطوبي لمن جعل الأعمال الصالحة له فيها زادا وسلما! طوبي لمن شغلها بطاعة! طوبي لمن أحسن العمل وقدم الثمن! وويل لمن أساء وظلم! ليقف كل واحد منا مع نفسه ليحاسبها علي ما مضي، فإن كان خيرا ازداد، وإن كان غير ذلك ندم وأناب.

نسير إلى الآجال في كُلِّ لحظةٍ *** وأعمارُنا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
تَرَحَّلْ مِن الدُّنْيَا بزادٍ مِن التُّقَى *** فعُمْرُكَ أيَّـامٌ وهُنَّ قَلَائِـلُ

وما هذه الأيامُ إلا مراحـلٌ *** يحثُّ بها حادٍ إلى الموتِ قاصِدُ
وأعجَبُ شيءٍ لو تأمَّلتَ أنَّها *** منازل تطوى والمسافر قاعد

 

 

الخطبة الثانية:

عباد الله: إن المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضي لا يدري ما الله صانع فيه, وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه.

أطول الناس عمرا يرى هذه الدنيا كدارٍ لها بابان يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، هذه هي الدنيا من أولها إلى آخرها، ثم ماذا؟ و إلى الله المصير، وعلى الله القدوم، فاتقوا الله، رحمكم الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تعملون) [الحشر:18].

أيها الأحبة في الله: عام هجري كامل بحلوه و مره قد مر وانصرم، وعام ميلادي قد مر وانقضى أيضاً؛ فلنقف -أيها ألأحبة- وقفة مع العام المنصرم كيف مضى هذا العام؟ و هل اعتبرنا بما مر فيه من أحداث وعبر؟.

كم ودعنا في العام الماضي من أخ حبيب, و محب صادق, و أم حانية !كم ضمت الأجداث من أحبابنا! أودعناهم الثرى بأيدينا والعيون عليهم باكية، فهل اعتبرنا بأنا على الأثر وفي الطريق نمشي خلفهم، ونساق كما سيق من قبلنا إلى مصارعنا؟.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

أودعتم في صحف العام الماضي؟

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات