لا تبطلوا أعمالكم

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

2015-08-18 - 1436/11/03
عناصر الخطبة
1/ كثرة كدّ الناس في الدنيا 2/ لا مفر من لقاء الله تعالى 3/ أهمية حرص المسلم على العمل الصالح 4/ العبد بين الخوف والرجاء 5/ خوف الصحابة من عدم قبول أعمالهم مع شدة اجتهادهم 6/ تحذير وبيان عن مبطلات الأعمال 7/ ذكر عدد من محبطات الأعمال.

اقتباس

المؤمن يرجو رحمة الله، ويخاف من ذنوبه أن تحيط به، وهذا ما جعل أسلافنا -رحمهم الله- بين الخوف والرجاء.. ولقد جاء في القرآن الكريم وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تحذير وبيان عن مبطلات الأعمال؛ ليكون المسلم والمسلمة على حذر من هذه الأعمال، لئلا يحبط عمله وهو لا يشعر، وهي رُتَب؛ أشدها وأعظمها الكفر بالله والإشراك به، والنفاق الاعتقادي وهو الأكبر، فمن مات على ذلك فلا يصح منه عمل ومأواه النار وبئس القرار...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي يضاعف الحسنات (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له في ربوبيته كما لا شريك له في إلوهيته وأسمائه وصفاته، فكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا،  وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله وخليله وأمينه على وحيه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.

 

أما بعد: فيا أيها المؤمنون اتقوا الله -عز وجل- وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم.

 

أيها المسلمون: الإنسان في هذه الدار الدنيا يعمل ويجاهد ويكدح، ويكابد إلى أن تصيبه مصيبة الموت ويلاقي ربه؛ فيحاسبه على ما عمل كائن ما كان (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 92- 93]، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [الانشقاق:6].

 

أيها الإنسان: إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحًا، تحمل عبئك، وتبذل جهدك، وتشق طريقك لتصل في النهاية إلى ربك، فإلى الله -جل جلاله- المرجع والمآب، كل إنسان كادح حتى في متاعه، فلا يحصل عليه إلا بجهد وكدّ، إن لم يكن جهد بدن وكد عمل فهو جهد تفكير وكدّ مشاعر.

 

ثم النهاية: المردّ إلى الله -عز وجل- حين تكون الراحة الكبرى والنعيم والرضا في جنة المأوى لأهل التقوى ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.

 

قيل للإمام أحمد -رحمه الله تعالى- متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: "إذا وضع أول قدم في الجنة"، فأولى بهذا الإنسان أن يقبل على مولاه فيحسن العمل ويقصر الأمل ما دام في فسحة من الأجل، أولى به أن يعمل الصالحات، وأن يحافظ عليها؛ لئلا تذهب عليه سدى، ولئلا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.

 

كم هو جميل يا عباد الله أن يحرص الإنسان على العمل الصالح، وأجمل من ذلك وأحسن أن يحافظ عليه، وأن يستمر عليه إلى لقاء الله -عز وجل-.

 

المؤمن يرجو رحمة الله ويخاف من ذنوبه أن تحيط به، وهذا ما جعل أسلافنا -رحمهم الله- بين الخوف والرجاء؛ ذلك أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل- يقلبّها كيف يشاء، فقد تعرض العوارض والقواطع، فتؤثر على العمل فيحرم صاحبه الثواب دون أن يشعر، وقد يزيغ قلبه وينتكس، نعوذ بالله من ذلك.

 

ولقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- مع كمال إيمانهم يخشون أن تحبط أعمالهم وذلك لكمال تواضعهم وعظيم خشيتهم، قال ابن أبي مليكة -رحمه الله-: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل".

 

ذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم -رضي الله عنهم- من ذلك أن يقع منهم، بل هذا على سبيل المبالغة منهم في هذا في الورع والتقوى -رضي الله عنهم وأرضاهم-.

 

ولقد جاء في القرآن الكريم وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تحذير وبيان عن مبطلات الأعمال؛ ليكون المسلم والمسلمة على حذر من هذه الأعمال، لئلا يحبط عمله وهو لا يشعر، وهي رُتَب أشدها وأعظمها الكفر بالله والإشراك به، والنفاق الاعتقادي وهو الأكبر، فمن مات على ذلك فلا يصح منه عمل ومأواه النار وبئس القرار.

 

قال -عز وجل-: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:217].

 

ومن مبطلات الأعمال: أن يعمل المرء العمل الصالح من أجل الناس فقط، لا يريد بذلك الله والدار والآخرة، قال -عز وجل- (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) [الماعون: 4-  7].

 

وقال سبحانه وبحمده: (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [البقرة:264].

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؛ الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" (رواه الإمام أحمد).

 

ومما يبطل العمل: التألي على الله -عز وجل-؛ فإن الله –سبحانه- لا يُسأل عما يفعل وهو الرحيم الرءوف بعباده، فمن أقسم بأن الله لا يغفر لفلان فقد ارتكب ما يحبط العمل فعن جندب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حدَّث أن رجلاً قال: "والله لا يغفر الله لفلان"، وأن الله -عز وجل- قال: "من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان، قد غفرت لفلان وأحبطت عملك" (رواه مسلم).

 

ومما يبطل العمل: مشاقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعاندته قولاً أو عملاً، وعدم طاعته، قال -عز وجل-: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات:2]، وقال -عز وجل- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد:33].

 

ومما يبطل العمل: التكذيب بالقدر، وعقوق الوالدين، والمن والأذى عند الإنفاق قال -عز وجل- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى).

 

وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلاً؛ عاقّ ومنّان ومكذِّب بالقدر" (رواه ابن أبي عاصم والطبراني).

 

ومما يحبط العمل: ترك صلاة العصر حتى يخرج وقتها، فلقد أمر الله بالمحافظة على الصلوات عموما وصلاة العصر خصوصًا (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) [البقرة:238]، وقال عليه الصلاة والسلام: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله"، أي: كأنما أصيب بفقد  أهله وبفقد ماله. (رواه البخاري ومسلم).

 

وقال بريدة -رضي الله عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (أخرجه البخاري).

 

ومما يحبط العمل بالتدريج: الإدمان على شرب الخمر إلا أن يتوب توبة صادقة، قال عليه الصلاة والسلام: "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا؛ فإن تابَ تاب الله عليه، فإن عاد لم تُقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تابَ الله عليه، فإن عاد لم تُقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تابَ تاب الله عليه، فإن عاد في الرابعة لم تُقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه الله من نهر الخبال؛ صديد أهل النار" (رواه الترمذي وغيره).

 

ومما يحبط العمل: الفرح والاغتباط بقتل المؤمن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً" (رواه أبو داود وغيره).

 

وعن معاوية -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يقتل المؤمن متعمدًا أو الرجل يموت كافرًا" (رواه النسائي).

 

وفي صحيح البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".

 

 ومن ذلك: انتهاك المحرمات في السر، ففي الحديث "لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا يجعلها الله هباء منثورًا"، قيل: يا رسول الله! صفهم لنا أن نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: "ألا إنهم من إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها" (رواه ابن ماجه).

 

اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك، اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك سرا وعلانية، اللهم جنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد السرمد حمدًا كثيرا لا ينفد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد،

وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، وأخشى الناس لربه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

 

 أما بعد: فاتقوا الله ربكم يا مسلمون، واحذروا أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، وعظّموا شعائر الله، وحافظوا على حقوق عباد الله، وإياكم والأمن من مكر الله؛ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

 

ومن المهلكات الموبقات: عمل السحر، ومن مبطلات الأعمال إتيان الكهان والمنجمين والمشعوذين والعرافين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (رواه مسلم).

 

هذا لمن أتاهم للاستطلاع والسؤال، أما من صدقهم فقد أخرج الترمذي وأبو داود والإمام أحمد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-".

 

والوعيد شامل لكل من اتصل بهم مباشرة أو عبر قنوات وشبكات، وغير ذلك نسأل الله العفو والعافية.

 

ومما ينقص العمل: اقتناء الكلب إلا كلب ماشية أو زرع أو صيد، فقد روى البخاري ومسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية أو حرث فإنه ينقص من أجره كل يوم قيرطان" وفي رواية "قيراط".

 

ومن ذلك: هجر المسلم لأخيه دون عذر شرعي، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنظرا هذين حتى يصطلحا" (رواه مسلم وغيره).

 

جاهد نفسك على سلامة قلبك لإخوانك المسلمين، واحذر أن تحمل في قلبك غلاً وحقدًا أو غشًّا أو حسدًا لمسلم، أو أن ترميه بكفر أو ردة أو نفاق، وقل كما علمك الله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر:10].

 

اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

 

 

 

المرفقات

تبطلوا أعمالكم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات