لبيك اللهم لبيك

ياسر بن محمد بابطين

2015-09-14 - 1436/12/01
التصنيفات: التربية الحج
عناصر الخطبة
1/ نداء الخليل بالحج 2/ عظم الشوق والحنين لحج بيت رب العالمين 3/ الحث على المبادرة بالحج 4/ صور من شوق السلف للحج والزيارة.

اقتباس

أيّ قلب لا يشتاق إلى تلبية النداء وإجابة الدعاء والانضمام إلى وفد ملك الأرض والسماء؟! أيّ عين لا تذوب بدمعها شوقا إلى البيت وحنينًا إلى الصلاة فيه والأنس في رحابه؟! لقد جعل الله حبّ البيت الحرام سرًّا في قلوب عباده، يستنفرهم من كل فج رجالاً وركبانًا، فما تزال الأفئدة تهوي إليه وتتوق إلى رؤيته والطواف به.. مئات الألوف من هؤلاء وهؤلاء يتقاطرون من أصقاع الأرض الشاسعة ليلبوا نداء إبراهيم الذي نادى به منذ آلاف السنين...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

ثم أما بعد: يقول الله تبارك وتعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[الحج:27]، عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يبلغُ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ، فنادى إبراهيم: أيها الناس، إنّ ربكم قد اتخذ بيتًا فحجّوه، فتواضعَت الجبال حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من بالأرحام والأصلاب، وأجابه كلّ شيء سمعه من حجر أو مدر ومن كتَب الله أن يحجّ إلى يوم القيامة. قال سعيد بن جبير: وقرت في قلب كلّ ذكر أو أنثى. وقال مجاهد: من حجّ اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ.

 

لقد نادى بها الخليل -عليه السلام-، وبلغها رب العالمين كل سمع وقبل، فها هو الوعد يتحقّق منذ إبراهيم -عليه السلام- وإلى اليوم، وسيظلّ حتى يُظلّ الناس زمان لا كعبة فيه، فعند الحاكم والطبراني وصححه الألباني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "استمتعوا من هذا البيت - يعني الكعبة - فإنه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة" أي: يهدم فلا يبنى إلى قيام الساعة.

 

 فيا لله، إذا أظل زمانٌ لا كعبة فيه، ينقضها ذو السويقتين رجلٌ من الحبشة حجرًا حجرًا، فلا تبنى بعد ذلك، ولا يكون حجٌ ولا قبلةٌ ولا حجرٌ ولا مطاف، كيف بالأرض يومها إذا أقفرت من هذه المعالم، فاستوحشت واستوحش أهلها، عن شعبة قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت".

 

أيها المؤمنون، لقد جعل الله حبّ البيت الحرام سرًّا في قلوب عباده، يستنفرهم من كل فج رجالاً وركبانًا، فما تزال الأفئدة تهوي إليه وتتوق إلى رؤيته والطواف به. الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه، مئات الألوف من هؤلاء وهؤلاء يتقاطرون من أصقاع الأرض الشاسعة ليلبوا نداء إبراهيم الذي نادى به منذ آلاف السنين. يا إبراهيم، نادهم ليحصل نفعهم في معادهم، وأتِ بهم من بلادهم، وأخرجهم عن أهلهم وأولادهم، فليقصدوا بابي مسرعين رجالا، (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً).

 

 يا غافلا عني أنا الداعي، يا متخلّفًا عن زيارتي أنا ألقى الساعي، يا مشغولاً عن قصدي لو عرفت اطّلاعي، أنا أقمت خليلي، يدعو إلى سبيلي، وأقبلت بتنويلي على محبيّ إقبالاً، (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً).

 

لله در أقوام فارقوا ديارهم، وعانقوا افتقارهم، وآثروا غيارهم، وطهروا أسرارهم، يدعون عند البيت قريبًا سميعا، ويقفون بين يديه بالذلّ جميعا، ويسعون في مراضيه سعيًا سريعا، قد ودّعوا شهواتهم توديعا، فأفادهم مولاهم أن رجعهم من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم أطفالا، (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً). أيّ قلب لا يشتاق إلى تلبية النداء وإجابة الدعاء والانضمام إلى وفد ملك الأرض والسماء؟! أيّ عين لا تذوب بدمعها شوقا إلى البيت وحنينًا إلى الصلاة فيه والأنس في رحابه؟!

 

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: نحر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صُدّت عن البيت - لأنه لم يعتمر بل صالح قريشا ورجع - حنّت كما تحنّ إلى أولادها. لا إله إلا الله، الإبل تحنّ لما صدّت عن البيت وقلوب البشر لا تحن! الإبل تُصَدّ فتشتكي وبعض الناس يعرِض والسبل ميسورة!

 

 فيا من تيسرت له السبل وانفتح أمامه الطريق، هذا ربك يستزيدك فحيّ على زيارته، ولا تقعدن وتكسلن فتحرم يوم يربح المجدّون، وتندم يوم يكرّم الفائزون، فإذا رأيت مقامهم غدًا قلت: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا. عن أبي سعيد مرفوعًا: "إن الله -عز وجل- يقول: إن عبدًا صحّحت له جسمه وأوسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ لمحروم" (رواه أبو يعلى والحاكم وصححه الألباني).

 

فبادر أيها المؤمن، فما للحج المبرور جزاء إلا الجنة، وأقبل لتُغسل من خطاياك فترجع نقيّا كيوم ولدتك أمك، ولا تقل: غدًا؛ فإن لغدٍ مقادير لا تملكها ولا تدري بها، عن الفضل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة" (رواه الإمام أحمد بإسناد حسن).

 

أيها المؤمنون، أليس يكفي الحاج أنه ضيف على الله تعالى؟! فعن ابن عمر مرفوعًا: "الغازي في سبيل الله -عز وجل- والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم". أليس يكفيه أنه في ضمان الله وحفظه ورعايته؟! أليس يكفيه أن أفضل العمل عند الله -عز وجل- الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها؟! أليس يكفيه أن يسير في ركب المؤمنين دليلهم: "خذوا عني مناسككم" وحداؤهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك؟! وما أحلاه من حداء.

 

"لبيك اللهم لبيك": إجابةً - يا رب - بعد إجابة، يلبي الحاج بهذا النداء الحبيب إلى الله، مستجيبًا لنداء الله، فيذكر الخليل وهو يستجيب لربه يوم أراه في المنام أن يذبح ابنه، فمضى الشيخ الجليل بابنه الشاب يذبحه، يُمرّ السكين على رقبته والابن يقول: يا أبت، افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. أليس تمتلئ نفس الحاجّ بروعة هذا المشهد وعظمة تلك القلوب المؤمنة يوم استجابت لله في أعزّ ما تملك؟! إن للتلبية في الحج أسرارًا عجيبة، فعن أبي هريرة مرفوعًا: "ما أهل مهلّ قط ولا كبر مكبّر قط إلا بشر بالجنة".

 

"لبيك اللهم لبيك" لبى بها الأنبياء من قبل، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر في حجه بوادي الأزرق فقال: "أي وادٍ هذا؟" قالوا: هذا وادي الأزرق، قال: "كأني أنظر إلى موسى -عليه الصلاة والسلام- هابطًا من الثنية له جؤار إلى -تعالى- بالتلبية"، ثم أتى على ثنية يقال لها ثنية هرشي فقال: "أي ثنية هذه؟" قالوا: ثنية هرشي، قال: "كأني أنظر إلى يونس بن متى -عليه الصلاة والسلام- على ناقة حمراء جعدة -أي: مكتنزة لحمًا- عليه جبة من صوف، خطام ناقته خُلبة -أي: من الليف- وهو يلبي".

 نحجّ لبيت حجّه الرسل قبلنا *** ونشهد نفعًا في الكتاب وعدناه

 

"لبيك اللهم لبيك" نداء الوحدة الإسلامية يجأر بها الحجيج كلهم؛ عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، رجالاً وركبانًا، صغارًا وكبارًا، وقفوا على صعيد واحد بلباس واحد يدعون ربًا واحدًا، كلهم يلهج بالتلبية.

 

"لبيك اللهم لبيك" خرج بها الحاج من بيته وأهله، فذكرته رحيله عن الدنيا ليلقى ربًا كريمًا، تجرّد من المخيط ولبس ثوبين أبيضين فتذكّر يوم يُجرّد ثم يلفّ في كفنه، واغتسل وتطيّب فتذكر يوم يغسل ويطيب، فما أشبه الحال بالحال.

 

تفيض نفس الحاج بهذه المشاعر الإيمانية الحساسة، يختلط بالناس ويزاحمهم، فيذكر زحام المحشر، لا أنساب ولا أحساب ولا لغات، الكلّ يجأر بشكواه وينادي: رباه رباه. ينصرف من عرفه فيذكر المنصرف من الحساب، فريق في الجنة وفريق في السعير. يذكر بالحر حر جهنم، وبالشمسِ يوم تدنو الشمس من الخلائق قدر ميل فيلجمهم العرق.

 

مشاعر إيمانية صادقة تمتلك قلب الحاج، فتفيض عَبَراته وتتلعثم عِباراته، يريد النجاة وقد أقبل على الكريم أهل التقوى وأهل المغفرة. عن ابن المبارك قال: جئت سفيان الثوري عشيةَ عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تهملان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

 

"لبيك اللهم لبيك" لطالما سمعناها من الحجيج، ولكن أجمل من تردادها على أفواههم تردادها على أفواه أناس يبعثون يوم القيامة ملبين، يقوم الناس من قبورهم فزعين ويقومون هم يلبون: لبيك اللهم لبيك، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فمات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبه، ولا تطيبوه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" متفق عليه.

 

فلا إله إلا الله، ما أعزها من ميتة، وما أشرفه من قدوم، أن يقدم على الله يوم القيامة ملبيًا. كان الحافظ البرزالي إذا قرأ حديث ابن عباس هذا بكى ورقّ قلبه، فأكرمه الله بأن توفي وهو محرم في طريقه إلى الحج، رحمة الله عليه.

 

روح دعاها للوصال حبيبها *** فسعت إليه تطيعه وتجيب-ه

يا مدعي صدق المحبة هكذا *** فعلُ الحبيب إذا دعاه حبيبه

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:26-29].

 

أقول ما تسمعون...

 

 

المرفقات

لبيك اللهم لبيك2.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات