كيف نستقبل شهر رمضان؟

صالح بن محمد باكرمان

2022-04-01 - 1443/08/29 2022-10-06 - 1444/03/10
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/أصناف الناس في استقبال رمضان 2/من مزايا شهر رمضان 3/رمضان وقت للتوبة 4/رمضان فرصة للتغيير

اقتباس

إنَّها فرصة سانحة لإحداث التغيير في النفس بملازمة الصالحين, وكثرة ارتياد المسجد, وتعويد النفس على الصلاة والصوم, وقراءة القرآن, فرصة لمفارقة أصدقاء السوء, وهجر التلفاز, ومواقع التواصل الاجتماعي, والصفحات والمجموعات, وكل الملهيات...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله الكريم المنان، ذي الفضل والإحسان، يَمُن على من شاء من عباده بإدراك رمضان, وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادةً أرجو بها عالي الجنان, وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله, المبعوث إلى الخلق بالقرآن, صلى الله عليه, وعلى آله وصحبه وسلم, ما تعاقب المَلَوَان، وتناوب النيران, أما بعد:

 

أيها المسلمون, عباد الله: تُطوى الليالي والأيام, وتنصرم الشهور والأعوام, فها نحن إزاء دورة جديدة من دورات الزمان, فبعد أيام معدودات, يشرق على الدنيا هلال شهر رمضان المبارك, ويَفِدُ علينا وافد الخير بنظامه المستقل, وجوِّه المنفرد, وشكلياته الخاصة.

 

والناس إزاء ذلك الوافد على أصناف:

فصنف لا يرى في ذلك الوافد إلا جوعاً, لا تتحمله أعصاب معدته, وعطشاً لا تقوى عليه مجاري عروقه, فهو عازم -عياذاً بالله- على الإفطار خفية, غير مبالٍ بمراقبة الله -عز وجل-, فليتقِ الله هذا الصنف, فإنَّنا عليه مشفقون, وله ناصحون.

 

وصنف آخر يرى في رمضان موسماً للموائد الزاخرة بألوان الطعام والشراب, وفرصة جميلة للسهر, واللهو الممتد إلى الفجر, والنوم العميق في أثناء النهار.

 

وصنف ثالث يرى في رمضان غير هذا كله, يرى فيه موسماً للخير, ومدرسة للفضيلة, ودورة تدريبية لتجديد معاني الخلق النبيل, والإيثار الجليل, والصبر الجميل, وتهذيب النفس, والرقي بها في مدارج السلوك, وهؤلاء فقط هم الذين أدركوا حقيقة هذا الشهر, وسَعوا في تحقيق الغاية من تشريعه, فإنَّ الغاية من تشريعه هي التقوى, كما قال الله - عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[سورة البقرة: 183].

 

أيها المسلمون: إنَّ شهر رمضان محطة لتعبئة القوى النفسية, والخلقية, وموسم الخير, والتوبة, وغفران الذنوب, وفرصة سانحة للإنابة والرجوع, وإحداث التغيير في النفس والحياة.

 

فأبشروا -إخوة الإسلام- بأشرف الشهور, أبشروا بشهر فيه من الفضائل, والمميزات ما ليس في سواه, ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ, وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ"(رواه الترمذي).

 

فهذه خمس مزايا لشهر رمضان المبارك:

الأولى: أنَّه تصفد فيه الشياطين, ومردة الجن التي تغري الناس بالمعصية.

 

الثانية: أنَّه تغلق فيه أبواب النيران, وكل السبل الموصلة إليها.

 

الثالثة: أنَّه تفتح فيه أبواب الجنان, وكل الطرق الموصلة إليها.

 

الرابعة: أنَّه يُنادَى في أول ليلة منه: يا باغي الخير أقبل؛ فهذا أوانك, ويا باغي الشر أقصر؛ فليس هذا وقتك.

 

والخامسة: أنَّه شهر المغفرة والتوبة, فلله عتقاء من النار, في كل ليلة من شهر رمضان.

 

لهذا فإنَّ شهر رمضان المبارك, هو أنسب الأوقات للتوبة, ومفارقة سيء العادات؛ شهر تفتح فيه أبواب الجنان, وتغلق فيه أبواب النيران, وتغل فيه جنود الشياطين, وتسرح فيه ملائكة الرحمن, وتكثر فيه الطاعة والإحسان, ويقل فيه الفسق والعصيان.

 

فمتى تتوب -يا عبد الله- إن لم تتب في شهر رمضان؟! ومتى تصلح نفسك, إن لم تصلحها في هذا الشهر؟! فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَانْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ", قَالَ رِبْعِيٌّ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ قَالَ: "أَوْ أَحَدُهُمَا"(رواه أحمد).

 

فاستقبلوا شهركم -أيها المسلمون- بالتوبة, والعزم على إصلاح النفوس؛ تب إلى الله يا من أسرفت على نفسك بالمعصية, وارتكبت الكبيرة.

 

تب إلى الله -عز وجل- يا من تشرب المسكرات, وتتعاطى المخدرات؛ فإنَّ راحتك وسعادتك في طاعة رب البريات.

 

تب إلى الله -عز وجل- يا من يفجر في الخلوة, ويقترف الزنا, واللواط, والنظر إلى ما حرم الله, تب فإنَّه يوشك أن يـُؤذن بالرحيل, ويأتيك هادم اللذات، ومفـرّق الجماعات, إنَّما اللذة لحظة تذهب, ويبقى ألمها وإثمها.

 

تب إلى الله -عز وجل- يا من ينشر الرذيلة, ويمشي في المسلمين بالفساد, يُفسِد نساءهم قد عرفك الناس, فكيف لا يعرفك رب الناس؟!.

 

تب إلى الله - عز وجل- يا من تعصي بلسانك, فتكذب وتَنِمُّ, وتسخر وتغتاب, وتخوض في أعراض المسلمين.

 

تب إلى الله يا من يعق والديه, ويقطع أرحامه, ويؤذي جيرانه, فها هو شهر الخير على الأبواب, شهر الصلة, والخلق الرفيع, والسكينة, والمودة.

 

توبوا إلى الله -أيها الظالمون- أطلقوا سراح المسجونين ظلماً, وردوا الحقوق إلى أهلها سِلْماً, ولا تُبقوا على كواهلكم إثماً ولا جرماً؛ (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[سورة النور: 31].

 

فكلنا ذوو خطأ, وخير الخطائين التوابون, فليكن أعظم ما نستقبل به هذا الوافد الكريم, هو التوبة, والإنابة, والرجوع إلى الله -عز وجل-, ولْنُعِد العدة ليوم الرحيل قبل فوات الأوان؛ (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)[ق: 19].

 

قلت ما سمعتم,  وأستغفر الله لي ولكم, فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله غافر الذنب, وقابل التوب, شديد العقاب, ذي الطَّوْل, لا إله إلا هو إليه المصير, والصلاة والسلام على البشير النذير, والداعي إلى التوبة والخير, محمد  صلى الله عليه وآله وسلم, وصحبه أهل الجد والسير, أما بعد:

 

أيها المسلمون: إنَّ مما ينبغي أن نستقبل به شهر رمضان -شهر الخير والإيمان- أن نعزم على إصلاح نفوسنا, وإحداث التغيير فيها, قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)[الرعد: 11].

 

فلْنعزم -معشر المسلمين- على إصلاح نفوسنا, في شهر تُغل فيه مردة الشياطين, ويُنادَى في أوله: "يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ: أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ: أَقْصِرْ".

 

إنَّها فرصة سانحة لإحداث التغيير في النفس بملازمة الصالحين, وكثرة ارتياد المسجد, وتعويد النفس على الصلاة والصوم, وقراءة القرآن.

 

فرصة لمفارقة أصدقاء السوء, وهجر التلفاز, ومواقع التواصل الاجتماعي, والصفحات والمجموعات, وكل الملهيات.

 

فرصة للتخلص من العادات السيئة؛ كالعادة السرية القاتلة للشباب, ومضغ القات المهدر للأموال والأوقات, وترك تعاطي التبغ بأنواعه المختلفة من دخان, ومضغة, ونشوق؛ فإنَّك -يا عبد الله- تترك هذه البليَّات في جميع نهار رمضان, صابراً عنها, تاركاً لها, فاعزم على تركها بالكلية, وتخلَّص من شرها إلى الأبد, واستعن بالله -عز وجل- على ذلك, قال -تعالى-: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45].

 

وتذكروا -معشر المسلمين- قول نبيكم -صلى الله عليه وآله وسلم-: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ"(رواه البخاري ومسلم), فلا جنة بلا إكراه نفس, ولا نجاة من النار بغير صبر عن المعصية.

 

فاتقوا الله -عباد الله- وأحسنوا استقبال شهر رمضان بالتوبة الصادقة, والعزم على إصلاح النفس, ومن صدق الله صدقه الله.

 

وصلوا وسلموا على من أمركم الله - عز وجل- بالصلاة والسلام عليه حيث قال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

 

المرفقات

كيف نستقبل شهر رمضان؟.pdf

كيف نستقبل شهر رمضان؟.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات