كيف نطرد الملائكة من بيوتنا

سامي بن خالد الحمود

2011-07-22 - 1432/08/21
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ اذهاب الملائكة سبب لعدم استقرار البيوت 2/ أعمال تطرد الملائكة من بيوتنا

اقتباس

يشتكي كثير من الناس من ضعف استقرار في بيته، وقلة البركة فيه، وعدم اطمئنان النفس فيه، ولا شك أن لهذا الانزعاج، وعدم الطمأنينة أسباب, ومن أهم هذه الأسباب: هجر الملائكة لبيوتنا.

 

 

 

 

 

كيف نطرد الملائكة من بيوتنا؟

أما بعد: أقول هذا على سبيل التحذير والإنكار، لا على سبيل التعليم والإقرار؛ فما منا إلا ويحب أن تغشاه ملائكة الرحمة، فكيف يتسبب في طردها من بيته!.

أيها الأحبة: يشتكي كثير من الناس من ضعف استقرار في بيته، وقلة البركة فيه، وعدم اطمئنان النفس فيه، ولا شك أن لهذا الانزعاج، وعدم الطمأنينة أسباب, ومن أهم هذه الأسباب: هجر الملائكة لبيوتنا.

نعم، إن عدم دخول ملائكة الرحمة، الذين يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار لبيوت المسلمين، لهو من أعظم الأسباب في شكوى كثير من الناس من عدم الاستقرار والطمأنينة في البيوت.

والمصيبة أن هجر الملائكة لبيوتنا إنما يكون بسبب بعض الأعمال التي نعملها فنطرد بها الملائكة من بيوتنا، من حيث نشعر أو لا نشعر, فما هي هذه الأعمال وما الأحاديث التي وردت فيها؟.

لعلي أذكر بعض هذه الأعمال, أول الأعمال التي تطرد الملائكة من البيوت:

1/ عقوق الوالدين وقطيعة الرحم:

وقد روي في هذا حديث لا يصح وهو ما رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم" وإذا كان هذا الحديث لا يصح؛ فإن النصوص الكثيرة الواردة في الترهيب من العقوق وقطيعة الأرحام كافية ببيان شناعة هذه الأعمال، وأن صاحبها بعيد عن الرحمة، مستحق لتعجيل العقوبة، ولقد تعهد ربنا -سبحانه وتعالى- بوصل من وصل رحمه، وقطع من قطعها, وأعظم قطيعة الرحم قطيعة الوالدين, وأي قطيعة أعظم من قطيعة الرجل لوالديه، وأي عقوق أشنع من عقوق الوالدين، كيف يحلم بالسعادة والهناء من يعق والديه، كيف يأمن الضنك الشقاء من يقطع أقرب الناس إليه.

فيا أيها المضيع لآكد الحقوق، والمعتاض عن بر الوالدين بالعقوق: برُ الوالدين عليك دين، وسوف تتقاضاه ولو بعد سنين, تطلب الجنة بزعمك، وهي تحت أقدام أمك؛ حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسعُ حجج، وكابدت على الوضع ما يذيب المهج, وأرضعتك من ثديها لبنًا، و أطارت لأجلك وسنًا, وغسلت بيدها عنك الأذى, وآثرتك على نفسها, ولو خيرتْ بين حياتك وموتها لطلبت حياتك بأعلى صوتها, كم عاملتها بسوء الخلق مرارًا، فدعت لك بالتوفيق سرًّا وجهارًا, فلما احتاجت عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك, فشبعتَ وهي جائعة.

ورويت وهي ظامئة، وقدّمت عليها أهلك وأولادك بالإحسان، وقابلت أياديها بالنسيان, صعُب عليك أمرُها وهو يسير، وطال عليك عمرُها وهو قصير، وهجرتها ومالها سواك من نصير, هذا ومولاك قد نهاك عن التأفيف، وعاتبك في حقها بعتاب لطيف, إن لم تتب ستعاقب في دنياك بعقوق البنين، وفي أخراك بالبعد من رب العالمين، يناديك بلسان التوبيخ والتهديد (ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـامٍ لّلعَبِيدِ) [الحج:10].

2/ وجود الكلب في البيت بلا ضرورة:

ففي الصحيحين عن أبي طلحة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة".

قال النووي: "سَبَب اِمْتِنَاعهمْ مِنْ بَيْت فِيهِ كَلْب لِكَثْرَةِ أَكْله النَّجَاسَات, وَلِأَنَّ بَعْضهَا يُسَمَّى شَيْطَانًا كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيث, وَالْمَلَائِكَة ضِدّ الشَّيَاطِين, وَلِقُبْحِ رَائِحَة الْكَلْب وَالْمَلَائِكَة تَكْرَه الرَّائِحَة الْقَبِيحَة, وَلِأَنَّهَا مَنْهِيّ عَنْ اِتِّخَاذهَا; فَعُوقِبَ مُتَّخِذهَا بِحِرْمَانِهِ دُخُول الْمَلَائِكَة بَيْته, وَصَلَاتهَا فِيهِ, وَاسْتِغْفَارهَا لَهُ، وَتَبْرِيكهَا عَلَيْهِ وَفِي بَيْته, وَدَفْعهَا أَذًى لِلشَّيْطَانِ, وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ كَلْب أَوْ صُورَة فَهُمْ مَلَائِكَة يَطُوفُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيك وَالِاسْتِغْفَار, وَأَمَّا الْحَفَظَة فَيَدْخُلُونَ فِي كُلّ بَيْت, وَلَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَم فِي كُلّ حَال, لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالهمْ وَكِتَابَتهَا".اهـ

إن من كمال دين الإسلام، وحرصه على النظافة والطهارة، أن بين لنا أضرار اقتناء الكلاب، وحذر من لعابها، ونهى عن اقتنائها إلا لفائدة مرجوة كالصيد أو الحراسة.

وإن من المؤسف حقًّا، ما انتشر عند بعض الناس من اقتناء الكلاب في البيوت، تقليدًا لعادات الكفار، فترى أحدهم جاء إلى محل بيع الكلاب، ومعه كلبه الغير محترم، وقد ربط في عنقه سلسلة أو حزامًا جميلاً، واشترى له من الطعام والألعاب، بما يشبع العشرات من أطفال المسلمين الجوعى.

وما علم المسكين أنه يطرد الملائكة من بيته، وأعظم من هذا أنه يضيع ما جمعه من أجور الطاعات والحسنات، ودليل هذا: الوعيد الرهيب الذي صحّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ" وفي رواية "ينقص من أجره قيراطان كل يوم".

3/ وجود الصور المحرمة في البيت:

ويدل عليه الحديث السابق "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة".

قال النووي: "قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب اِمْتِنَاعهمْ مِنْ بَيْتٍ فِيهِ صُورَة كَوْنهَا مَعْصِيَة فَاحِشَة, وَفِيهَا مُضَاهَاة لِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى, وَبَعْضهَا فِي صُورَة مَا يَعْبُد مِنْ دُون اللَّه تَعَالَى" اهـ.

والمراد الصورة المحرمة وهي ما كان من صور ذوات الأرواح وكان مصنوعًا بيد الإنسان، سواء كان تمثالاً مجسمًا أو رسمًا سطحيًّا، ويستثنى من ذلك لعب الأطفال وعرائس البنات، فقد جاءت الأدلة بالترخيص فيها ووجدت في أشرف بيت وهو بيت النبوة؛ كما كان في لعب عائشة رضي الله عنها.

واختلف علماؤنا في الصور الحديثة الفوتوغرافية الملتقطة بالآلة دون فعل الإنسان، والأقرب هو جوازها لكن مع القول بجوازها، فإنه لا يجوز تعليقها على الجدران أو الملابس؛ لأن تعليقها ذريعة لتعظيمها.

4/ وجود الجرس والموسيقى في البيوت:

فعن بُنَانَةَ مَوْلَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ الْأَنْصَارِيِّ أنها كانت عند عَائِشَةَ -رضي الله عنها- إِذْ دُخِلَ عَلَيْهَا بِجَارِيَةٍ وَعَلَيْهَا جَلَاجِلُ يُصَوِّتْنَ، فَقَالَتْ: "لَا تُدْخِلْنَهَا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ تَقْطَعُوا جَلَاجِلَهَا وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ" رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الجرس مزامير الشيطان".

والمراد بالجرس حديدة مقوسة أو مدورة أو مربعة ويوضع فيها حلقة، والحكمة في ذلك أن صوت الجرس محبوب للشيطان ولذا نهى عنه.

قال النووي: "وَأَمَّا الْجَرَس فَقِيلَ: سَبَب مُنَافَرَة الْمَلَائِكَة لَهُ أَنَّهُ شَبِيه بِالنَّوَاقِيسِ, أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعَالِيق الْمَنْهِيّ عَنْهَا, وَقِيلَ: سَبَبه كَرَاهَة صَوْتهَا, وَتُؤَيِّدهُ رِوَايَة "مَزَامِير الشَّيْطَان" اهـ.

وقال ابن حجر: " الكراهة لصوته؛ لأن فيه شبهًا بصوت الناقوس وشكله"اهـ.

ولا يتعلق بالجرس ما يسيمه الناس اليوم أجراس البيت أو الساعات؛ لأن هذا اسم اصطلاحي، ولكن يمنع من جرس البيت أو الساعة ما كان على أصوات الموسيقى وأنغامها، أو ما كان شبيهًا بنواقيس النصارى وشعار كنائسهم؛ فإنه يمنع لذلك.

أقول: وإذا كان هذا في مجرد وجود الجرس وصوته، فكيف بأجراس الموسيقى ومزامير الشيطان التي كثر وجودها في البيوت وللأسف، حتى إنك لتدخل البيت فترى فيه مضخمات الصوت الكبيرة وما يسمى بالمسرح المنزلي الذي ترتج منه جدران البيت، لا بالقرآن والذكر بل بالموسيقى المحرمة ومزامير الشيطان، فكيف يكون للملائكة قرار في هذا البيت؟ وهل هذه الأغاني والموسيقى إلا وسيلة لجلب الشياطين ونزع السكينة ومحق البركة من البيت؟.

نسأل الله أن يصلح أحوالنا، ويردنا إليه ردًّا جميلاً، والحمد لله رب العالمين.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه: الأمر الخامس الذي يطرد الملائكة من البيوت:

5/ وجود الروائح الكريهة في البيت:

فقد ورد روى مسلم عن جابر -رضي الله عنه- قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ".

فكل رائحة كريهة تنفر الملائكة وتبعدهم عن الإنسان وعن البيت، وكثير من الناس لا يبالي بهذه القضية، تجد رائحة بيوتهم كريهة نتنة، وربما انتشرت فيها رائحة سجائر الدخان الخبيثة, وما يقال في الدخان المحرم وأضراره المختلفة، ومنها رائحته الخبيثة، أعظم مما يقال في البصل أو الثوم.

وإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهانا أن نقرب الثوم والبصل إلا بعد طبخها لما له من رائحة كريهة تتأذى منها الملائكة، فإن تأذي الملائكة برائحة الدخان المحرم أشد وهي من باب أولى.

فكن حريصًا -أخي المسلم- أن يكون بيتك نظيفًا طيبًا، وأن تكون رائحتك طيبة حتى تصحبك الملائكة، فلقد أوصانا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتطيب ورغبنا فيه، وكان الطيب من أحب الأشياء إليه.

6/ وجود البول المنتقع في البيت:

فعن عبد الله بن يزيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا ينقع بول في طست في البيت فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع" رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني.

وهذا الأمر مما تتأذى منه الملائكة كذلك؛ فإن البول إذا ترك مدة في المنزل ظهرت منه رائحة خبيثة كريهة، ولا يبعد أن يكون له أضرار أخرى على الصحة العامة في البيت، فيستفاد من هذا الحديث الصحيح، المسارعة إلى سكب الماء في دورات المياه على الغائط والبول، وعدم ترك هذه النجاسات طويلاً في دورات المياه، لئلا تنتقع، فتحدث الأضرار والروائح الكريهة، وتطرد الملائكة من البيت.

فإن قال قائل: إن الحديث لم يذكر سوى البول المنتقع ولم يذكر الغائط، فيقال: -والله أعلم- ذلك لأنه لم يكن في عادتهم أن الإنسان يتغوط في بيته لعدم وجود الحمامات في البيوت كما في عصرنا، بل كانوا يخرجون إلى البراز خارج البيوت، وإنما كانوا يبولون في البيوت أو قريبًا منها، وما يقال في البول يقال في الغائط من باب أولى.

نقول: هذا الكلام، ولا حياء في الدين، بل إن من عظمة هذا الدين حرصه على النظافة والصحة العامة، ومراعاة آداب قضاء الحاجة، فلا غرابة أن يحسدنا عليه أعداؤنا؛ كما قال المشركون لسلمان الفارسي رضي الله عنه: "قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ قَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ" رواه مسلم.

فاتقوا الله -عباد الله- وأكرموا الملائكة في بيوتكم، واحرصوا على قربها منكم؛ فإن مصاحبتها للإنسان من أجلِّ نِعَم ورحمة الله -عز وجل- عليه، وإن مفارقتها له ولبيته من علامات الشقاء والحرمان، والله المستعان.

وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية.

 

 

 

 

المرفقات

نطرد الملائكة من بيوتنا

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات