كيف تذود عن عرض نبيك -صلى الله عليه وسلم- (1)

محمود الفقي - عضو الفريق العلمي

2021-03-01 - 1442/07/17
التصنيفات: مقالات

اقتباس

أعداء نبينا -صلى الله عليه وسلم- أذلاء مهما بدا لك من تقدمهم الزائف أو تمدنهم الخادع أو رقيهم المزعوم، أذلاء مهما علت مناصبهم وكثرت أموالهم وعظم في الدنيا سلطانهم؛ فإن كان قد قيل في أهل المعاصي من المسلمين: "إنهم وإن...

أنه ليس بجديد ولا بغريب عليهم أن يطعنوا في ديننا ولا في ثوابتنا ولا في عرض نبينا -صلى الله عليه وسلم-، بل هي عادتهم وديدنهم دائمًا أبدًا، قديمًا وحديثًا، والشواهد والنماذج على ذلك كثيرة شهيرة، وهي أعرف من أن تُعرَّف.

 

فليس الغريب أنهم يعادوننا ويطعنون في نبينا -صلى الله عليه وسلم- ويهاجمون ديننا صباح مساء؛ فإن هذا معلوم سببه كما سندرك -إن شاء الله- في ثنايا هذا المقال، ولكن الغريب هو: رد فعل بعض المسلمين في عصرنا هذا على عدائهم السافر؛ فلقد وجدنا من بيننا من يبرر لهم طعنهم في عرض نبينا واستخفافهم به وسخريتهم منه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-! ورأينا من بني جلدتنا من يُهَوِّن من فعلتهم أو يلتمس لها الأعذار!... ولن نلوث هذه الصفحات بأسمائهم ولا بانتماءاتهم.

 

نعم، لن ألوِّث هذه الصفحات بذكرهم؛ لأنني أريد توجيه هذه السطور إلى شيء عملي أهم وأسمى، وهو: كيف نصون ثوابتنا، وكيف نذود عن عرض نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وذلك في بنود محددة واضحة، فلعلها تكون خطوة على طريق النصرة، وعلى طريق الصحوة والرفعة.

 

البند الأول: إدراك السبب:

وهذه هي البداية؛ لماذا يعادوننا؟! ولماذا يهاجموننا؟! ولماذا يسبون نبينا -صلى الله عليه وسلم-؟! فدعونا نحاول سرد أهم أسباب ذلك:

 

السبب الأول: تزايد عدد المعتنقين للإسلام في بلادهم: فبحسب موقع "الغاردين" البريطاني فإن "الإسلام ينمو بشكل أسرع من باقي الأديان، ومعدل نموه هو ضعف المسجل لدى باقي الطوائف، وأنه سينتزع من المسيحية ريادة الترتيب العالمي في منتصف القرن الحادي والعشرين، وسيكون الديانة الأولى في العالم بحلول سنة 2060"([1]).

 

وقد أظهرت دراسة أجراها مركز أبحاث "بيو" الأمريكي "أنه بحلول عام 2040 سيصبح الإسلام ثاني أكبر ديانة من حيث عدد سكان الولايات المتحدة بعد المسيحية"([2])، وأكدت نفس الدراسة أنه من المتوقع "أن ينمو عدد المسلمين في العالم بمعدل أسرع من السكان المسيحيين بسبب صغر سنهم وارتفاع معدل الخصوبة لديهم"([3]).

 

وفي كل يوم يستيقظون على خبر إسلام كبير من كبرائهم، فمن الشخصيات الدينية الشهيرة التي دخلت في الإسلام: القس الألماني "آدم نويزر"، والقس الأمريكي "يوسف إستس"، والقس البريطاني "إدريس توفيق"([4])، والعالم اليهودي التوراتي "السموأل يحيى"، والمبشر المنصِّر الكندي "جاري ميلر"، والقس الكاثوليكي "دافيد بنجامين" الذي صار اسمه: "عبد الأحد داوود" مؤلف "محمد في الكتاب المقدس"، والعالم اليهودي الحاصل على دكتوراه في اللاهوت "خالد ميلاسنتوس" وكان الرجل الثالث في مجمع كنائس قارة آسيا، وأستاذة الأديان "إنجريد ماتسون" بكلية هارت فورد الأمريكية...

 

ومن السياسين: "كيث إليسون" أول عضو مسلم في الكونجرس، و"أرنود فان دورن" السياسي الهولندي، و"أوري ديفيس" الأكاديمي والسياسي الإسرائيلي، و"دانيال شترايش" مدرس العلوم العسكرية، وعضو حزب الشعب السويسري، و"روبرت كرين" مستشار الرئيس الأمريكي "نيكسون"، ومراد هوفمان سفير ألمانيا لدى المغرب، و"جاك إيليس" عمدة مدينة ماكون بولاية جورجيا، و"توركواتو كارديلي" السفير الإيطالي لدى السعودية...([5])... وغير هؤلاء كثير، فهي قائمة طويلة لا تنقطع.

 

وعلى هذا، فالأمر بالنسبة لهم صراع وجود وصراع بقاء، فهم يدافعون عن وجودهم -كما يتخيلون- بمحاربة الإسلام ونبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-، وبتشويه صورته في أعين أبناء جنسهم لئلا يعتنقوا دينه.

 

السبب الثاني: أنهم لا يعرفون نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ولا يعرفون شيئًا عن الإسلام، ولا تصلهم عن ديننا إلا صورة مشوهة في الغالب؛ فالإسلام عندهم مرادف للإرهاب والتطرف والعنف والتخلف والمعاداة للبشرية وبغض الآخرين... فلا عجب إن تنامى عندهم ما يسمونه "الإسلاموفوبيا"، ولا عجب أن يتجنى من وصله ذلك التشويه على دين الإسلام وأهله ونبيه -صلى الله عليه وسلم-.

 

السبب الثالث: أنهم يخشون صحوتنا وعودة ماضينا: حين كان المسلمون سادة الأرض، ويخافون أن نستيقظ وننتبه من غفلتنا فنتفوق عليهم ونعود إلى مجدنا وعزنا... فهم يحاولون بكل طريق إبقاءنا في ذيل الركب، ومن طرقهم تلك: إشعارنا بالدونية والتخلف وسيطرتهم علينا!

 

السبب الرابع: ما يقع من أخطاء من جهلة المسلمين: فهم يضخِّمون الخطأ ويلصقونه بالإسلام ذاته، في حين يتغاضون عن أخطاء بني جلدتهم مهما كانت فادحة وعظيمة ويهونون من شأنها! ويعودُّونه خطأً فرديًا.

 

البند الثاني: اجعل من سامعيك "رقمًا صعبًا":

إن كل نجاح لمسلم ملتزم وكل تفوق له في أي مجال نافع هو -في الحقيقة- نصرة لنبيه -صلى الله عليه وسلم- إن أخلص فيه النية، وهو إضافة إلى رصيد الأمة الإسلامية ورفعة لها بين شعوب الأرض.

 

وإن كل مسلم يقظ واع لما يراد به وبأمته وبكتابه ودينه، كل مسلم حذر من كيد أعدائه مخالف لهم ومقاوم لهم: يشكِّل "رقمًا صعبًا" وعقبة كؤودًا في طريق مكرهم وسعيهم الخبيث الدائب.

 

فلتُعَلِّم من يستمعون إليك -أخي الخطيب- أن يكونوا "رقمًا صعبًا"؛ فلا يكونون لقمة سائغة بين أنياب أعدائهم... بل ليكن كل منهم غصة في حلوقهم بتفوقه وتفرده... وليكن عقبة في طريقهم بعناده وعزمه وإصراره وتحديه لمخططاتهم... وليكن صعب الهضم شديد المراس فائق التصبر طويل النفس واثقًا في قدراته متساميًا فوق كل محاولاتهم لهزيمته نفسيًا...

 

فإن استطعت أن تترقى بهم وتبث الثقة في نفوسهم فيما يملكون من دين وعقيدة وشريعة ونبي خاتم -صلى الله عليه وسلم-، فازداد اعتزازهم بذلك كله، لكنت حقًا قد نصرت نبيك -صلى الله عليه وسلم- وذدت عن حياضه، ولكان سامعوك؛ ممن وثقوا واعتزوا، قد نصروا نبيهم -صلى الله عليه وسلم- بكونهم "رقمًا صعبًا" يستعصي على الانخداع بما يحيكه أعداؤهم، وصدق الله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آل عمران: 120].

 

البند الثالث: التقليل من أهمية كيدهم:

أعداء نبينا -صلى الله عليه وسلم- أذلاء مهما بدا لك من تقدمهم الزائف أو تمدنهم الخادع أو رقيهم المزعوم، أذلاء مهما علت مناصبهم وكثرت أموالهم وعظم في الدنيا سلطانهم؛ فإن كان قد قيل في أهل المعاصي من المسلمين: "إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية في رقابهم؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه"([6])، فإن هؤلاء أولى بذلك.

 

وهم ضعفاء رغم ترسانات أسلحتهم ومعداتهم: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)[آل عمران: 111]، هم متفرقون مشرذمون مهما ادعوا اتحادًا وتكتلًا: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى)[الحشر: 14]... نعم، هم أذلاء لأن الله -تعالى- قال ذلك: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا)[آل عمران: 112].

 

ومهما افتروا على نبينا -صلى الله عليه وسلم- وعلى ديننا وحاولوا أن يصرفونا عنه، قلنا لهم: قد فضحكم القرآن وجلى لنا كيدكم حين قال: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)[البقرة: 217]، وحين قال لنا عنكم: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)[الممتحنة: 2]... فإنا نعلمكم ونكشفكم.

 

أيها الشانئون الكارهون: لقد افترى على نبينا -صلى الله عليه وسلم- قبلكم كثيرون، فما ضروه ولا نالوا من شرفه وقدره شيئًا، لقد قال له أبو لهب يومًا: "تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا"، فأجاب عنه ربه -تعالى-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)[المسد: 1-3]، وآذته زوجة أبي لهب فصارت إلى يوم القيامة "حمالة الحطب"، وآذاه من آذاه عبر العصور والأزمان فأين هو وأين هم! وصدق الله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)[المائدة: 67].

 

فكيدهم محدود لا يملكون حتى لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، (وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا)[المائدة: 42]، ومهما أنفقوا أموالهم وبذلوا جهودهم ليضلونا فلن يستطيعوا أن يفعلوا أبدًا: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)[النساء: 113]، لذلك فكم نصحنا ربنا -عز وجل- فقال: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)[المائدة: 44]، وفي الحديث: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"([7]).

 

فلترسِّخ ذلك -أخي الخطيب- في أذهان جمهورك، فإن فعلت فقد نَصرتَ، ونصروا معك، رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

البند الرابع: اعتماد سياسة الهجوم:

لن نهاجم أنبياءهم لأنهم أنبياؤنا ونحن أولى بهم منهم، لكننا سنهاجم ممارساتهم ونبرز عيوبهم ونفضح ألاعيبهم... وأيضًا نقارن بين توقيرنا لأنبيائهم، وتعديهم على نبينا -صلى الله عليهم جميعًا وسلم تسليمًا كثيرًا-، ونقارن كذلك بين احترامنا لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وبين إهانتهم لأنبيائهم أنفسهم في "كتابهم المقدس"! فتُرى لصالح من تكون نتيجة المقارنة؟!.

 

ثم نقارن بين تاريخنا من التسامح والعفو والسماحة وحسن المعاملة لمن وقع منهم تحت أيدينا، وبين تاريخهم الطافح بالاعتداء وإسالة الدماء وتدنيس المقدسات...

 

ملكنا فكان العفو منا سجية *** فلما ملكتم سال بالدم أبطح

 

وحين نقول -معشر الخطباء-: "ديننا دين السلام"، فيجب أن نوضح لجمهورنا الفرق بين السلام والاستسلام، وقد قالوا: "لابد للسلام من قوة تحميه" وإلا لن يستقر في الأرض سلام أبدًا، وشتان ما بين السلام وبين الخنوع والخضوع والهوان.

 

والقرآن الكريم الذي قال: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)[الأنفال: 61]، هو نفسه الذي قال قبلها: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)[الأنفال: 60]... فلو علم أعداؤنا أن لنا شوكة وقوة تهاب، لفكروا ألف مرة قبل أن يتجرأوا على مقدساتنا أو على نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ولو تحامق سفهاؤهم وفعلوا ذلك لأخذ الباقون على أيديهم بدلًا من أن يدعموهم ويساندوهم... إن من البشر أناسًا لا يقيمون لشيء وزنًا إلا تبعًا لما يمتلك من قوة وبأس، فإن كنت قويًا كان لك عندهم من القدر على حسب قوتك، وإن كنت ضعيفًا فلا وزن لك عندهم!

 

فهو طريق أكيد مضمون لعودة العز والشرف ولبناء المجد والإباء، طريق يقول سالكه:

اصنع سكينًا واتبعني *** وتعال نحرر وادينا

نروي الطرقات من دمنا *** والله أكبر من فينا

ونردد صيحات النصر *** لنحرر أغلى أراضينا

 

اشحذ سكينك وتعالى *** فالدمع ملء مآقينا

فسيوف الأعداء توالي *** إسقاط أغلى أمانينا

 

ارفع سكينك في عز *** ولنصنع يومًا حطينا

أحفاد من نسل صلاح *** ما كانوا يومًا خاويينا

 

فهلما نقتلع الذل *** ولنعطي الكل سكاكينا

 

ومهمة الخطيب هنا أن يبَصِّر جمهوره بضرورة إعداد القوة، وبأنواع القوة؛ كالقوة الإيمانية والعلمية والعملية والبدنية والمالية... ويبَصِّرهم بأهمية تلك القوة في حفظ قدر نبينا -صلى الله عليه وسلم- عند أعدائنا...

 

وألقاكم في بقية البنود إن قدر الله -تعالى-.

 

 

 

[1])) نقلًا عن خبر بموقع "فرنسا 24"، : www.france24.com

[2])) ينظر مقال: "استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة"، على موقع  : https://www.dw.com

[3])) ينظر مقال: "التوزيع الديني عام 2050"، على موقع: إسلام أون لاين: https://islamonline.net

[4])) ها هو يروي قصة اعتناقه للإسلام بنفسه على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=ksTr5xkTMcg&feature=share&fbclid=IwAR1BuEvG6F5aDCXaHsJxbdFybxcon9eXZoO3_PlMnut0kNKslhwaBDjw_bc 

[5])) من مقال على موقع "ويكيبيديا"، تحت عنوان: "قائمة أشخاص اعتنقوا الإسلام": https://ar.wikipedia.org 

[6])) الداء والدواء، لابن القيم (ص: 179)، ط: دار المعرفة - المغرب، 1418هـ - 1997م. 

[7])) الترمذي (2516)، والحاكم (6303)، وصححه الألباني (المشكاة: 5302). 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات