كيف يكون إيقاف اليهود المغتصبين عند حدهم وكفهم عن ظلمهم؟ وهل الأقصى في خطر؟

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-08-02 - 1436/10/17
عناصر الخطبة
1/ فضائل المسجد الأقصى 2/ تاريخ المسجد الأقصى وبيت المقدس 3/ اعتداءات اليهود على المسجد الأقصى 4/ هل المسجد الأقصى في خطر؟

اقتباس

خُطبٌ، وأحيانا مهرجانات، وأحيانا كلمات، وأحيانا مقالات مباشرة، أو عبر الشبكات العنكبوتية أو الفيسبوكية، أو سمِّ ما شئت، الأقصى في خطر!!! لا! أبشروا؛ الأقصى والكعبة ومسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيوت الله محفوظة، فمن الذي في خطر؟ هو أنا وأنتم، الفلسطينيون أولا، والعرب ثانيا، والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ثالثا وأخيرا وعموما، فالكل في خطر، البشر في خطر، خطرُ ماذا؟ خطرٌ عظيمٌ كما قلت لكم، أمرٌ سهلٌ ميسورٌ لكنَّ نهايته صعبة...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار. أعاذنا الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب عمل إلى النار.

 

الحمد لله الذي خلقنا مسلمين مؤمنين، أتباعَ سيِّدِ المرسلين محمَّدِ بنِ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم، يتشوّق الإنسان لرؤية اللهِ سبحانه، يسمعَ عنه كثيرا، لكنه لا يستطيع رؤيته، فهذا لا يكون إلاّ في الآخرة.

 

ومن أراد أن يكلمه الله في الدنيا، فليقرأ كتابه، ومن أراد زيارة الله -سبحانه- في الدنيا، فقد جعل الله -سبحانه وتعالى- له بيوتا، وأماكنَ لعبادته هي المساجد، بيوتُ الله، وزوَّارُ اللهِ فيها هم عمَّارها، الذين يعمرونها دائما، فإذا اشتقت إلى الله فعليك ببيتٍ من بيوتِ الله تزورُ فيه اللهَ -سبحانه وتعالى-، عَنْ سَلْمَانَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ, ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ, فَهُوَ زَائِرُ اللهِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ". (الطبراني في الكبير (6139), الصَّحِيحَة (1169), صَحِيح التَّرْغِيبِ (322).

 

المساجدُ بيوتُ الله -سبحانه وتعالى-، وأوَّلُ بيت وضع للناس، المسجدُ الحرام، في مكَّةَ المكرمةِ المشرفةِ المقدسة، حفظها الله -سبحانه وتعالى-، رغم تعرضِها لاعتداءات من البشر، ورغم تعرضها لسيولٍ من المطر، حفظها الله -سبحانه وتعالى-، وليس شرطًا حفظُ الحجارة، لكنْ حفظُ المكان؛ حاول أبرهةُ أن يهدمَها فهُزِم، وحاول غيره أن ينقضها فلم يفلح.

 

وكذلك المسجد الثاني؛ المسجد الأقصى، المسجد الذي كان أولى القبلتين، وهو الآن مع الحرمين، لأن مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- مقدَّمٌ عليه، فعلى الترتيب المسجدُ الحرام الصلاة فيه مائة ألف صلاة، ومسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، والأصح مائتين وخمسين.

 

المسجد الأقصى تعرَّض عبرَ التاريخ لاعتداءاتٍ من الكنعانيين الكافرين، العرب الذين سكنوا بلاد الشام قديما، وتعرض أيضا إلى اعتداء من الفرس، بقيادة نبوخذ نصر أو بخت نصر، ثم بعد ذلك؛ ولوجود الفساد والإفساد في هذا البلد يهلك الله المفسدين ويبقى البلد ويبقى الأقصى، فالأقصى لا يقبل أهل الفساد.

 

الأقصى، بيت المقدس، البلاد المباركة أرض الشام، والأرض لا تقدِّس أحدا، فإذا جاء من يفسد فيها ويسفك الدماء أزاحه الله -سبحانه وتعالى-، طالت مدة الاعتداء أم قصرت،

 

ثم سلَّمه الله -سبحانه وتعالى- إلى المسلمين، وبقي في أيديهم من عهد عمرَ رضي الله تعالى عنه عشرات أو مئات السنين، ثم تلهَّى المسلمون وانشغلوا بالدنيا، وجمعِ الأموال والشهوات فسُلب منهم، سلبه الصليبيون، وبقي معهم ما يقرب من تسعة عقود، حتى استخلصه المسلم القائد السلطان صلاح الدين الأيوبي.

 

ورجع إلى المسلمين مرة أخرى ثم سُلب منهم، قبل عشرات السنين، في الـ (48م) إلى يومنا هذا، وفي هذا الزمان الذي نعيشه؛ ترون بني صهيون واليهود والإسرائيليون ما ذا يفعلون؟

 

ربما جماعاتٌ من المسلمين والمسلمات توجهوا إلى الصلاة الآن في هذه الساعة إلى المسجد الأقصى، ولكنهم محبوسون خارج أسوار المسجد، ممنوع دخلوهم، ومعرضون للضرب أو القتل أو السجن، أو الافتراء عليهم بالسب والشتم وما شابه ذلك، هذا إن كانوا قد فتحوا لأحدٍ ليدخل، فقد أغلقوه قبل ذلك بأيام، وفتحوه وأغلقوه مرة أخرى، وهكذا، هذه عشرات السنين بين أيديهم، وهم يعيثون في الأرض الفساد، وما عملهم وفعلهم في غزة عنكم ببعيد، حيث سفكوا الدماء عدةَ مرات، بعدةِ غاراتٍ في عدةِ سنوات، سفكوا دماء الأطفال والنساء، وقتلوا حتى الشيوخ والكبار، والصغار والشباب، لم يسلَم منهم حجرٌ ولا شجر، لم يسلمْ ولم تسلمْ منهم الطيور الدواجن والبقر، وما شابه ذلك في المزارع، لم تسلم منهم برك المياه، والآبار التي قد دفنوها بمدرعاتهم ودبابتهم، وفي بلادنا في الضفة الغربية يمنعون أهلها من شرب الماء مما هو في أرضهم وديارهم.

 

زرناهم مرة في تلك المنطقة (قرية تسمى: تِلْ) والله أعلم، وإذا بالناس يفرون ومعهم الدلاء، ومعهم الأوعية التي تحمل الماء، ماذا جرى؟ قالوا: جاء جيب العسكري يحمل جنودا إسرائيليين، ماذا يفعلون؟ قالوا: يمنعونا من الماء، الاستقاء بالدلاء يمنعونا من الشرب، ومن الماء الذي يتجمع من مياه الأمطار، منع كل شيء.

 

الآن اليهود الإسرائيليون هم في الإفسادة الأخيرة، -والله تعالى أعلم- أخبر الله عنهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، لكن في الإفسادة الأخيرة يكون عندهم علوٌّ في الأرضِ وفسادٌ كبير، ولو نظرنا إليهم اليوم؛

 

العالم كله ينظر إليهم بعين الاحترام والتوقير من ناحية، ومن عين أخرى ينظرون إليهم نظر الخوف من الانقلابات التي تحدث في شعوب من يتكلم كلمةً ضدَّ بني صهيون، الكلُّ يتوجَّس؛

 

من المحاكم العليا في العالم إلى المحاكم الدنيا، لا يستطيع أن يتكلم أحد فيهم شيئا، أجرأ أناس عليهم هم أنتم بقادتكم ومسئوليكم، تقدمون فيهم شكوى في الأمم المتحدة، من يستطيع أن يقدم في اليهود شكوى، لكن تقدم الشكاوى، من يستطيع أن يقول أريد أن أقدم، والآن سيقدم إن شاء الله، العالم كله صار في علوِّ هؤلاء ينظر إليهم نظرة عجيبة، وعندما فضحهم الفلسطينيون في المحافل الدولية فضحوا، فهم لا يحبون الفضائح، يحبون أن يفعلوا ويقتلوا ويذبحوا ويهجروا، لكن دون ضوضاء، لا نرى عندهم مظاهرات، ولا نرى عندهم احتفالات ببطولات، ولا خطابات ولا صراخات، ولا مسيرات في الشوارع، لأنهم بالقوة يتكلمون، وعلى واقع الأرض هم يجنون ما يريدون.

 

أما نحن! فانظر إلينا؛ الصراخ والعويل، والخطابات والمهرجانات، والاحتفالات والسب والشتم على أنفسنا، فالكل يشتم الآخر ويسبه، والكل يتهم الآخر بالخيانة أو بالزندقة، أو بالكفر، ويعتقد أنه هو فقط على الصواب، هذا لا تجده عندهم، فماذا جنينا من خطاباتنا وانتفاضاتنا وأفعالنا؟

 

الأقصى هو الأقصى عندهم الآن، مكتّفٌ مكبَّل، قتْلُ النساء والأطفال مستمر، ربما بعد أن نذهب إلى بيوتنا، وننظر إلى وسائل الإعلام، ننظر مَنْ جُرح؟ من قُتل؟ من أُسر؟ تَرمَّلَت كثير من نساء المسلمين، واستشهد الكثير، إن شاء الله -سبحانه وتعالى- تكتب لهم جميعا الشهادة، كل من مات على كلمة لا إله إلا الله، تكتب له شهادة عامة أو شهادة خاصة، دنيا وأخرى، أو شهادة دنيا، أو شهادة أخرى.

 

عباد الله! إذن ما المخرج من هذا؟ ما هو المطلوب منا يا عباد الله؟ أقسم باللهِ أنَ المطلوب منا ليس بكثير، وليس بصعب أو عسير، إنه أسهلُ ما يكون، وفي الوقت نفسه؛ إنه أثمنُ ما يكون، وإنه أنفعُ ما يكون، ولكنه أقوى ما يكون، إنه التوجه إلى الله وحده لا شريك له، بقلوبنا، وبالإيمان بالله وحده لا شريك له، تجديدُ الإيمان، تجديدُ التوحيد لله عز وجل، تجديد العبادة والطاعة، جدِّدها في قلبك، لا تجعلْ العبادةَ عادة، لكن حاول أن تحوِّل العادةَ إلى عبادة، الصلاة والصيام والزكاة، والخيرات والطاعات التي تقدمها عبادة لله عز وجل، لا تجعلها مسألةَ عادة، اجعلها عبادةً وذلاًّ وخضوعا لله عز وجل، لتنالَ بها الدرجات، أصلح شأنك مع الله، وأصلح شأنك مع إخوانك المؤمنين المسلمين، من أهل وعشيرة وجيرة، وأقارب ومن يعيش معك، أخوك في الدم والوطن، والعروبة والدين، تنظر إليه بعين الرحمة والأخوة والشفقة.

 

يجب أن لا يكون بيننا هذا الكلام البغيض؛ من تباغضٍ وتفرُّق، ولا شماتة ولا سبٍّ أو لعن أو شتم، لا ينبغي أن يكون بيننا مثل هذا، بل يجب أن يكون بيننا أمران: التناصح فيما بيننا، وليس التفاضح. والدعاءُ بالخير وليس بالشر، تدعو على ظالم ليل نهار يزيد في ظلمه، لكن ندعو له بالهداية، تدعو على الظلام، هل دعاؤك يقطع الظُّلْمة ويقطع الظلام؟ أوقد فيه شمعة، فشتان بين اثنين:

 

أحدهما: معه شمعته لم يشعلها ويدعو على الظلام، فهل ينقشع الظلام؟ لا!

وآخر: أوقد شمعته فهذا تضاء له الطريق، وينقشع الظلام.

 

هذا هو حالنا في هذا الزمان، أكثر الأمة ما عندها إلا اللعن والشتم، والسب واحتقار الآخرين، وكأنه لو ملك زمام أمرِ الأمة فعلَ خيرا من ذلك، وبعض الناس ملك ولم يفعل خيرا من ذلك، ملك الأمة سواء من الشرق أو من الغرب، فصار وساح مع الأمة، مع ما يفعلون.

 

سؤال: هل الأقصى في خطر؟

الأقصى محفوظ من الرومان وفارس والكنعانيين، حفظه الله في ذاك الزمان، وهو محفوظ الآن، ومحفوظ إلى أن يشاء الله عز وجل، عندما يأتي الدجال يريد اقتحام الأقصى يقود اليهود، ويقود المنافقين من هذه الأمة؛ أمةِ محمد -صلى الله عليه وسلم-، خرجوا منها بنفاقهم فاتبعوا الدجال.

 

والأقصى موجود ويصلي فيه الناس، وسيصلي فيه عيسى عليه السلام مأموما، خلف واحد من هذه الأمة، نبي الله وكلمة الله، سيصلي خلف واحد من هذه الأمة، أميرهم في هذا الزمان، ويرفض أن يصلي إماما بتلك الصلاة، صلاة الصبح، ويكون هلاك الدجال ومن معه من اليهود والمنافقين على يديه بأمر الله -سبحانه وتعالى-، ويفر الجميع حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله.

 

إذن هم ينتقمون الآن من الحجر والشجر؛ لأنه سينمُّ عنهم في آخر الزمان، فلا يحبون لنا حجرا، ولا يحبون لنا شجرا، ولا يحبون لنا جنة، بل يحبون لنا النار، بل هم يروننا في هذا الزمان ومنذ أزمانٍ بأننا دوابُّ وحيواناتٌ وصراصير، كما قال بعضهم، وكتب على بعض الجدران، كما في بعض كتبهم، هذه نظرتهم لنا، وإن أخفى كبارهم وساستهم، فلن يخفيَ صغارُهم ومن تعصَّب منهم، فلا يريد أن يبقى هكذا، يريد أن يرفع رأسه ويظهر عقيدته.

 

والمسلم منا يستحي أن يظهرَ إيمانَه وتوحيده، وعقيدتَه في الله، يخجل من اتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسائر الملل لا يستحون من إظهار مناهجهم وإعلان عقائدهم، وإن أخفوا شيئا منها إنما هو لحاجة ولمصلحة، هكذا حالنا معهم، وهكذا حالهم معنا.

 

عباد الله! المخرج مما نحن فيه؛ مع اعترافنا بضعفنا، لا قوة لنا يا عباد الله فيما عندهم، والله لو كان عندنا قوةٌ وجيوشٌ جرارة، وجنود تساويهم أو تفوقُ عليهم ما نفعنا ذلك إلا بالله -سبحانه وتعالى-، جنود يتخذها الإنسان من دون الرحمن لا تغني عنها شيئا، (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) [الملك: 20].

 

وأقلُّ من ذلك؛ ومع ضعفنا الذي نحن فيه، إذا عرفنا الطريقَ والصراطَ المستقيم الذي يؤدي إلى النصر فسعينا فيه، وإلى رحمة الله بنا -سبحانه وتعالى- فدعوناه؛ أن يقوينا على أعدائنا، فلن ننتظر إلا قليلا حتى نجد الريحَ تكون معنا، والأرض تكون معنا، والسماء تكون معنا، فقد سخر الله هذه الجنودَ التي نراها أو لم نرها، سخرها لأمم من قبلنا ليسوا أعزَّ عند الله منَّا عند الله، نحن من أمة محمَّد -يا عباد الله-، لسنا أمَّةً رخيصة، نحن أمَّةٌ غاليةُ ثمينةٌ عند الله، وما ترونه من تسليطِ أعداءِ الله علينا؛ ما هو إلا بما كسبت أيدينا.

 

كلُّ واحدٍ منا الآن ينظر إلى من يجلس عن يمينه ومن يجلس عن يساره، وينظر في نفسه:

 

هل عنده الاستعداد أن يعطي صاحبه الذي يجلس عن يمينه الآن أو عن يساره كلَّ ما معه؟ أو بعض ما عنده من مال؟ يساعده إذا كان محتاجا، كلُّ واحد يكتب للآخر ورقة أنا محتاجٌ كذا، وانظروا النتيجة يا عباد الله، إذا وصلنا إلى درجة أن أخاك يضع يده في جيبك ويأخذ ما شاء دون أن تقول له: (لا) فانتظر الفرج وانصر، هذا بعد تصفية ما بينك وبين الله -سبحانه وتعالى- من حساب، لأن المعاملة الحسنة قد تكون بين الكفار أنفسهم، وبين المبتدعة الضالين، قد تكون حسنة، هذه المعاملة الحسنة أن تكون مع من أخلصَ قلبه ونيته ومعاملته لله -سبحانه وتعالى- أولا، ثم إذا سألنا أنفسنا كيف نحن مع الله؟ ويكون الجواب على هذا بهذه المعاملة الطيبة، فأبشروا بتأييد الله.

 

وانظر حال المسلمين في هذا الزمان، يشرِّقون مع المشرِّقين، ويغرِّبون مع المغربين، لكن يا للأسف ما رأيناهم طاروا مع الطائرين، ولا ارتفعوا مع المرتفعين، بل ربما نزلوا مع النازلين، هذا حال المسلم في مشارق الأرض ومغاربها، إشارات يفهمها الكثير ويغفل عنها الكثير!!

 

لكن أين الشخصية القوية عند المسلم التي تثبت أمام الرياح؟ إن كانت مغرِّبة وقفَ وفكّر في فائدة التغريب، مشرِّقة وقف، فكَّرَ، تدبَّر: هل يوجد فائدة في التشريق، يبحث عن المصلحة الدنيوية وقبلها الدينية، إذا كانت دنيوية هل ترضي الله؟ إذا كانت ترضيه، مباح لك كلُّ شيء إلاَّ ما حرَّم الله عزَّ وجلَّ، المحرمات بين قوسين، قليلة معروفة، فإذا رأيت نفسك هكذا واقفا تتدبَّرُ الأمر، فأنت بخير، وكثر الله أمثالك، وحتى تكون الأمةُ كلُّها أو أغلبُها من أمثالك فأبشر بالنصر.

 

أما أن تجدَ الأمة كالببغاوات تردِّد ما يأتيها من شرق أو من غرب، ترديدا دون تفكير ولا تريث، ليس ترديدا بالقول ولكن بالفعل أيضا، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.

 

إذن هل الأقصى في خطر؟ الأقصى محفوظ، من الذي في خطر؟ هذا الذي سنعلمه في الخطبة التالية إن شاء الله.

 

توبوا إلى الله واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد:

 

خُطبٌ، وأحيانا مهرجانات، وأحيانا كلمات، وأحيانا مقالات مباشرة، أو عبر الشبكات العنكبوتية أو الفيسبوكية، أو سمِّ ما شئت، الأقصى في خطر!!!

 

لا! أبشروا؛ الأقصى والكعبة ومسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيوت الله محفوظة، فمن الذي في خطر؟

 

هو أنا وأنتم، الفلسطينيون أولا، والعرب ثانيا، والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ثالثا وأخيرا وعموما، فالكل في خطر، البشر في خطر، خطرُ ماذا؟ خطرٌ عظيمٌ كما قلت لكم، أمرٌ سهلٌ ميسورٌ لكنَّ نهايته صعبة.

 

فالمطلوب منا أن نبعد خطر الشرك والكفر، والمعاصي والذنوب عن أنفسنا سواء كنا فلسطينيين أو عربا أو مسلمين، خطر الشرك الذي تفشى في الأمة، الذين يصلون ويصومون، يزكون ويحجون، لكن بغير الله يستغيثون، وإلى غير الله بقلوبهم يتوجهون، فالخطر هذا من أكبر الخطر على العباد والبلاد، وخطر ما وقعت فيه الأمة من معاصي الله -سبحانه-، هذا الخطر جرَّ ما وراءه من أخطار؛ من ذهاب البلاد والناس، هذا الخطر الذي تكلمنا عنه أذهب دولة المسلمين في الأندلس، فهل أحد يتكلم عن الأندلس الآن؟ لا،

 

ثم بعد ذلك تكلموا عن قضية فلسطين، اليهود والعرب، ثم كانت قضية فلسطين للفلسطينيين فقط، مسألة تقزيم.

 

ثم بعد ذلك صارت مسألة القدس والأقصى.

ثم أخيرا شرقي القدس، القدس الشرقية، والماضي يُنسَى مع الزمان.

 

هذا هو الخطر الأول، وهو الذي جاء بالخطر الثاني، وهو ذهاب الأمة بأكملها، وسحبُ البساط من تحت أرجلها، فلا يملكون أرضا، ولا يملكون وطنا، وإنما خيراتُها تتبخَّر، ويكثفها الغرب والشرق ويستفيدون منها.

 

كيف كان العرب قبل الإسلام؟ كانوا قبائلَ مثلَ الدول العربية الآن، قبائل مختلفين متقاتلين متناحرين، كلُّ قبيلةٍ تُغِير على الأخرى، ثم ترجع الأخرى فتغيرُ على الأولى وهكذا الحال، جاء الإسلام بكلمة لا إله إلا الله، سار العرب المتقاتلون المتناحرون، الذين بينهم الثارات ذاب ذلك كلُّه في بوتقة الإسلام، بقيت العروبة، وبقيت القبليةُ محكومةُ بلا إله إلا الله، إخوةٌ عندما اعتصموا بحبل الله جميعا ولم يتفرقوا، كان لهم العزُّ والمجدُ والشرفُ؛ أن أسقطوا أكبر دولتين في العالم في ذلك الزمان، أذلوا وأدالوا دولة كسرى ودولة قيصر، دولة فارس والروم، من يستطيع أن يكسر دولة واحدة منهما، المسلمون، وبكلمة واحدة منهم، بلا إله إلا الله، اجتاحوا تلك الدولتين، بأمر الله -سبحانه وتعالى-.

 

ولن يعود مجدٌ لهذه الأمة إلا إذا مشينا وسرنا على تلك الخطى، خطى محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه، وتبدأ هذه الخطوة بما بدأ به عليه الصلاة والسلام: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا" (التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (9/ 282، ح (6528)، انظر: الإرواء (834)، ومشكلة الفقر (44).

 

ولو كان القول بالقول فقط لقالها أبو لهب، لكن علم ما ورائها من انضباط وتمسك بدينهم، فيه حلال وحرام، فيه شرك وكفر وإيمان، لم يقلها أبو جهل ولا أبو لهب، ولا قالها أبو طالب، خشية أن يتكلم عنه العرب، "يا ابن أخي ماذا تقول العرب عني إذا قلت: لا إله إلا الله"، صعبة.

 

والناس اليوم يستحون أن يقولوها، الكثير منهم خصوصا من المسئولين، هذه الكلمة "لا إله إلا الله، بسم الله والحمد لله"، يخجلون منها؛ لأن في هذا الزمان اختلطت الأمور، وشُوِّهت وجوه كثير من الحقائق والقضايا المهمة؛ من أبناء الأمة، جاءوا بصفحة الإسلام البيضاء، يريدون أن يزيلوا ما عليها من غبار، وجاءوا -إن صح التعبير- بفرشاة مليئة بالزفت والقار، ليبيضوا وجه وصفحة الإسلام، فماذا فعلوا؟ سودوا صفحة الإسلام، وهي لم تسوَّد بأمر الله، ولكنهم سوَّدوا الغلافَ الخارجي، وهي بيضاء إذا رُفِع هذا الغلاف ظهرت حقيقة الإسلام، فإن هذا وذاك الذين أمسكوا لينظفوا هذا الشيء بغير أداة التنظيف الحقيقية سوَّدوا سمعتهم، ستكون لهم فترةٌ من الزمن ويرتحلون كما ارتحل غيرهم، لكن يرتحلون غير مرضيٍّ عنهم عند الله؛ لأنهم خالفوا شرع الله -سبحانه وتعالى-، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.

 

نرجع إلى الله -سبحانه وتعالى-، وبكلمة لا إله إلا الله الخالصة من القلوب، والله تهدُّ حصون، وتدكُّ جدران، كما أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر الزمان أن المسلمين سينتصرون بالذكر، بالتكبير "الله أكبر"، فيهدُّ ثلث الجدار، جدار القسطنطينية، "الله أكبر"، يسقط الثلث الثاني، "الله أكبر"، فتفتح القسطنطينية بأكملها أمام المسلمين، فيقاتلون دون سلاح، وينصرهم الله دون قتال، فمتى يكون هذا؟

 

أيكون ويحصل من أمة نائمة عن كتاب ربها وسنة نبيها -صلى الله عليه وسلم-؟ أمة لا تفكِّرْ إلا في الراتب آخر الشهر فقط، إذا فكّرت في الراتب وفي غيره ما في مانع، أمة تفكر في لقمتها في عيشها، فيما يسترها من البرد والمطر، لا مانع؛ لأن هذا أمر جبليّ فطريّ، فلا مانع فيه.

 

أما أن تكون هذه القضية الراتب والفلوس، ومن أجلها نقيم الحروب، ونقيم الدنيا ولا نقعدها، وأين كلمة لا إله إلا الله؟ أين الدعوة إلى الله عز وجل وإلى توحيده في بيوت الله، خطبة واحدة في الأسبوع، في المسجد فقط، وبقية الأسبوع عبر الشاشات يتفرج الناس، أو ينظرون عبر الشبكات العنكبوتية يتفرجون.

 

هذه الخطبة التي يخطبها الخطباء ليتها كانت خالصة لله، بأمر من المسئولين في الأوقاف وغيرهم، يعلمون الناس التوحيد والسنة والدين، المفقود خلال الأسبوع، وخلال أسبوع من السياسة والسباحة وركوب الخيل، نحن في فقر شديد لمعرفة لا إله إلا الله.

 

ومن الأماكن التي يظن أنها تكون لهذا الأمر؛ مساجد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، نذهب الآن إن شاء الله إلى البيوت نفتح الشاشات على من يخطب الآن، في ليبيا مثلا، لأن الشمس تتأخر عنهم، وفي السودان، وفي اليمن وفي الجزائر، وانظروا ماذا يقول الفقهاء والخطباء كل حسب ليلاه،

وكلّ يدعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاك

 كلهم يريد أن ينصر الإسلام، كل منهم يقف على منبر يظن أنه ينصر الإسلام، لكن كيف يا عباد الله؟

 

فالخطبة لن تكون نشرةَ أخبار، ينقصها الوفيات ونشرة الأحوال الجوية، خطبُنا اليوم في معظمها هي كذلك، ويخرج -والله أعلم- من يجلس يكون أفقه من الخطيب في السياسة، في معرفة الأخبار، وممكن أن ينام في الخطبة، ينتظر من خطيبه أن ينتهي وما استفاد شيئا.

 

فالخطبة التي يجب على الناس حضورها والاستماعُ إليها أصبحت كأنها نشرةُ أخبار، والخطيب أصلا لا يحسن الأخبار، لكن عنده بعض الحركات وما شابه ذلك، فيقول الناس: قد خطب فلان خطبة عجيبة، ولكن ماذا قال؟

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم وحد صفوف المسلمين، اللهم ألف بين قلوبنا، وأزل الغل والحقد والحسد والبغضاء من صدورنا، وانصرنا على عدوك وعدونا، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصرنا على من عادانا، وبغى علينا واعتدى علينا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم وفقنا جميعا لما تحبه وترضاه، واجعلنا هداة مهديين، لا ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

وأنت يا مؤذن أقم الصلاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

 

المرفقات

فضائل المسجد الأقصى تاريخه وبعض أحكامه1.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات