كيف تكون مملًا؟ (2/2)

محمود الفقي - عضو الفريق العلمي

2020-12-31 - 1442/05/16
التصنيفات: تدريب

اقتباس

وهكذا يظل ينتقل من موضوع إلى آخر حتى يكل السامع من متابعته ويمل من تعدد مواضيعه ويتوه في سراديب حديثه! وفي كل هذا قصور ظاهر، وبعث على الملل والسآمة والضجر، وهو ما يجيده من أراد أن يكون مملًا، فاحذر أن تكون منهم...

لقد اتفقنا في الجزء الأول من هذا المقال على أن يكون له طبيعة خاصة؛ فبدلًا من نستعرض الخطوات ونطالبك أن تطبقها، فإننا نطالبك هذه المرة بعكس ذلك؛ بألا تطبقها أو بأن تطبِّق ضدها وعكسها... وأذكر ساعتها أنني قد تخيلت تخيلًا لو أن أحد الخطباء أتاني وسألني: كيف أفعل لأكون خطيبًا مملًا؟ ولقد أشرت عليه وقتها باتباع خمس طرق، وكانت كالتالي:

الطريقة الأولى: احفظ اللوازم الطويلة وأكثر ترديدها.

الطريقة الثانية: كن رتيب الصوت على وتيرة واحدة.

الطريقة الثالثة: حدثهم عن ما لا يعنيهم.

الطريقة الرابعة: أطل خطبتك وأكثر كلامك.

الطريقة الخامسة: اخطب من ورقة.

 

والآن موعدنا مع باقي تلك الطرق الرتيبة المملة المضجرة التي تصرف عنك قلوب السامعين وانتباههم.

 

الطريقة السادسة: الزم أسلوبًا واحدًا:

كما قلنا -في الطريقة الثانية- أن رتابة الصوت وسيلة ناجحة من وسائل الإملال والإضجار، فإننا الآن نقول: ورتابة الأسلوب الدعوي كذلك وسيلة "فعالة" من وسائل تنفير المستمعين وإملالهم وانفضاضهم من حول الخطيب جسديًا بأن يهجروا المسجد إلى سواه، أو وجدانيًا وشعوريًا بأن تحضر له أجسادهم ثم تنصرف عنه أفهامهم لتطوِّف في متاهات دنياهم!

 

وكيف يلزم الخطيب أسلوبًا واحدًا؟! أقول: لذلك صور متعددة منها:

أولًا: لزوم جانب الترغيب وحده، أو جانب الترهيب وحده: فيتناول موضوعه من أحد شقيه فقط، ويهمل الشق الآخر، فمن الخطباء من يعتمد على منهج التخويف والتفزيع وحده، حتى يفرق سامعوه ويفروا منهم ويكلوا من شدته المفرطة في الترهيب من النار والعذاب والخزي والنكال...

 

ومنهم من يلتزم جانب الترغيب وحده حتى يمل الناس أيضًا تمنيته له المفرطة... والحق وسط بين نقيضين، فلا بد من الموازنة بين الترغيب والترهيب والجمع بينهما، وعدم تغليب أحدهما على الآخر، اللهم إلا إذا وجدت ضرورة لذلك؛ بأن غلب على القوم الغفلة والتفريط فيُغلِّب جانب الترهيب... أو غلب عليهم الخوف والرهبة حتى صاروا إلى القنوط فيُغلِّب جانب الترغيب.

 

ثانيًا: لزوم نفس النهج في ترتيب الخطبة وفي عرضها: بمعنى أن تكون خطبته نمطية غير متجددة في أسلوب عرضها، فمثلًا: يبدأ خطبته بآية من القرآن الكريم أو بحديث متعلق بموضوعها، ثم يعرض أقوال المفسرين والشراح، فيقول: قال ابن كثير كذا وقال القرطبي كذا، وقال الطحاوي كذا... ثم يعرض خلافات الفقهاء قائلًا: قال مالك، قال الشافعي... ثم يرجح بين تلك الآراء... ويكرر ذلك في جميع خطبه، ولو أنه فعل ذلك في خطبة واحدة أو في بعض خطبه لما عبنا عليه، أما أن يكون ذلك في جميع خطبه أو في الأغلب الأعم منها فذلك الذي يعاب.

 

ثالثًا: عدم التنويع في النصوص والشواهد التي يستدل بها؛ فكلما تطرق في خطبته إلى "الربا" مثلًا، استشهد بنفس الآية: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)[آل عمران: 103]، وحدها دون سواها، مع أن الآيات والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة مستفيضة متنوعة!... وكلما تطرق إلى أهمية الصلاة اقتصر على حديث: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا..."([1])، وكرره كلما جاء ذكر الصلاة، مع أن الأحاديث عن الصلاة لا تكاد تنحصر!...

 

وهكذا... حتى صار السامعون كلما تطرق خطيبهم إلى موضوع من الموضوعات يتوقعون ويعلمون مسبقًا ما سيستدل به على موضوعه قبل أن يتفوه به!... ومع ما في هذا من إملال وإضجار للسامعين، فإن فيه أيضًا هجرًا لباقي النصوص من الكتاب والسنة!

 

فنوِّع أسلوبك -أخي الخطيب- واجعله دائمًا متجددًا، اخلط بين الترغيب والترهيب، واستخدم كلًا في موضعه، وأبهر جمهورك في كل خطبة بأسلوب عرض جديد مشوق، واحصر النصوص في موضوعك وانتق منها المؤثر الواضح الذي يصيب الهدف، ثم اختر من تلك النصوص المؤثرة ما لم تقله من قبل... فمثلًا قل في الربا: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية"([2])... وفي الصلاة قل: "الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر"([3])...

 

فتجنب -أخي الخطيب- لزوم جانب واحد، وإلا.. فتكاد أن تكون مملًا.

 

الطريقة السابعة: تجمَّد؛ فلا تحرك يدًا ولا عينًا:

قف كأنك تمثال من حجر؛ جامد العينين، متيبس الذراعين، متجمد الأصابع والكفين... لا تشر بيدك ولا تومئ بعينك ولا تقلب كفًا ولا تحرك أصبعًا... وأنا أضمن لك أن ينام الناس بين يديك... إن عيدان المنبر جامدة يابسة وكذا درجاته، وكذلك أيضًا جدران المسجد وأعمدته؛ كلها ثابتة لا تتحرك... فإن لم تتحرك أنت الآخر اعتبرك الناظرون جزءًا من تلك الجمادات، تبعث فيهم الهجوع والجمود والسآمة!

 

فلتعلم -أيها الخطيب اللبيب- أن جمهورك يستفيد من إيماءاتك وإشاراتك كما يستفيدون من ألفاظك وكلماتك، فكن متحركًا نابضًا محفِّزًا موقظًا مُحرِّكًا، تمامًا كما كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ألم تره -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين والركبتين، وأطراف القدمين"([4])، وعن يوم الجمعة يقول -صلى الله عليه وسلم-: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا، إلا أعطاه إياه" وأشار بيده يقللها([5])، وأنت تحفظ قوله -صلى الله عليه وسلم-: " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وقال بإصبعيه السبابة والوسطى([6])... وهذا ليس جديدًا عليك -أخي الخطيب- بل أنت تعرفه، لكن بقي أن نطبقه سويًا([7]).

 

الطريقة الثامنة: كرر موضوعك، وتكلم في أكثر من موضوع:

أَذكرُه ولا أنساه؛ ذلك الخطيب الذي كان يخطب في مسجدنا -رحمه الله-، كانت له ثلاث خطب محددات، واحدة عن العمل، والثانية عن ذكر الله، والثالثة عن الزواج، وهو يداول بينها في كل جمعة؛ العمل ثم الذكر ثم الزواج، ونادرًا ما يخرج عن هذه الموضوعات الثلاثة... حتى حفظتها صغيرًا عن ظهر قلب خاصة الأولى، فعلى الرغم من مرور عقود من الزمن على موته فإني -والله- أحفظ منها مقاطع كثيرة ولا أنساها... ولقد توجَّه إليه أبي -رحمه الله- يومًا يطلب منه أن يجدد ويغيِّر، فتعلل قائلًا: "حين يعمل الناس بها، أقول غيرها"!...

 

وهذا خطيب آخر يخطب في كل جمعة في موضوع جديد، لكنه في كل خطبة من خطبه لا بد أن يتطرق إلى "الذنوب والمعاصي"، فيترك موضوعه الأصلي ليعدد آثار الذنوب والمعاصي...

 

وللأسف فهي ليست حالات فردية بل هو حال عدد ليس بقليل من خطباء منابرنا، وكم من خطيب يجدد ويغيِّر عناوين خطبه، لكن كل خطبه موجهة إلى الناحية السياسية فقط، أو إلى جانب الرقائق فقط، أو معالجة المشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية فقط...

 

وكم من خطيب قد اعتاد أن يُضَمِّن الخطبة الواحدة موضوعات شتى؛ فيبدأ خطبته عن صلة الرحم ثم لا تدري كيف انتقل إلى الموت ثم ها هو يعرج على ذكر الله ثم يجرك إلى مكانة السعي على المعاش...

 

وهذا نموذج مختصر من خطبته: "أيها الناس حديثنا اليوم عن صلة الرحم، ومن فضائل الصلة كذا وكذا... فصلوا أرحامكم قبل أن تموتوا فإن الموت يأتي بغتة، فإذا جاء أحدكم الموت أصبح وهو في غيابة القبر، والقبر بيت الدود والتراب، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقف على شفير القبر ويقول كذا... ومن أسباب عذاب القبر أكل الربا الذي يقول عنه القرآن كذا... ومن أراد النجاة من عذاب البرزخ فعليه بذكر الله، ومن فضائل الذكر كذا وكذا، وخير الذكر القرآن، والقرآن يأتي شفيعًا لصاحبه هو والصيام، وهذا الصيام من سنة خير المرسلين -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يواظب على صيام الاثنين والخميس..."، وهكذا يظل ينتقل من موضوع إلى آخر حتى يكل السامع من متابعته، ويمل من تعدد مواضيعه، ويتوه في سراديب حديثه!

 

وفي كل هذا قصور ظاهر، وبعث على الملل والسآمة والضجر، وهو ما يجيده من أراد أن يكون مملًا.. فلا تكن أنت منهم.

 

الطريقة التاسعة: إياك أن تغيِّر استهلالك أو ختامك:

يقولون: "الرسالة تظهر من عنوانها"، ونقول: و"الخطيب ينكشف من استهلاله، ويستبين من ختامه"، وكم تكلم أرباب البلاغة عن "براعة الاستهلال" أو "حسن الابتداء" وأنه يترك انطباعًا فريدًا في ذهن السامع ووجدانه، ويجعله أكثر استعدادًا لقبول ما يأتي بعده من الحديث، فهو "أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإن كان حسنًا جامعًا للشروط التي ذكروها في حسن الابتداء، أقبل السامع على الكلام فوعى جميعه، وإن كانت حاله على الضد من ذلك مجَّه السمع وزجّه القلب ونبت عنه النفس وإن كان الباقي في غاية الحسن"([8]).

 

وفي تعريفه ومعناه قالوا: "حسن الابتداء... هو أن يتألق المتكلم في أول كلامه، ويأتي بأعذب الألفاظ، وأجزلها وأرقها وأسلسها وأحسنها نظمًا وسبكًا، وأصحها مبنى، وأوضحها معنى، وأخلاها من الحشو والركة والتعقيد والتقديم والتأخير الملبس والذي لا يناسب.

 

قالوا: وقد أتت فواتح السور من القرآن المجيد على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها، كالتحميدات، وحروف الهجاء، والنداء وغير ذلك"([9]).

 

فابدأ خطبتك مرة بآية هي الأهم في موضوعك، وابدأها مرة بحديث، ومرة بسؤال تطرحه، ومرة بتعجب من أمر غريب، ومرة بحكاية قصة أو واقعة... ابدأ بداية لا يتوقعها جمهورك تجد الرؤوس قد رفعت إليك والأبصار قد سلطت عليك والعقول قد انتبهت لك... أما أن تعتاد بداية واحدة رتيبة متكررة لا تغيِّرها أبدًا فهذا رأس الملل وذيله وقدماه!

 

هذا عن حسن الابتداء والاستهلال، أما ختام الخطبة فهو آخر ما يقرع أسماع جمهورك من كلامك، وغالبًا هو آخر ما يعلق في أذهانهم ويبقى فيها بعد خروجهم، فلا تقطع موضوعك فجأة فيشعروا أنك لم تستوف موضوعك، بل أحسن الختام كما أحسنت الاستهلال.

 

وأنقل هنا فحوى كلمات لابن حجة الحموي يقول فيها: مما يجب على الخطيب أن يحسن خاتمة كلامه غاية الإحسان؛ فإنها آخر ما يبقى في الأسماع، وربما حُفِظ من دون سائر الكلام في غالب الأحوال، فلا يحسن السكوت على غيره، وغاية الغايات في ذلك مقاطع الكتاب العزيز في خواتم السور الكريمة، فانظر أيها المتدبر هذه البلاغة المعجزة في سورة الزلزلة -مثلًا-؛ فإن السورة الكريمة بدأت بأهوال يوم القيامة، وختمت بقوله -تعالى-: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزلزلة: 7-8]([10]).

 

وفي معنى حسن الختام قالوا: "أن يكون آخر الكلام الذي يقف عليه الخطيب... مستعذَبًا حسنًا، وأحسنه ما أَذِنَ بانتهاء الكلام حتى لا يبقى للنفس تشوق إلى ما ورائه... فإن كان مختارًا حسنًا تلقاه السمع واستلذه حتى جبر ما وقع فيما سبق من التقصير، كالطعام اللذيذ الذي يتناول بعد الأطعمة التفهة([11])، وإن كان بخلاف ذلك كان على العكس حتى ربما أنسى المحاسن الموردة فيما سبق"([12]).

 

فلتكن خاتمة خطبتك متنوعة متجددة كي لا تكون مملة، فاجعلها مرة ملخصًا لخطبتك، ومرة تأكيدًا على أبرز نقطة في الخطبة، ومرة دلالة على الطريقة العملية لتطبيق ما جاء في الخطبة، ومرة فضًا لاختلاط شائع في فهم موضوع الخطبة؛ كبيان أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وذلك في خاتمة خطبة التوكل على الله...  

 

***

 

وأخيرًا: فهذا الأمور التسع "المملة" التي طرحناها ما هي إلا مجرد نماذج شائعة، وهي تنبيه على كل ما شابهها، فابتعد عنها جميعًا كي لا تكون مملًا.

 

([1]) البخاري (528)، ومسلم (667).

([2]) الدارقطني في سننه (2843)، والطبراني في الأوسط (2682)، وصححه الألباني (الصحيحة: 1033).

([3]) الطبراني في الأوسط (243)، وحسنه الألباني (صحيح الجامع الصغير وزياداته: 3870).

([4]) البخاري (812)، ومسلم (490).

([5]) البخاري (935)، ومسلم (852).

([6]) البخاري (6005).

([7]) وقد بسطنا هذا الأمر في مقال خاص على هذا الموقع بعنوان: "الجسد المقنع"، وهذا رابطه:

https://khutabaa.com/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%a8/%d8%aa%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%a8/353240

([8]) ينظر: أنوار الربيع في أنواع البديع، لابن معصوم الحسني (1/34)، ط: مطبعة النعمان النجف الأشرف، 1969.

([9]) نفس المصدر والموضع السابق.

([10]) ينظر: خزانة الأدب وغاية الأرب، لابن حجة الحموي (2/493)، ط: دار البحار-بيروت 2004م.

([11]) الأطعمة التفهة: التي ليس لها طعم حلاوة أو حموضة أو مرارة، ومنهم من يجعل الخبز واللحم منها. (لسان العرب، لابن منظور: 13/481).

([12]) ينظر: أنوار الربيع، لابن معصوم (6/324).

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات