كارثة جدة عظة وعبرة

عبد العزيز بن محمد القنام

2009-12-10 - 1430/12/23
عناصر الخطبة
1/أهمية الاتعاظ والاعتبار من النذر والآيات 2/ الأمطار قد تكون عذابا (قوم نوح وفرعون أنموذجا) 3/ ضعف ابن آدم أمام قدرة الله 4/ المعاصي سبب الكوارث 5/ الكوارث والأخذ الأسباب المنجية منها من قدر الله 6/ ظهور الخبث في زماننا 7/ واجب المواطنين والجهات المختصة إزاء هذا الحدث

اقتباس

نُذُرٌ وآياتٌ، وعقوباتٌ وتخويفاتٌ لا تدفعها القوى، ولا تُطِيقُها الطاقات، ولا تقدر عليها القدرات، ولا تتمَكَّنُ منها الإمكانات، ولا تُفيدُ فيها الراصدات ولا التنبُّؤات. لا تصِلُ إليها المُضادَّات، ولا المَصَدَّات من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون..
تهتز البحار، وتتصدع الجبال، وتهلك النفوس، ولا تهتز القلوب، وترتجف الديار ولا ترتجف الأفئدة، ..

 

 

الحمد لله، تفرد بالعز والجلال، وأنعم بالعطاء والإفضال، يغيث الأرض بالسحاب الثقال فتتغير الأرض من حال إلى حال، فهكذا يحي الله الموتى، ويريهم آياته، وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال، ونشكره عز وجل على نعمه والله يحفظها علينا من الزوال، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) ونعوذ به من أحوال أهل الضلال، ونسأله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الحال والمال والمآل.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أتحرر بها من عبودية من سواه، وأزيل بها الإصر والأغلال، وأنجو بها من عذاب يوم لا ريب فيه، لا بيع فيه ولا خلال .وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من أنذر، وخير من بشر، وخير من وعظ، وخير من قال، وأنذرنا قبل قيام الساعة بحدوث خسف وزلازل وأهوال، فمن ترسم هديه، وسار على نهجه، فاز بالجنة واتقى الشدائد والأهوال، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، نالوا بصحبته عزة الدنيا وفوز الآخرة، فحق لهم أن يفخروا فمنزلتهم لا تنال، فمن ذا يجاريهم في فضلهم، إلا كما يجاري المتبختر بمشيته شم الجبال.

أما بعد: فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى تدرعوا بها في الشدة والرخاء في السراء والضراء فبها تدفع المحن والبلايا، والفتن والرزايا؛ فما من خير عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله سبيل موصل إليه، وما من شرٍ عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله عز وجل حرز متين وحصن متين وحصن حصين للسلامة منه والنجاة من ضرره.

أيها المسلمون: وقد عاد الحجيج إلى ديارهم سالمين، غانمين، مغفورة ذنوبهم، محطوطة آثامهم، كما نرجو لهم، فإن من أعظم ما حققوه في حجهم، بعد أن قضوا تفثهم، ووفوا نذورهم واطوفوا بالبيت العتيق - نسأل الله تعالى أن يجعل حجهم مبروراً و سعيهم مشكورا وكان مناسباً اليوم الحديث عن مناسبة انتهاء موسم الحج لهذا العام. ولكن خطبتنا هذا اليوم قد فرضت نفسها، تؤجل لأجلها كل المواضيع، فموضوعها حديث المجالس، فكيف لا يكون حديث المنابر.

والتي لا تخفى عليكم -أيها الإخوة- فقد تابعنا وإياكم أخبار ومشاهد الكوارث التي سببتها السيول والأمطار في الجزء الغربي من بلادنا حرسها الله "في محافظة جدة": نسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يحفظهم من كل سؤ ومكروه، وأن يفرج كربتهم، وأن يرفع ما أصابهم من الكروب، وأن يشفي المصابين والمرضى وأن يرحم المتوفين منهم وأن يحفظ جميع أرجاء الوطن، وجميع أوطان المسلمين من كل سوء ومكروه، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن. كما نسأله سبحانه أن يجعل ما نرى وما نسمع، من الكوارث التي حدثت في بلادنا عبرةً لنا ولغيرنا، ولا يرينا أو يسمعنا أي مكروه في أي بلاد المسلمين.

أيها الإخوة المؤمنون: وبمناسبة هذا الحدث سيكون مدار الخطبة متعلق بهذا الموضوع، من باب التذكير نقف على ما فيه من عبر واعتبار جعلنا الله وإياكم من الذين إذا ذكر تذكر واعتبر وأناب فما أحوجنا للتوقف والتأمل والاعتبار فهذا هو دأب أصحاب القلوب الحية، وهذا هو توجيه الله لنا يوم أن قال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَاب) [يوسف:111].

ولذا آثرت -أيها الإخوة المؤمنون- أن يكون الحديث عن هذه الكارثة التي حلَّت بإخواننا في محافظة جدة وما حل بهم من كروب وأخطار، أثر تلك الأمطار، بأمر العزيز القهار، لنتذكر الحقيقة التي هي الأولى بالذّكر في هذا المقام، فلا علينا أن لا نذكر غيرَها من أمر الكارثة، فالله سبحانه وتعالى يُري عباده من العقوبات ليعتبروا ويتوبوا؛ فالسعيد من تنبه وتاب، والشقي من غفل واستمر على المعاصي ولم ينتفع بالآيات.

كم نسمع من الحوادث ونشاهد من العبر والعظات، كل ذلك يخوف الله به عباده، ويريهم بعض قوته وقدرته عليهم، ويعرفهم بضعفهم، ويذكرهم بذنوبهم، فهل اعتبرنا؟! هل تذكرنا؟! هل غيرنا من أحوالنا؟!

أيها المسلمون: إننا ندرك عبر سنن الله الكونية ما لطاعة الله تعالى من آثار حميدة وعاقبة سعيدة، وما للمعصية من آثار قبيحة، وعاقبة سيئة؛ ولكن يغفل عن ذلك الذين هم في غمرة ساهون.

وإن ما نشاهده من هذه الآيات والكوارث والمصائب تجعل المؤمن متصلاً بالله، ذاكراً له شاكراً لنعمه، مستجيراً به خائفاً من نقمته وسخطه.. قال عز وجل: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف:105] أي: لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

وإن نزول الأمطار من السماء، أحياناً، لا يكون نزوله رحمة، بل هو عذاب وعقوبة إلهية لتلك القرية، أو لتلك الأمة وقد أهلك الله عز وجل أمماً وأقواماً بهذا الماء، في القديم وفي الحديث.

وقد ذكر الله عز وجل في كتابه، عقوبة الغرق بالماء، لأقوام عتوا عن أمر ربهم. وهم قوم نوح عليه السلام وذلك بعدما أعرضوا عن الدعوة، ولم يؤمنوا بما قال لهم نوح عليه السلام.

أغرقهم الله عز وجل بالماء بإرسال السماء عليهم مدراراً، وبتفجير ينابيع الأرض حتى تشكل طوفان هائل، وجعل -سبحانه- لنوح عليه السلامة علامة لبداية عملية إغراق أولئك القوم بالماء، هو فوران التنور، قال الله تعالى: (اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُون) [المؤمنون:27] وقال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) [هود:40] وجاء تفصيل عملية الغرق بالماء في موضع آخر فقال عز من قائـل: (فَفَتَحْنَا أَبْوبَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ) [القمر:11-14].

وعقوبة الغرق بالماء، حصلت أيضاً لقوم فرعون، وذلك عندما آذوا موسى عليه السلام، ولم يقبلوا ما جاء به، أغرقهم الله بالماء، الماء الذي كان فرعون يفتخر ويتكبر ويقول: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، فهذا الماء الذي كان يجري من تحته جعله الله فوقه، وهذه عقوبة التمرد على دين الله عز وجل، قال الله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس:90-92].

أيها المسلمون: هذا نوع من أنواع العقوبات الإلهية لأولئك الذين حاربوا دين الله عز وجل، أرسل الله لهم أحد جنوده، وهو الماء، فأغرق ودمّر بأمر الله عز وجل: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هي إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) [المدثر:31].

إن جنود الله عز وجل في إهلاك المخالفين وتأديب المعاندين، وتذكير المتأخرين بما حصل للمتقدمين لا عد له ولا حصر، والله جل وتعالى يهلك ويعاقب كل قرية بما يناسبها.

وإن المتأمل لكتاب الله تعالى -يا إخوة الإيمان- يراه يرسم لنا طريقة الخلاص من كل فتنة مضلة، ويرسم لنا سنة لا تتبدل ولا تتغير، ولا تجد لسنة الله تبديلا، نرى خلالها سبيل المؤمنين مفصلة وسبيل المجرمين مفصلة، ثم نرى عاقبة هؤلاء، وعاقبة هؤلاء، (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ) [الأنعام:55 ].

وقال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى:30].

نُذُرٌ وآياتٌ، وعقوباتٌ وتخويفاتٌ لا تدفعها القوى، ولا تُطِيقُها الطاقات، ولا تقدر عليها القدرات، ولا تتمَكَّنُ منها الإمكانات، ولا تُفيدُ فيها الراصدات ولا التنبُّؤات. لا تصِلُ إليها المُضادَّات، ولا المَصَدَّات من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون..

تهتز البحار، وتتصدع الجبال، وتهلك النفوس، ولا تهتز القلوب، وترتجف الديار ولا ترتجف الأفئدة، وتعصف الرياح ولا تعصف النفوس، وتتزلزل الأرض ولا يتزلزل ابن آدم المخذول، يبتلون و (يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) [التوبة :126].

ألا فاتقوا الله -رحمكم الله-، ولا تكونوا كأصحاب نفوسٍ قسَتْ قلوبُها، وغلُظَت أكبادُها، وعظُمَ عن آيات الله حجابُها، فلا تعتبِر ولا تدَّكِر، لا تكونوا من أقوامٍ جاءتهم آياتُ ربهم، فكانوا منها يضحكون، والآياتُ تأتيهم وهي أكبر من أختها، فإذا هم عنها معرضون.

فيا أيها المسلمون: هل علمتم أن تقصيرنا هو سبب تكديرنا، وذنوبنا هي سبب كروبنا، قال العليم القدير: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى:30]. لو آمنا حق الإيمان لأمنا، ولو أسلمنا حق الإسلام لسلمنا، ولو اغتنمنا جواهر الزمن لغنمنا، قال اللطيف الخبير: (وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ) [الأعراف: 96].

المعاصي -أيها المسلمون- تفسد الديار العامرة، وتسلب النعم الباطنة والظاهرة، زمانكم هذا زمان وأي زمان، تلطخت فيه القلوب بالأدران، وتلوثت فيه الجوارح بالإثم والعدوان، ذنوب ومعاصي، أثقلت الداني والقاصي، إلا من رحم ربي، فإلى الله المشتكى، قنوات فضائية، ووسائل إعلامية، وشبكات معلوماتية، واتصالات سلكية ولاسلكية، جلبت الغرائب والمصائب، وأتلفت العفة والحشمة، وعصفت بالخلق والحياء، وهل جنينا مما ساء منها، إلا الجرائم والفسوق، والشذوذ والانحراف فصرنا إلى ظلم بين العباد قد انتشر، وغصب لأموال الناس بالباطل قد ظهر، وأكل لحقوق البشر وأمور كثر.

أيها المسلمون: نعلم أن ما يحدث للناس من كوارث ومصائب في السيول وفي غيرها، قضاء وقدر، ولكن الأخذ بأسباب الوقاية والنجاة أيضا من القضاء والقدر.. لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقى والتعاويذ أهي تنفع من قضاء الله عز وجل وقدره قال عليه الصلاة والسلام "هي من قضاء الله عز وجل وقدره".

فالأخذ بأسباب الهلاك والأخذ بأسباب النجاة كلها من قضاء الله عز وجل وقدره.

ثم اعلموا رحمكم الله أن عذاب الله إذا حلّ بقوم عمّهم فهو لا يصيب ناساً دون آخرين، قال صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم". وسألته عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا ظهر الخبث".

فلقد ظهر الخبث في زمننا هذا وأصيب أناس بفسادٍ في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدرا في أفهماهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم حتى ربى فيها الصغير، وهرم عليها الكبير فلم يروها منكراً.. أقاموا البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الغلبة لهذه الأمور، فإذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت، فباطن الأرض والله خير من ظهرها، وقمم الجبال خير من السهول، ومخاطبة الوحوش أسلم من مخالطة الناس، أقشعرت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الفسقة، وبكى ضوء النهار، وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة، والأفعال الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون، والمعقبات إلى ربهم، وكثرت الفواحش، وغلبت المنكرات والقبائح، وهذا والله منذر بسيل عذاب، قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل قد أدلهم ظلامه، فاعزلوا عن طريق هذا السيل بتوبة نصوح، ما دام بابها مفتوح.

ألا فاتقوا الله -يا عباد الله-، وقفوا عند حدود الله وعظّموا حرماته, (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر: 5], وإيّاكم أن تزيدوا فسوقاً كلما زادكم الله نعيما وأنتم تقرءون عن قوم قال الله فيهم: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:44-45].

فلنتق الله -أيها المسلمون-: ولنأخذ بأسباب النجاة؛ فإن هلاك الإنسان ونجاته مقيد بما كسبت يداه، ولنعتبر بمن حولنا، ولنتعظ بما يجري بالأقوام من غيرنا، كان عبد الله بن مسعود يحدث في المسجد: "إن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره"

واحذروا -يا عباد الله- المعاصي صغيرها وكبيرها، وعليكم بملازمة الاستغفار والتوبة فإن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، وبعدها (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) [الأنعام: 158].

نسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من الذين إذا وعظوا اتعظوا، وإذا أذنبوا استغفروا، وإذا ابتلوا صبروا، إنه سميع مجيب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:40] نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي وفق من شاء فعصمهم من الفتن وثبتهم عند المحن وأشهد أن لا إله إلا الله لا يجري في هذا الكون إلا ما قدره وقضاه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من ثبت وقت الفتن وتخلص من كل البلايا والمحن صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].

أيها المسلمون: إن هذا الحدث الجلل الذي وقع جراء الأمطار والسيول في محافظة جدة لهو مصابنا جميعاً لكوننا أسرة واحدة وإخوة في الدين والعقيدة، ولو تباعدت المسافات فيجب علينا أن نشاركهم محنتهم، وأن ندعوا لهم أن يرفع ما بهم من محنة وأن يشفي كل مصاب منهم ولاننسى الدعاء للغرقى والموتى في هذه السيول وأن نخفف من مصابهم.

كما من الواجب على المواطنين التعاون مع المسئولين على توفير الإمكانات وأنواع الخدمات اللازمة والمحتملة، بناء على توجيهات ولي أمرنا " خادم الحرمين الشريفين" يحفظه الله وبمتابعتة المتواصلة الذي يعايش مواطنيه في السراء والضراء ويتلمس احتياجاتهم، ويتتبع اهتماماتهم، ويلبي متطلباتهم، والرقي بهم إلى ماتتحقق بهم طموحاتهم وتتذلل به عقباتهم، وهذا ليس بمستغرب منه حفظه الله.

فعندما علم بحجم الكارثة وما خلفته هذه الأمطار من أخطار وخسائر بشرية ومادية حيث توفي اثر ذلك أكثر من مائة شخص أمر بصرف مليون ريال لذوي كل من توفي غرق، وكما أصدر توجيهاته للمسئولين بتوفير كل مايحتاجونه المتضررين وتعويضهم في ممتلكاتهم، ولاشك أن خادم الحرمين أطال الله في عمره خفف من مصاب المصابين، فهم، يلهجون بالشكر لله تعالى والدعاء لولي الأمر فهذا ديدن المؤمن أن أصابته سراء شكر.

فجزاه الله خير الجزاء وسدد على دروب الخير خطاه وحفظه الله ذخراً للبلاد والعباد وإننا والله أيها الأخوة لا نقول هذا تزلفاً أو مجاملة لأنه قد صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "من لايشكر الناس لايشكر الله" وقال عليه الصلاة والسلام: "ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" .

فنسأل الله أن يجزي ولي أمرنا عنا خير الجزاء فان من علامات الخيرية فيه محبته للناس ومحبة الناس له كما قال عليه الصلاة والسلام من حديث عوف بن مالك الاشجعي أنه قال "خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم وتصلون لهم ويصلون لكم ... الحديث" أي تدعون لهم ويدعون لكم.

فاشكروا الله عباد الله على هذه النعم التي يتمناها غيرنا، ولا شك أننا محسودون على ما نحن فيه، يحسدنا أعداؤنا على نعمة الإسلام وعلى الأمن الذي نعيش فيه مطمئنين آمنين على ديننا، آمنين على أموالنا، وعلى محارمنا، حاقدين على ما من الله به على هذه البلاد التي لم تستطيع قوتهم المادية مهما بلغت أن تحقق لهم شيئاً من ذلك، إنهم يسعون جاهدين أن يجدوا بيننا شيئاً مما يسبب زوال شيء من هذه النعم نسأل الله أن يديم علينا نعمة الإسلام والأمن والاستقرار.

أيها الناس: الجهات الأمنية، والدفاع المدني، جهاز مسئول عن ذلك، لكنهم أيضا بشر لهم طاقات و إمكانات، وخصوصا إذا كثرت الحوادث، وأنت أيضا تقف معهم باتقائك الكوارث، والوقاية خير من العلاج.. أنت أيها المسلم، الدفاع المدني الأول لنفسك وأسرتك، فلا تتهور وتجعل نفسك في هذا المأزق، ثم تلقي باللوم على غيرك، لقد رأيت بأم عيني صور، السيارات وبعضها مما يوصف بالقوة، يحملها السيل بين زبده، ويقلبها كأنها علب، ورجال ونساء كادت أن تكلبهم يد المنون، لولا أن من الله عليهم بمن أنقذهم، كل ذلك بسبب التهور، واستسهال الأمر.

فيا أخي المسلم: إذا هطلت الأمطار، فاتق الأخطار، الزم أنت وأسرتك بيتك، فإذا توقف المطر وذهب الخطر فاذهب حيثما شئت بحذر.

اللهم إنا نحمدك ونثني عليك، ونعبدك ونتوكل عليك، لا ملجأ منك إلا إليك، خضعت لك رقابنا، وذلت لك أعناقنا، ما تراكمت الكروب إلا كشفتها، ولا حلت الجدوب إلا رفعتها، أطعمت وأسقيت، وكفيت وآويت، وأغنيت وأقنيت، نعمك لا تحصى، وإحسانك لا يستقصى، قصدتك النفوس بحوائجها فقضيتها، وسألتك الخلائق فأعطيتها، نحمدك على نعمة الغيث حمدا يليق بكريم وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك وبحمدك، لا رب لنا سواك، ولا نعبد إلا إياك، اللهم اجعلنا ممن تعرّف إليك في حال الرخاء فتعرّفت إليه في حال الشدة.

اللهم ارحمنا فانك بنا راحم، ولا تعذبنا فانك على ذلك قادر.

اللهم الطف بنا فيما جرت بنا المقادير يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، يا من دبر الدهور، وقدر الأمور، وعلم هواجس الصدور.

اللهم يا صاحب كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا رافع كل بلوى، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، يا ربنا، ويا سيدنا، ويا مولانا، ويا غاية رغبتنا، لا رب لنا سواك فندعوه، ولا مالك لنا غيرك فنرجوه، إلهنا من نقصد وأنت المقصود، ومن نتوجه إليك وأنت صاحب الكرم والجود، ومن الذي نسأله وأنت الرب المعبود، يا من عليه يتوكل المتوكلون، وإليه يلجأ الخائفون، وبكرمه وجميل عوائده، يتعلق الراجون يا آمان الخائفين، ويا رجاء المذنبين، إن تجنبنا وتجنب بلادنا خاصة وجميع بلدان المسلمين عامة سوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن الزلازل والمحن، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم يا من أودع في الكون روعته، ونشر في الأرجاء رحمته، لا تجعلنا من أشقياء الدنيا والآخرة، وأهد لنا شيبنا وشبابنا، ولاتواخذنا بما فعل السفهاء منا يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وسائر قراباتنا. اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف المبتلين، واقض الدين عن المدينين، وفرج كرب المكروبين.

اللهم اجعل لنا ولكل مسلم ومسلمة من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية، اللهم إنا نعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء.

اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وإحسانك يا أرحم الراحمين، حسبنا الله وكفى، حسبنا الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى، على الله توكلنا، وإليه أنبنا.

اللهم إنا نعوذ بك من الطعن والطاعون، والوباء وهجوم البلاء في النفس والأهل والمال والولد، ، الله أكبر، الله أكبر مما نخاف ونحذر، الله أكبر، الله أكبر عدد ذنوبنا حتى تُغفَر.

اللهم إنا نعوذ بك من جَهد البلاء، ودَرَك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

نعوذُ بكلمات الله التامَّاتِ التي لا يُجاوِزُهُنَّ برٌّ ولا فاجرٌ من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما يلِجُ في الأرض، ومن شر ما يلِجُ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرُقُ بخيرٍ يا رحمن.

اللهم إنا نسألُكَ الثباتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرشد، ونسألكَ شكرَ نعمتك، وحُسن عبادتك، ونسألك قلوبًا سليمة، وألسنةً صادقة، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ولا تؤاخذنا بذنوبنا فنهلك، ولا تؤاخذنا بذنوبنا فنهلك، ولا تؤاخذنا بذنوبنا فنهلك وأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّ وترضى، وخُذْ بناصيته للبِرِّ والتقوى، وهيِّئ له البطانة الصالحة الناصحة الصادقة التي تدُلُّهُ على الخير وتعينه، وأبعِد عنه بطانة السوء يا رب العالمين.

اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمر المسلمين لتحكيم شرعك، وإتباع سنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم.اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفُكَّ أسرانا، وانصرنا على من عادانا برحمتك يا قوي يا عزيز.

عباد الله: اعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدْسه، وأيَّه بكم أيها المؤمنون من جنِّهِ وإنسِهِ، فقال قولاً كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .

اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمدٍ المبعوث في أمِّ القُرى، وعلى صاحبه أبي بكر الصديق مصاحبه إن وقعت الشدة أو الرخاء، وعلى عمر الفاروق الذي دوَّخ الكفر فذلَّت له الأعداء، وعلى عثمان زوج ابنته ما كان حديثًا يُفترى، وعلى عليٍّ بحر العلوم وأَسَد الشَّرى، وعلى عمه العباس الذي سألت الصحابة به الغيث فسالت السماء وعلى جميع آله وأصحابه صلاةً تبقى وسلامًا يَتْرَى إلى يوم الجزاء.

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

 

 

 

 

 

المرفقات

895

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات