لننتبه لموت الفجأة

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

2015-11-19 - 1437/02/07
عناصر الخطبة
1/ كثرة حدوث موت الفجأة 2/ من صور موت الفجأة 3/ دلالات كثرة موت الفجأة مؤخرًا 4/ من أعظم أسباب السعادة في الدنيا والآخرة 5/ وجوب الاستعداد للموت 6/ كيف نحتاط لموت الفجأة 7/ ولا تنس نصيبك من الدنيا.

اقتباس

قَلِّبْ نَظَرَكَ أَخِي الْكَرِيمَ فِي وَفَيَاتِ عَالَمِ الْيَوْمِ؛ ترى وَفَيَاتٍ مُفَاجِئَةٌ، سَكَتَاتٌ قَلْبِيَّةٌ، وَجَلَطَاتٌ دِمَاغِيَّةٌ، وَذَبَحَاتٌ صَدْرِيَّةٌ، شباب ذهبوا بالسيارات عادوا جنائز.. تَرَى الرَّجُلَ الشَّدِيدَ لَا يَشْكُو بَأْسًا وَلَا يَئِنُّ وَجَعًا، يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ فَلَا يَرْجِعُ.. تَرَى الرَّجُلَ الْمُعَافَى يَنَامُ مِلْءَ الْجُفُونِ فَمَا يَسْتَيْقِظُ إِلَّا عَلَى نِدَاءِ مَلَكِ الْمَوْتِ يَدْعُوهُ لِلرَّحِيلِ.. جَنَائِزُ وَجَنَائِزُ أَصْحَابُهَا مِنَ الشَّبَابِ الْأَصِحَّاءِ، وَلَيْسُوا مِنَ الشُّيُوخِ وَلَا مِنَ السُّقَمَاءِ.. فهل نعتبر!! موتُ الْفَجْأَةِ يَدْعُو كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ وَغَفَلَ أَنْ يَقِفَ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةَ حِسَابٍ وَمُحَاسَبَةٍ، مَاذَا قَدَّمَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ فِي سَالِفِ الْأَيَّامِ؟! مَاذَا عَنِ الْفُتُورِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالتَّقْصِيرِ فِي السُّنَنِ؟!...

 

 

 

الخطب الأولى:

 

‏الحمد لله جعل الموتَ راحةً للمتقين وسلامًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالبقاء والدوام، وأشهد أنّ سيدنا محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأعلام وسلم تسليمًا..

 

أما بعد.. فاتقوا الله عباد الله.. يَسْعَى الْإِنْسَانُ فِي دُنْيَاهُ وَيَجْهَدُ نَفْسَهُ، يَبْذُلُ وَيَكْدَحُ، يُخَطِّطُ وَيُدَبِّرُ، لمَرْكَبٍ وَمَسْكَنٍ، ووظيفةٍ وسفر يَتَنَقَّلُ مِنْ أَمَلٍ إِلَى أَمَلٍ، وَفِي لَحْظَةٍ غَيْرِ مَحْسُوبَةٍ، وَبَيْنَمَا هُوَ فِي صِحَّةٍ وَقُوَّةٍ وَبِلَا مُقَدِّمَاتٍ وَلَا إِنْذَارٍ تَنْزِلُ بِهِ مفاجأة رَهِيبَةٌ..

 

نَزَلَ بِهِ نَازِلُ الْمَوْتُ (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق: 19]، لا من مَرَضَ يَشْتَكِي، وَلَا هَرَمَ يُفْسِدُ، لكنه رَأَى عَيْنَ الْيَقِينِ، مَلَكَ الْمَوْتِ الَّذِي يخشاه، رَآهُ وَرَأَى مَعَهُ مَلَائِكَةً أُخْرَى يَطْلُبُونَ وَدِيعَةَ اللَّهِ (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [السجدة: 11]، إنه عباد الله موت الفجأة الذي كثر وقوعه مؤخراً..

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا *** حَشَرَجَتْ يَوْمًا فَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

 

موت الفجأة يأتي بلا شيخوخة أو مرض، ترى بعضهم يخرج من بيته وأهله فلا يعود إليهم، أو يكون بين أصدقائه أو بفراشه أو منزله، وفجأة يسقط ميتًا، وبعضهم في حوادث خرجوا للنزهة والسفر، وهم بأعمار الشباب فتوفتهم الحوادث..

 

بعضهم بسكتةٍ قلبية تأتي بغتة، أو بجلطةٍ دماغية.. أو عبر الحوادث المرورية، والتي يموت بسببها الآلاف سنويّاً عندنا من الأفراد والجماعات، والتي أصبحت ظاهرة مقلقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

ومن صور موت الفجأة ما يحصل بالجرائم؛ نسأل الله السلامة والعافية..

 

 وقد وردَ بالحديث أن موت الفجأة مِن علامات اقتراب الساعة، وهو رغم قساوته خيرٌ للمؤمن الْمُتقي، ونقمةٌ وشرٌّ على الكافر والعاصي. وإذا كان الموت يأتي بغتةً وفجأة.. فعلى العاقل أنْ يستعدّ لهذا اليوم؛ فالموت الذي أخذ أصحابنا وهم في كامل صحتهم وشبابهم فجأةً ودون أيِّ إنذارٍ وتنبيه, غيرُ بعيدٍ أنْ يأتينا نحن أيضًا! وكم همُ الذين بَنَوا بيوتَهم فلم يُكْمِلُوها؟! أو لم تطل إقامتُهم فيها؟! جمعوا الأموالَ فلمَّا كثرتْ ماتوا وتركوها؟!

 

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب *** متى حُطَّ ذا عن نعشه ذاك يركب

نؤمِّل آمالاً ونرجو نتاجها ***وعلَّ الردى عمّا نرجيه أقرب

ونبني القصور المشمخرات في العلا***وفي علمنا أنا نموت وتخربُ

 

كم كان الواحد منهم يُخبر ويتحدث في المجالس, فما هي إلا سُويعاتٌ حتى أصبح هو خَبَرًا يُتحدَّث عنه في المجالس؟!

 

حكم المنية في البرية جاري *** ما هذه الدنيا بدار قرار

بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبِراً *** حتى يُرى خبراً من الأخبار

 

موتٌ لا يُفرّق بين كبير وصغير, ولا صحيح ومريض.. وإنما أنتَ يا ابن آدم أيَّامٌ إذا ذهب يومٌ ذهب بعضُك, فكلَّما مضى يومٌ فقد دَنَا أجلُك، فالعاقل ينبغي له أنْ يكون مُستعدًّا لأيٍّ لحظةٍ يأتيه فيه ملكُ الموت.. والله -سبحانه -وتعالى فطر الناس عَلَى الْخَوْفِ مِنَ الْمَوْتِ، وَاتِّقَاءِ أَسْبَابِهِ، كَمَا فَطَرَهُمْ عَلَى التَّشَبُّثِ بِالْحَيَاةِ، وَبَذْلِ الْغَالِي وَالنَّفِيسِ فِيهَا، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالْإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ، وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَلَا يُفَرَّطُ فِي الْحَيَاةِ إِلَّا لِمَعْنًى أَعْظَمَ مِنْهَا، كَبَذْلِ الْمُجَاهِدِ نَفْسَهُ رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ –تَعَالَى- وَمَعَ كراهيتهم للموت، فَإِنَّهم ميَّتون (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 26- 27].

 

هَمُّ الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا الاستمتاعُ بِمَلَذَّاتِهَا لأقصى حدّ، وهِمَّةُ الْمُؤْمِنِ منها عِمَارَةُ الْآخِرَةِ، وَالتَّزَوُّدُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، مُسْتَحْضِرًا الْمَوْتَ وَالْقَبْرَ وَالْحِسَابَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ دُنْيَاهُ مزرعةً لِآخِرَتِه.. وَنِسْيَانُ الْمَوْتِ سَبَبٌ للغفلة، وتذكُّره سَبَبٌ لِلزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ; يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ).

 

وَأَكْثَرُ مَا يُخشَى فِي الْمَوْتِ أَنْ يُبَاغِتَك وأنت لم تتهيّأ له! وَإِلَّا فالمرض المُهلِك يُغيّر حياتك، وترخُص عندك الدنيا وتعظم الآخرة فيكون خيراً لك، فمن عادة الإنسان التَّسْوِيفُ فِي التَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَطُولُ الْأَمَلِ وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا..

 

وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُقَدِّرُ اللَّهُ –تَعَالَى- مَوْتُ الْفَجْأَةِ.. فأَنْفُسٌ كَثِيرَةٌ مَا كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّ لحظتها هذه آخِرُ الْعَهْدِ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. فما تدري نفسٌ متى يحين أجلها، ولا بأي أرضٍ تموت!! وَلَيْسَتْ إِلَّا مَقَادِيرَ قُدِّرَتْ عَلَى بَنِي آدَمَ، كَانَتْ هَذِهِ أَسْبَابَهَا، كَبُرَتِ الْأَسْبَابُ أَمْ صَغُرَتْ.

 

تُؤَمِّلُ في الدُّنْيا طويلاً ولا تدري*** إِذا جنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعْيشُ إلى الفَجْرِ؟!

فكم مِنْ صَحِيْحٍ مَاتَ مِنْ غَير عِلَّة ***وكم من عليل عاش دهراً إلى دهر

وَكَمْ مِنْ فَتىً يُمْسِي وَيُصْبِحُ آمِنا *** وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهْوَ لاَ يَدْرِي

 

عباد الله.. مَوْتُ الْفَجْأَةِ لَا يُذَمُّ وَلَا يُمْدَحُ، فَقَدْ يَكُونُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ كَمَا يَكُونُ عُقُوبَةً عَلَى الْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ، فَالعاقل إن كَانَ مُسْتَعِدًّا لِلْمَوْتِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فإنه رَحْمَةٌ فِي حَقِّهِ، وَتَخْفِيفٌ عَلَيْهِ.

 

وَمَنْ كَانَ مُتَثَاقِلًا عَنِ الطَّاعَاتِ، مُسَارِعًا إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنَّ مَوْتَ الْفَجْأَةِ نِقْمَةٌ عَلَيْهِ وَعَذَابٌ فِي حَقِّهِ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ من عملٍ غير صالح أو تقصيرٍ في الحقوق وتِلْكَ النِّهَايَةُ اسْتَعَاذَ منها -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي دُعَائِهِ.. "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرَقِ" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

وَالْجَامِعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْبَعِ مَعَ شِدَّتِهَا أَنَّهَا تَأْتِي فَجْأَةً..نسأل الله السلامة والعافية.

 

 وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَدَرِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَتَدْبِيرِهِ، وَالدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَكَانَ مِنْ دُعَائه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ قَدْ يَكُونُ مِنْ فُجَاءَةِ النِّقْمَةِ، ثُمَّ إِنَّ فَجْعَ الْإِنْسَانِ بِمَوْتِ حبيب أَوْ قَرِيبٍ فِيهِ زَوَالُ النِّعْمَةِ، وَتَحَوُّلُ الْعَافِيَةِ; وَلِذَا تَعَوَّذَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منه، فحافظوا عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ الْمُبَارَكِ..

 

وَمِنَ الْأَدْعِيَةِ النَّافِعَةِ فِي دفع مُفَاجَأَةِ الْبَلَاءِ فِي النَّفْسِ وَالْوَلَدِ قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ).

 

قَلِّبْ نَظَرَكَ أَخِي الْكَرِيمَ فِي وَفَيَاتِ عَالَمِ الْيَوْمِ؛ ترى وَفَيَاتٍ مُفَاجِئَةٌ، سَكَتَاتٌ قَلْبِيَّةٌ، وَجَلَطَاتٌ دِمَاغِيَّةٌ، وَذَبَحَاتٌ صَدْرِيَّةٌ، شباب ذهبوا بالسيارات عادوا جنائز.. تَرَى الرَّجُلَ الشَّدِيدَ لَا يَشْكُو بَأْسًا وَلَا يَئِنُّ وَجَعًا، يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ فَلَا يَرْجِعُ.. تَرَى الرَّجُلَ الْمُعَافَى يَنَامُ مِلْءَ الْجُفُونِ فَمَا يَسْتَيْقِظُ إِلَّا عَلَى نِدَاءِ مَلَكِ الْمَوْتِ يَدْعُوهُ لِلرَّحِيلِ.

يَا نَائِمَ اللَّيْلِ مَسْرُورًا بِأَوَّلِهِ *** إِنَّ الْحَوَادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أَسْحَارًا

 

جَنَائِزُ وَجَنَائِزُ أَصْحَابُهَا مِنَ الشَّبَابِ الْأَصِحَّاءِ، وَلَيْسُوا مِنَ الشُّيُوخِ وَلَا مِنَ السُّقَمَاءِ..فهل نعتبر!! موتُ الْفَجْأَةِ يَدْعُو كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ وَغَفَلَ أَنْ يَقِفَ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةَ حِسَابٍ وَمُحَاسَبَةٍ، مَاذَا قَدَّمَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ فِي سَالِفِ الْأَيَّامِ؟! مَاذَا عَنِ الْفُتُورِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالتَّقْصِيرِ فِي السُّنَنِ؟! فَكَمْ مِنْ مُحَرَّمَاتٍ هَتَكْنَاهَا! وَفَرَائِضَ ضَيَّعْنَاهَا! وَكَبَائِرَ تَهَاوَنَّا بِهَا! أَمَا شَعُرْنَا وَاسْتَشْعَرْنَا أَنَّ الْأَفْعَالَ مَكْتُوبَةٌ وَالْأَقْوَالَ مَحْسُوبَةٌ (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80]، أفلا نَتَذَكَّرُ الْقَبْرَ الْمَحْفُورَ، وَالنَّفْخَ فِي الصُّورِ، نَتَذَكَّرُ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ، وَالسَّمَاءَ يَوْمَ تَمُورُ..

 

نَتَذَكَّرُ الصِّرَاطَ حِينَ يُمَدُّ لِلْعُبُورِ*** فَهَذَا نَاجٍ وَهَذَا مُكَدَّسٌ مَأْسُورٌ

 

ولو علم أحدُنا بأنَّه ميِّتٌ غدًا فهل سَيَظل مُعادياً لأخيه المسلم؟! ومقاطعاً لقريبه وذوي رحمه أو يؤذي زوجته، ويهمل أولاده، هل سَيَسْتَمِرّ على سماع ورؤية الحرام؟! هل ستفوتُه صلاةُ الفجر والصلوات.. هل سيفرط بالأعمال الصالحة وأجورها العظيمة؟ هل سيفرط بجنة يتكئ أهلها (عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان: 13- 21].

 

جنةٌ يُقال لأهلها.. (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الزخرف: 70- 71]، كلُّ هذا النعيمِ المقيم, والجزاءِ العظيم، (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) [الزخرف: 72- 73].

 

نعيمٌ يدوم فلا ينقطعُ ولا يحول مُقابلَ أعمالٍ تنفعنا في دنيانا قبل أُخرانا, فذكر الله تطمئن به القلوب، وهو تحقيقٌ للتوحيد، والصلاة عبادة وراحةٌ للبال, فإذا حَزِبه -صلى الله عليه وسلم- أمرٌ صلّى، وقال: "أرحنا بالصلاة يا بلال"، وبذلُ المال في الزكاة برٌ وصلة ونجاة في الدنيا والآخرة، والصوم لله وهو يجزي به، والحج والعمرة كفارة للذنوب..

 

والصدقةُ تطفئ غضب الرب وتدفع عن ميتة السوء، وكذلك الامتناع عن المحرمات وما فيها من أمراض نفسية وعضوية.. هذه أعمال فرضها الربُّ الكريمُ الرحيمُ بعباده, فمن قام بها فجزاؤه السرور بعد الموت..

 

وإنَّ من أعظم أسباب السعادة في الدنيا والآخرة والعيشِ الرضيّ والهنيّ.. أنْ يتحرى المسلم الأكل الحلال، وأنْ يجتنب كلَّ مالٍ جاء عن طريق الحرام والظلم والربا.. ونحن أحوج ما نكون إِلَى سَلَامَةِ القلوب وَاسْتِقْرَارِهَا وَعَدَمِ تَوَتُّرِهَا، وعلاج ذلك دوام ذِكْرِ اللَّه; وَلْيَتَّقِ الْعَبْدُ ظُلْمَ النَّاسِ وَالتَّعَدِّيَ عَلَيْهِمْ وَبَخْسَهُمْ حُقُوقَهُمْ، فَكَمْ مِنْ مَظْلُومٍ دَعَا عَلَى ظَالِمٍ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ!! اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها, ونسألك حُسن الخاتمة, والثبات حتى الممات. واجعلنا من نعمتك لرحمتك..

 

عباد الله.. مَنْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ فَجْأَةً فَلْيَحْتَسِبْ وَيَصْبِرْ فَوْرَ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَيَسْعَى فِي نَفْعِهِ بِالصَّدَقَةِ عَنْهُ وَالدُّعَاءِ لَهُ، وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ; كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.. إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ.. نَعَمْ" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَبِمَا أَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَفْجَأُ الْعَبْدَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمُجَانَبَةِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ لِبَيَانِ مَا لَهُ عَلَى النَّاسِ، وَمَا لِلنَّاسِ عَلَيْهِ، وَكِتَابَةُ الْوَصِيَّةِ لَا تُقَرِّبُ الْأَجَلَ، كَمَا أَنَّ عَدَمَ كِتَابَتِهَا لَا تُبْعِدُهُ، قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.."مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ" (متفق عليه).

 

اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة يا أرحم الراحمين.. أقول قولي..

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد..

 

أَخِي الْمُبَارَكَ.. أيها الشاب هَا أَنْتَ فِي زَمَنِ الْإِمْهَالِ وَزَمَنِ الْأَعْمَالِ، هَا أَنْتَ فِي كَامِلِ صِحَّتِكَ وَقُدْرَاتِكَ الْعَقْلِيَّةِ، رَحِيلُكَ يَقِينٌ، وَسَفَرُكَ قَرِيبٌ، فَأَعِدَّ لِهَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ عُدَّتَهَا وَزَادَهَا، قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ الصَّرْعَةُ، فَتَتَمَنَّى حِينَهَا الرَّجْعَةَ، يا مقصِّراً بالعبادات والصلوات، ويا من عققت بالآباء والأمهات ومارست بعض المحرمات ألا تخشَ الموت وقد يفجأك في حادثٍ، ولا تستطيع تدارك التوبة والرجعة..

 

لقد رأينا من جاءهم الموت فجأة وهم على خيرٍ وطاعةٍ وإحسانٍ للغير، وآلاف الناس تذكرهم بالخير وتدعو لهم، وتشهدُ جنائزهم داعيةً ومُعزيّة، وهي من علامات الخير لهم رحمهم الله وغفر لهم، أما نحن مع الأسف فإن الموت مَوْعِظَةٌ نَكْرَهُ سَمَاعَهَا، وَحَقِيقَةٌ نُلْهِي أَنْفُسَنَا عَنْ تَذَكُّرِهَا، وَهَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ مِنْ أَخْطَائِنَا وَتَقْصِيرِنَا وَسَهْوِنَا وَغَفْلَتِنَا مع يقيننا أن (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران: 185].

 

وَمَنْ أَدَامَ ذِكْرَ الْمَوْتِ لَانَ قَلْبُهُ، وَزَكَتْ نَفْسُهُ، فَصَانَ لِسَانَهُ عَنِ اتهام الْأَعْرَاضِ، وَحَفِظَ جَوَارِحَهُ عَنِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتِ، وَعَامَلَ خَلْقَ اللَّهِ بِمِثْلِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ يقول -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

عِبَادَ اللَّهِ.. إِنَّ تَذَكُّرَ الْعَبْدِ لِلْمَوْتِ، وَاسْتِحْضَارَهُ فِي خَاطِرِهِ وَوِجْدَانِهِ لَا يَعْنِي أَنْ يَنْعَزِلَ عَنْ حَيَاةِ النَّاسِ، وَيَتْرُكَ الطَّيِّبَاتِ ولا يستمتع بالحلال، وَيَنْقَطِعَ عَنِ الْعَمَلِ وَالسَّعْيِ فَيُضَيِّعَ أَهْلَهُ وَمَنْ يَعُولُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنْ يُصَفِّيَ الْمَرْءُ بِهَذَا التَّذْكِيرِ ضَمِيرَهُ مِنْ كُلِّ نَزْوَةٍ وَشَهْوَةٍ، وَأَنْ يَسْتَعِدَّ لِمَا أَمَامَهُ بِفِعْلِ الْخَيْرِ وَالْمُسَارَعَةِ فِي أَلْوَانِ الْبِرِّ.

 

 وأبشروا برحمةٍ من الله ورضوان؛ فمن عَاشَ عَلَى خَيْرٍ مَاتَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ مَوْلَاهُ، سَعِيدًا بِطَاعَتِهِ وَرِضَاهُ، فَـ "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ".

 

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونسألك مغفرتك ورحمتك، واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله.. ونعوذ بك من سخطك والنار ومن سوء الخاتمة وعاقبة الأوزار يا عزيز يا غفار..

 

 

المرفقات

لموت الفجأة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات