كيف حافظ الإسلام على البيئة؟

عبد الله بن علي الطريف

2017-02-08 - 1438/05/11
عناصر الخطبة
1/ تسخير الله تعالى الأرض وما فيها للإنسان 2/ مفهوم البيئة 3/ تناول القرآن الكريم للبيئة بهذا المفهوم 4/ تشريعات ومظاهر تؤكد اهتمام الإسلام بحماية البيئة 5/ أهمية قضية المحافظة على البيئة في عصرنا

اقتباس

ولقد اهتم الإسلام بالبيئة، وأرسى الأسس والقواعد والمبادئ التي تضبط وتقنن علاقة الإنسان ببيئته ليصونها من الفساد؛ حتى تقوم بدورها الكبير في إسعاد الإنسان، فكلما صلحت البيئة زادت سعادة الإنسان.

 

 

الخطبة الأولى:

أيها الإخوة: لما خلق الله -تعالى- آدم  -عليه السلام- أسكنه الجنة، ولما خالف أمر الله -تعالى- أهبطه من الجنة إلى الأرض، قال الله -تعالى-: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:35-37]، وفي موضع آخر قال الله -تعالى-: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) [الأعراف:24-25].

نعم أيها الإخوة، لقد امتن -سبحانه- على بني آدم بإسكانهم في هذه الأرض فقال: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود:61]، أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة.

فجعل الله -تعالى- هذه الأرض بيئة يعيشُ فيها الإنسان بأرضِها وسمائِها ومائِها وهوائِها وجمادِها ونباتِها وحيواناتِها، وما يلجُ فى الأرضِ وما يخرجُ منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، كلّ ذلك قد خلقه الحق -تبارك وتعالى- مسخراً مذللاً للإنسان يعتصر منافعه من بين ثناياها، ومكنه في الأرض، يبني ويغرس ويحرث ويزرع ما شاء، وينتفع بمنافعها، ويستغل مصالحها.
 

فهي خلقت له ومن أجله؛ يقول -عز من قائل-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك:15].

 

وأحكم الباري صنعها بدقة بالغة من حيث الكم والنوع والخصائص والوظيفة؛ يقول الحق -تبارك وتعالى-: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل:88].

 

إذاً؛ كلُ ما يحويه كوكب الأرض الذي نعيش فيه من مكونات غيرِ حية ممثلة في مظاهر سطح الأرض من جبال وهضاب وسهول ووديان، وصخور ومعادن وتربة وموارد مياه، ومكونات حية ممثلة في النباتات والحيوانات برية النشأة سواء كانت على اليابسة أو في الماء، وما يحيط بالأرض من غلاف غازي يضم الكثير من العناصر الأساسية اللازمة لوجود الحياة على سطح الأرض هي البيئةُ كلها.

 

والبيئة -بهذا المفهوم- ذكرها الله -تعالى- في كتابه الكريم في مائةٍ وتسعةٍ وتسعين آية في سور مختلفة.

 

ولقد اهتم الإسلام بالبيئة، وأرسى الأسس والقواعد والمبادئ التي تضبط وتقنن علاقة الإنسان ببيئته ليصونها من الفساد؛ حتى تقوم بدورها الكبير في إسعاد الإنسان، فكلما صلحت البيئة زادت سعادة الإنسان.

واهتم الإسلام بها كذلك لأنها ميراث الأجيال المتلاحقة، حيث أودع الله فيها كل مقومات الحياة للإنسان المستخلف فيها.

أيها الإخوة: ومن أهم مظاهر عناية الإسلام بحماية البيئة حثه على الزراعة وترغيبه بها، من ذلك، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" رواه البخاري.

 

وعند مسلم عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا- فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟"، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: "لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً".

 

وعَنْهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَة، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ [أي: لا ينقصه ويأخذ منه] إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ" رواه مسلم.

 

فيا له من فضل عظيم! حتى ما يسرق من الزرع أو يغصب أو ينقص منه فإنه لصاحبه صدقة، قال ابن حجر وغير واحد من أهل العلم: قوله: "إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ"، أي: إلى يوم القيامة، ومقتضاه أن أجر ذلك يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولا منه ولو مات زارعه أو غارسه ولو انتقل ملكه إلى غيره، وكذلك بما يولد من الغرس والزرع. وظاهر الحديث أن الأجر يحصل لمتعاطي الزرع أو الغرس ولو كان أصل ملكه لغيره لأنه أضافه في الحديث إلى أُمِّ مُبَشِّرٍ ثم سألها عمن غرسه. وكذلك للزارع أجر ولو باع ذلك الزرع وكان له بذلك الزرع صدقة لتوسعته على الناس في أقواتهم كما روي في حصول الأجر للجالب، وإن كان يفعله للتجارة والربح.

والزرع من الصدقات التي يصل أجرها للمسلم بعد موته كما في مسند البزار، وهو حديث حسن، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرهُنَّ وَهُوَ في قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْماً، أَوْ أَجْرَى نَهْراً، أوْ حَفَرَ بِئْراً، أوْ غَرَسَ نَخْلاً، أَوْ بَنَى مَسْجِداً، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفاً، أَوْ تَرَكَ وَلَداً يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ" حَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

 
أيها الإخوة: والأجر في الغرسِ والزرعِ لا ينحصرُ في زراعةِ المثمرِ فحسب، بل يحصل بزراعة المثمر وغير المثمر، إذا نوى المسلم النية الصالحة في زرعِهِ وغرسِهِ، وذلك لحصول الانتفاع للحيوان والطير والدواب والحشرات، بل وحصول النفع للإنسان من جهةٍ أخرى غير الأكل، فيقاس على الأكل كل ما ينتفعُ به من الأشجار والمزروعات من إيجادِ مواقع للتنزهِ وتجميلِ البيئةِ وتمتعٍ برؤيتها والاستظلالِ بظلها، أو ما تحققه من منافع أخرى كثـيرة كتطييبِ المناخِ، وحفظِ للتربةِ وصدٍ للغبارِ والأتربة وزحفِ الرمالِ، وتنقيةِ للهواءِ من التلوث، وكذلك ما يستفاد منها في أغراض الصناعة والتدفئة وغيرها من الأغراض المتعددة.

أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من أنفع عباده لعباده، ففي الحديث أن "أَحَبّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِبَادِهِ، وَأَعَمّهُمْ نَفْعًا لِجُمْلَةِ خَلْقِهِ" صححه الألباني.

 

جَعَلَنَي اللَّهُ وَإِيَّاكَم مِنْ أَخَصِّ مَنْ أَخْلَصَهُ بِالْإِخْلَاصِ إِلَيْهِ، وَأَقْرَبِهِمْ فِي مَحَلِّ الزُّلْفَى لَدَيْهِ؛ إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على رسوله.

 

الخطبة الثانية:

أما بعد: أيها الإخوة، لقد بلغ اهتمام الإسلام بالشجرة حدا لا يعرف له مثيل في شريعة سابقة، ولا في قانون وضعي، وحسبنا أن نعلم أن الخلفاء، وهم أعلى سلطة في الدولة الإسلامية، كانوا يوصون أمراء الأجناد والجيوش عندما يبعثونهم للقتال بالمحافظة على الشجرة وخاصة الشجرة المثمرة، مثلما يأمرونهم بالمحافظة على أرواح الأبرياء ممن لا علم لهم بالحرب ولم يشاركوا فيها، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَمَّا بَعَثَ الْجُنُودَ نَحْوَ الشَّامِ يَزِيدَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ قَالَ لَمَّا رَكِبُوا مَشَى أَبُو بَكْرٍ مَعَ أُمَرَاءِ جُنُودِهِ يُوَدِّعُهُمْ حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، أَتَمْشِى وَنَحْنُ رُكْبَانٌ؟ فَقَالَ: "إِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَاي هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، ثُمَّ جَعَلَ يُوصِيهِمْ فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، اغْزُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ"، إلى أن قال: "وَلاَ تُغْرِقُنَّ نَخْلاً وَلاَ تَحْرِقُنَّهَا وَلاَ تَعْقِرُوا بَهِيمَةً وَلاَ شَجَرَةً تُثْمِرُ، وَلاَ تَهْدِمُوا بَيْعَةً وَلاَ تَقْتُلُوا الْوِلْدَانَ وَلاَ الشُّيُوخَ وَلاَ النِّسَاءَ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ فَدَعُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ".

 

ومن المعلوم أن الوصية في مثل هذا الموطن إنما تكون بالأمور الهامة، وبالأمور التي تحقق عوامل النصر على أعداء الله.

 

وحثَّ عمرُ بنُ الخطابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أهل الأراضي على زراعتها وأعانهم على ذلك، فقد روى ابنُ جرير عن عمارةَ بنِ خزيمةَ بنَ ثابتٍ قال: سمعت عُمَرَ يقولُ لأبي: "ما يمنعُك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخٌ كبيرٌ أموتُ غداً. فقال له عمرُ: أعزمُ عليك؛ لتغرسنَّها. فلقد رأيتُ عمرَ بنَ الخطابِ يغرسُها بيدِهِ معَ أبي"، كذا في الجامع الكبير للسيوطي.

 

وحذرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من إفساد الأماكن العامة والمتنزهات أشد تحذير فَقَالَ: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ"، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ" رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

 

ويقاس على قضاء الحاجة رمي القمامات والأوساخ، وإفساد الغطاء النباتي بالتفحيط والتخريب وقلع الأشجار والاحتطاب الجائر وغير ذلك مما يحول بين الناس وبين الانتفاع من الظل وغيره.

 

بل دعا الإسلام إلى تكثـير الشجر لما فيه من المنافع المتعددة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا" رواه أحمد، وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح على شرط مسلم، وهذا الحديث يدل على أن العمل في الأرض لا ينبغي أن ينقطع لحظة بسبب اليأس من النتيجة، فحتى حـين تكون القيامة بعد لحظة، حين تنقطع الحياة الدنيا كلها، وحتى عندئذ ينبغي أن لا يكف الناس عن العمل، وعن التطلع إلى المستقبل، ومن كان في يده فسيلة فليغرسها.

 

وقال: عن داود بن أبي داود قال: قَال لي عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ: "إنْ سِمعتِ بالدَّجَّالِ قَد خَرجَ وأَنتَ عَلى وَدِيةً [أي فسيلة] تَغرِسُها فَلا تَعجَلْ أنْ تُصلِحَها، فَإنَّ للنَّاسِ بَعد ذَلك عَيشاً" رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

 
وبعدُ أيها الإخوة، إن قضية المحافظة على البيئة بالغة الأهمية في عصرنا الحاضر؛ لذا يجب علينا أن نعي أبعادها جيداً عندما نتعامل مع بيئتنا حتى نحافظ على استمرارية بقاء مكوناتها وعناصرها كما خلقها الله -سبحانه- وتعالى لتؤدي دورها في خدمة الأجيال.

 

 

 

المرفقات

حافظ الإسلام على البيئة؟

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات