كيف تكون موسوعيا (1/2)

محمود الفقي - عضو الفريق العلمي

2020-10-25 - 1442/03/08
التصنيفات: تدريب

اقتباس

والخطيب الموسوعي لا يمل الناس من حديثه، بل هو متجدد بتجدد معارفه، يضيف جديدًا لكل من يسمعه، يتقاطر علمًا ومعاصرةً وتشويقًا... يُسأل السؤال فيفيد السائل في كل مجال...

محدودية المعلومات والثقافة العامة مشكلة يعاني منها عدد ليس بقليل من الخطباء، فتجده يملك قدرًا من المعلومات الدينية التي يجترها على منبره، وسواءً كانت كثيرة أو قليلة فإنه لا يتعدى المعلومات الشرعية إلى غيرها من المعلومات السياسية والاقتصادية والجغرافية والتاريخية...  وهذا قصور خطير في شخصية الخطيب وبنائه وتكوينه، يظهر أثره في خطبه ودروسه، خاصة إذا تعلقت بأحد تلك المجالات التي لا يمتلك فيها الخطيبُ رصيدًا ثقافيًا معلوماتيًا.

 

فهذا خطيب في أحد المساجد وقد جاء يتحدث عن الأزمة الاقتصادية العالمية، فإذا به يُرجع أسبابها إلى جشع التجار وسوء التخطيط وقلة الموارد... ويتجاهل -بل هو يجهل- السبب الرئيس لها وهو التعاملات الربوية التي استشرت في أغلب دول العالم، فبدلًا من أن يستغل الفرصة لإبراز محاسن النظام الاقتصادي الإسلامي الذي اضطرت جميع دول العالم إلى اللجوء إلى أحد مبادئه؛ فخفضوا "الفائدة" في بنوكهم إلى "صفر"، إذا به يميع القضية ويضيع الفرصة!

 

وخطيب آخر تصدر للكلام عن الفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا، فإذا به يذكر التواريخ بالتقويم الهجري مرة وبالميلادي أخرى، دون أن يشير إلى ذلك حتى اختلط الأمر على السامعين! وإذا به يقول: "اتجهوا من مصر شمالًا إلى السودان"! فكأن السودان -إذن- بحيرة في وسط البحر المتوسط!

 

وثالث يتحدث عن السياسة الدولية، فيخلط بين الشخصيات، ويخطئ في نطق أسماء رؤساء الدول، ولا يفرق بين أنظمة الحكم في تلك الدول أهو نظام إمبراطوري أم نظام اتحادي أم أميري أم بابوي أم جمهوري أم  سلطاني أم ملكي؟، ثم هو يجعل بلجراد عاصمة لبولندا ونيويورك عاصمة لبريطانيا وبروكسل أهم موانئ إيطاليا!!...

 

ونقرر: مع أن العلم الشرعي هو الأهم وهو الأصل والأساس الذي يرتكز عليه الخطيب وينطلق منه، لكنه لا يغني خطباء المساجد أبدًا عن الثقافة العامة في شتى المجالات... وانظر إلى القرآن الكريم كيف تحدث عن الفرس والروم المعاصرين لقيام الدولة الإسلامية، وكيف سرد الوقائع التاريخية من زمان عاد وثمود وإرم وزمان سليمان وبلقيس، وفرعون وبني إسرائيل... وانظر إلى الإعجاز العلمي والعددي في آيات القرآن الكريم... ترى كيف أن القرآن -وإن كان في الأصل كتاب دين وشريعة- إلا أنه لم يقتصر على ذلك، بل حمل من المعلومات السياسية والاقتصادية والتاريخية والفلكية واللغوية والكونية الكم الكثير...

 

المقصود بالخطيب الموسوعي هنا:

ونقصد بالخطيب الموسوعي ذلك الخطيب الذي يمتلك قدرًا معتبرًا من المعلومات في كل مجال من مجالات الحياة... الخطيب المهتم بدراسة مبادئ جميع العلوم، ثم بأحدث تطوراتها واكتشافاتها... الخطيب الذي تسمع خطبته فتنبهر بوعيه السياسي وفقهه التاريخي ونظره الفاحص لأحداث عصره وتوصيفه الدقيق للأدواء وعلاجها بعد تحديده السليم للجرح ومكمن الداء... ذلك الخطيب الذي برع في العلوم الشرعية وبز فيها الأقران ثم تابع الأحداث الدولية وقاسها بالقرب والبعد عن مبادئ الشرع...

 

نقصد به الخطيب الذي لا يتقوقع ولا ينعزل عن الواقع... ويهتم بعلوم الدين ولا يهمل علوم الدنيا... ويدرس الأحداث المعاصرة كما درس الوقائع التاريخية... الخبير بالخرائط الجغرافية وكيفية الاستفادة منها، كما هو عارف باستخدامات الرسوم الهندسية وتوظيفها في خدمة الشرع...

 

والخطيب الموسوعي لا يمل الناس من حديثه، بل هو متجدد بتجدد معارفه، يضيف جديدًا لكل من يسمعه، يتقاطر علمًا ومعاصرةً وتشويقًا... يُسأل السؤال فيفيد السائل في كل مجال؛ فإن سئل عن قول الله -تعالى-: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)[الواقعة: 75]، تطرق إلى علم التفسير فجاء منه بالمعنى، ثم عرَّج على علم الفلك فوضح المقصود بمواقعها، وربما لامس المراد بـ"حرب النجوم" في الأروقة السياسية([1])...

 

والسؤال: كيف نصنع الخطيب الموسوعي؟... والإجابة نعرفها من خلال البنود التالية:

 

البند الأول: خذ بمبدأ الاستفادة:

دعونا نضع هذه القاعدة التي تلخص الأمر فنقول: "لا يهم من قال، المهم ماذا قال"، نعم؛ دعونا نستفيد من الجميع أيًا كان توجهه أو انتماؤه وأيًا كان دينه أو نحلته... ألسنا متفقين أن "الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها فهو أحق بها"، فلنستفد -إذن- بكل معلومة قيمة صحيحة أيًا كان مصدرها، ولنضرب صفحًا عن كل خرافة أو خطأ ولو كان قائلها أوثق العلماء عندنا، ولقد وضعوا لذلك قاعدة تقول: "اقبل الحق ولو جاء به الشيطان، ورد الباطل ولو أفتى به شيخ الإسلام".

 

نعم، ألم يؤيد النبي -صلى الله عليه وسلم- كلام الشيطان ويصدق عليه حين نطق بكلمة حق؟! ففي حديث أبي هريرة المحفوظ أن الشيطان قال له: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)[البقرة: 255]، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة"، قال: لا، قال: "ذاك شيطان"([2])... وصارت قراءتها سنة إلى يوم القيامة.

 

ومرة أخرى يستفيد النبي -صلى الله عليه وسلم- من خبرة المشرك "عبدالله بن أريقط" في طرق الصحراء أثناء الهجرة، ويدخل المدينة في جوار المشرك "المطعم بن عدي"، وينفذ فكرة حفر الخندق الفارسية حين أشار عليه بها سلمان -رضي الله عنه-... فلم يمنعه -صلى الله عليه وسلم- اختلاف الدين أو اللون أو الجنس أن يستفيد من خبراتهم... فما بالك بالمسلم الذي يشهد أن "لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، وإن خالفنا في بعض المسائل؟! كيف لا نستفيد من علمه وخبرته!

 

فدعونا -معاشر الخطباء- نتعلم ونستمد الخبرات من كل من يملكها ممن قابلنا بغض النظر عن لونه أو مجاله أو مظهره أو انتمائه... نقول: وبغض النظر عن سنه؛ فلا تستنكف أن تتعلم ممن هم أصغر منك إن امتلكوا شيئًا لا تملكه، ولا ممن هم في سنك إن كان عندهم ما ليس عندك، وهذا ما يسمونه: "التعلم من الأقران".

 

وإذا اتفقنا على هذا المبدأ، اتضح لنا الموقف الحق من كتابات الأشاعرة وغيرهم كالإمام النووي والإمام ابن حجر العسقلاني والإمام الزركشي والإمام الخازن وغيرهم كثير... وإني لأعجب ممن يسقط الأجلاء الفحول العدول من العلماء لمجرد خطأ وقعوا فيه أو زلة ارتكبوها...! وأتساءل: أليسوا بشرًا يصيبون ويخطئون؟! ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"([3]).

 

يقول الإمام الذهبي: "ما كل أحد فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب، يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ"([4])، ويؤكد: "فليس من شرط الثقة أن لا يغلط أبدًا، فقد غلط شعبة ومالك، وناهيك بهما ثقة ونبلًا"([5])، ويكرر: "وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ ولا يغلط ولا يسهو"([6])... وصدق بشار بن برد حين قال:

 

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ *** كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

 

فاستفد -أخي الخطيب- من كل حامل خير، وتجنب شره، ولا تجعل من النقص البشري والخطأ البشري مانعًا لك عن الاستفادة من علم العالم، فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء... نعم؛ إياك أن تتبع أحدًا في بدعة وقع فيه ولا فيما تعلم أنه خطأ، وكذلك إياك أن تطرحه وتسقطه لزلة زلها، يقول ابن القيم: "ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين"([7])، وانتبه إلى هذا التوازن؛ "لا يجوز أن يتبع فيها" و"لا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته".

 

فإن أخذت الحكمة من كل من امتلكها، واستفدت من كل من نبغ في أحد المجالات، ورحمت قلبك وروحك من إسقاط العلماء والحكم على النيات... فزت باللآلئ النادرة من كل بحر، وظفرت بالغنائم الثمينة من كل حقل، واجتمعت فيك الفضائل وأصول المسائل وسبل الحكمة، ووضعت قدمك على أولى خطوات "الموسوعية".

 

البند الثاني: أدمن القراءة:

أَعْرفُ من الخطباء من يقتصر في القراءة على موضوع خطبته فقط، ولا يقرأ شيئًا قبلها ولا بعدها، وإذا قرأ في موضوع خطبته فإنه لا يرجع إلى المراجع الأمهات ولا إلى الأصول الشاملات، بل يلجأ إلى "الوجبات الجاهزة السريعة"؛ فيأخذ خطبة جاهزة من على "الانترنت" فإما أن يسردها كما هي، وإما أن يعدِّل عليها بعض الشيء!

 

فمثل هذا الخطيب لا يبغي الترقي ولا النهوض، ولا نفع سامعيه، إنه خطيب قد اتخذ من الخطابة وظيفة لا رسالة، وجعلها سُلَّمًا إلى الدنانير والدراهم والجنيهات، وليست سبيلًا إلى العودة بالأمة إلى دينها وقيادتها إلى الجنات!

 

أما أنت -أيها الخطيب اللبيب- فعليك بإدمان القراءة، بحيث تصير لك كوجبات الطعام، فاقرأ في الصباح وفي المساء وفي وسط النهار، ولا تنم ليلًا إلا وقد أعددت ما ستقرؤه نهارًا... وطالع شوق الفضلاء للكتب والقراءة يصبك شيء من نهمهم، فهذا ابن الجوزي يقول: "وإني أخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز... ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد، كان أكثر، وأنا بعد في الطلب"([8]).

 

وسئل الإمام الشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: "اسمع بالحرف مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثل ما تنعمت الأذنان"، فقيل له: كيف حرصك عليه؟ قال: "حرص الجموع المنوع في بلوغه لذته للمال"، فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: "طلب المرأة المضلة ولدها، ليس لها غيره"([9]).

 

وبقي أن نقول: ضع للقراءة خطة: فاجعل أغلب قراءاتك في مجالك، ولا تحرم نفسك من كتاب أو كتيب في كل فن... واختر من الأوقات ما يناسب كل علم، فوقت الفجر للعلوم التي تحتاج إلى تركيز كأصول الفقه والفقه المقارن... ووقت الانشغال للقراءات الثقافية التي ليست في مجالك...

 

ولكل علم ما يناسبه من أنواع القراءة؛ فالقراءة المتأنية المتفحصة تكون للعلوم التي يراد إتقانها وترسيخ مبادئها في الذهن، وغالبًا ما يتحتم تكرار قراءتها أكثر من مرة... أما القراءة السريعة التي تطوي الصفحات طيًا وتنتهب السطور انتهابًا فنستخدمها في قراءة أخبار العالم والثقافة العامة والمستجدات العلمية والمكتشفات الحديثة... فيكفي فيها أن تُفهم المعلومة تُستبان...

 

وعليك -أخي الخطيب- أن "تنظر لمن تقرأ"، فلا تتتلمذ على يد أي أحد... فليس معنى أن نطبق مبدأ الاستفادة أن نتتلمذ للجميع أيًا كان توجهه، كلا، بل هناك فرق كبير بين أن تستفيد ممن نبغ -مثلًا- في مجال التنمية البشرية أو الطب أو الهندسة... فتقرأ له كتابًا فيه زبدة تجاربه وخبراته في مجاله، وبين أن تُسَلِّم له قلبك وعقلك وجوارحك وتستقصي جميع كتبه لدراستها واستذكارها... فالأول نأخذ منه ما تميز فيه من قواعد في التنمية البشرية أو مستجدات في العلوم الفلكية أو نظرات سياسية فاحصة... وفقط، ولا شيء مع ذلك ولا بعد ذلك؛ فلا دخل لنا بعقيدته أو توجهاته أو آرائه الشخصية... أما الثاني فإننا نقرأ له لنتتلمذ على يديه، ونحرص على الإحاطة بجميع سمته وهديه وكتبه وآرائه... وهذا فرق جوهري ونكتة مهمة فلينتبه لها.

 

فاستفد من الجميع ما نبغ وتميز فيه ولا تتعدى ذلك، ولا تتتلمذ إلا على من حُمدتْ سيرته وهديه وسمته وكتاباته.

 

وهناك لون آخر للقراءة؛ هو القراءة للمخالف، بغرض أن تعلم أفكاره، وكيف يؤثر بها على الناس، فتحصن رواد مسجدك ضدها باستعراض الردود عليها...

 

يُتبع، بإذن الله.

 

 

([1]) حرب النجوم: ظهر هذا المصطلح في الثمانينات أثناء الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وهو الاسم الذي أطلقه الرئيس الاميركي رونالد ريغان على "مبادرة الدفاع الاستراتيجي"، ومؤداها: استخدام الأرض والنظم الفضائية لحماية الولايات المتحدة الأميريكية من هجوم الصواريخ الباليستية النووية الاستراتيجية. نقلًا عن موقع ويكيبديا: https://ar.wikipedia.org/wiki

([2]) البخاري (2311).

([3]) ابن ماجه (4251)، والحاكم في المستدرك (7617)، وحسنه الألباني ().

([4]) ميزان الاعتدال للذهبي (3/141)، ط: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1382 هـ - 1963 م.

([5]) سير أعلام النبلاء للذهبي (6/346)، ط: الرسالة.

([6]) نفس المصدر السابق (13/233).

([7]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (3/220)، ط: دار الكتب العلمية، ييروت، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1991م.

([8]) صيد الخاطر، لابن حجر (ص: 454)، ط: دار القلم - دمشق، الطبعة الأولى، 1425هـ - 2004م.

([9]) توالي التأنيس بمعالي ابن إدريس، لابن حجر (1/145-146)، ط: دار ابن حزم، الطبعة: الأولى 1429 هـ - 2008 م.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات