قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (5)

عبد العزيز بن عبد الله السويدان

2015-06-04 - 1436/08/17
عناصر الخطبة
1/السر في سجن يوسف -علبه السلام- رغم براءته 2/دخول يوسف -عليه السلام- السجن وقيامه بالدعوة إلى الله 3/تأويل يوسف -عليه السلام- للرؤيا في السجن وحكمته في ذلك 4/مدة بقاء يوسف -عليه السلام- في السجن وحكم الله في ذلك 5/الرؤيا التي رآها الملك في المنام وبعض حكمها وأسرارها 6/تأويل يوسف -عليه السلام- لرؤيا الملك

اقتباس

ميزان الإحسان -أيها الإخوة- معروف، والفضيلة مسألة ذاتية، وليست نسبية، أي أنه حتى المنحرف عن الفضيلة، يرى الفضيلة فضيلة، والإنسان في الجملة يعرف الحسن، ويعرف القبيح، ولذلك، فإنهما مهما كان وضعهما الأخلاقي، لاحظا في يوسف في سمته وسلوكه، لاحظا الإحسان، وحفظ ذلك عنه، حتى...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

قال الله -تعالى-: (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)[يوسف:35].

 

(لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) بالرغم من ظهور براءة يوسف وعفته -عليه السلام-، بدا لهم لمصلحة راجحة عندهم، لعلها إخفاء معالم الجريمة، وقطع الألسن التي تتحدث بها، بدا لهم أن يودعوه في السجن لفترة من الزمان، حتى يظهر للناس بأنه هو الآثم، أو ربما سجنته امرأة العزيز مكيدة منها رجاء أن يمل حبسه، فيبذل نفسه، ويقبل برغبتها إذ كانت تقول: (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ)[يوسف:32].

 

حكم جائر في بيئة الجاهلية، في بيئة الحكم المطلق، حيث يرمى بالإنسان في السجن بإشارة واحدة، من السلطان أو حاشيته.

 

هكذا بلا تهمة ولا محاكمة، ودون تأنيب من ضمير، أو إحساس بسوء عاقبة، فالمتسلط يستطيع أن يفعل ما يشاء، ولذلك كان من ضمن من يظلهم الله -عز وجل- بظله يوم لا ظل إلا ظله: "إمام عادل".

 

ولقد قال الله -عز وجل-: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26].

 

فالإنسان إذا خشي الله -عز وجل-، وراقب اليوم الآخر، لا يمكن أن يظلم الناس.

 

يوسف -عليه السلام- يدرك كل ذلك، لكنه يؤثر دخول السجن على الوقوع في الفاحشة.

 

معاشر الإخوة: ويبدأ مشهد آخر من مشاهد قصة ذلك النبي الكريم، يقول سبحانه: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)[يوسف:36].

 

دخل معه السجن فتيان، الفتى هو الخادم، أو المملوك الذي في خدمة سيده، فهذان الفتيان هما من خدم القصر، قيل: هما ساقي الملك وخبازه، غضب عليهما الملك، فأمر بسجنهما، وأثناء مدة بقاءهما في السجن بين النزلاء يشد انتباههما نزيل متميز بأخلاقه وعبادته.

 

قال قتادة: "بلغني أنه كان يداوي مريضهم، ويعزي حزينهم، ويوسع للرجل في مجلسه، ويجتهد لربه" يوسف الصديق -عليه السلام-.

 

ميزان الإحسان -أيها الإخوة- معروف، والفضيلة مسألة ذاتية، وليست نسبية، أي أنه حتى المنحرف عن الفضيلة، يرى الفضيلة فضيلة، والإنسان في الجملة يعرف الحسن، ويعرف القبيح، ولذلك فإنهما مهما كان وضعهما الأخلاقي، لاحظا في يوسف في سمته وسلوكه، لاحظا الإحسان، وحفظ ذلك عنه، حتى تحين الفرصة.

 

ويأتي اليوم الذي يسوق الله -تعالى- فيه من ألطافه، ما تتغير فيه الأحداث، فيرى كل واحد منهما في منامه رؤيا عجيبة، جعلتهما في حيرة من أمرهما، نحو تفسيرها وتأويلها، فلا يريان أحدا جديرا بالاستشارة والثقة في تأويله للرؤيا، سوى يوسف، فيتجهان إليه، ويقتربان منه، قال أحدهما: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)[يوسف:36].

 

تجيء هذه اللحظة المناسبة من الناحية النفسية، ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه، ويمسك بيديهما إلى الله -عز وجل-، ويبين لهما عليه السلام: أن هذا كله من الله -عز وجل-، النبي الكريم ينتهز فرصة للدعوة، إذ الدعوة هي الشغل الشاغل للأنبياء، واقتناس اللحظة المناسبة كهذه من علامات الحكمة، فالفتيان في حاجة إلى يوسف لتأويل رؤياهما.

 

فإذا كلاهما أذان صاغية، لما سيقول، فليدخل قلبيهما بدعوته إلى ربه، طمأنهما على صحة التأويل، بل أكثر من ذلك: (قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [يوسف: 37].

 

قال السدي: "أي لا يأتيكم طعام ترزقانه في النوم، إلا نبأتكما بتفسيره في اليقظة".

 

فقال له: هذا من فعل العرافين والكهنة، فقال لهما يوسف -عليه السلام- ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علمنيه ربي، إني لا أخبركم به تكهنا وتنجيما، بل هو بوحي من الله -عز وجل-: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمنِي رَبِّي) [يوسف: 37].

 

يرجع الفضل لله -تعالى-.

 

(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [يوسف: 37].

 

الترك هنا: (تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ) كما يكون للداخل في شيء، ثم ينتقل عنه، مرورا فهو لم يدخل فيه أصلا، فلا يقال: أن يوسف كان من قبل على غير ملة إبراهيم، وإنما يشير بقوله: (مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) إلى القوم الذين نشأ بينهم شاب، وهو بيت العزيز، وحاشية الملك، إذ كان الهكسوس كما تذكر بعض المصادر التاريخية، وهم من العرب البائدة، هم حكام مصر في وادي النيل، في وقت يوسف -عليه السلام-، وهم ملوك، وليسوا فراعنة، وكانوا مشركين، ولذلك قال بعدها: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)[يوسف:38].

 

ثم أخذ يخاطب فيهم العقل والمنطق: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)[يوسف:39].

 

هذا هو صدق التوحيد وصراحته، وأمنه النفسي والجسدي، وبخلافه الشرك، إذ في الشرك تنازع وفساد، ولذلك كان سؤاله تقريريا معلوم الإجابة: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)[يوسف:39].

 

إجابة السؤال: الله الواحد القهار.

 

وما كان لينتظر الإجابة منهما، بل جاوز ذلك مباشرة إلى واقع الشرك الذي يعيشان فيه، فقال: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف:40].

 

(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ)[يوسف:40] هو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع -جل وعلا-، ويسن الأحكام، فالعبادة تكون له وحده سبحانه، يدعى وحده، ويرجى وحده، ويخشى وحده، وأحكام العباد تأخذ أصولها من شريعته -جل وعلا-.

 

وهكذا نقلهما يوسف بلطف وذكاء من حكايتهما إلى حكايته، ومن تأويل رؤياهما البسيطة إلى أفق أوسع وأرحب، إلى دين الله إلى الإسلام، والإستسلام لله وحده.

 

وبعد أن أدى البلاغ، وأقام الحجة، شرع في تأويل الرؤيا، قائلا لهما: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)[يوسف:41].

 

قال بعض العلماء: "يحتمل أن تكون الرؤيا قبل أن تعبر معلقة في الهواء غير ساقطة، تجول في الهواء، حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت".

 

ولم يرد صلى الله عليه وسلم أن كل من عبرها من الناس وقعت ما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بها، المصيب الموفق.

 

ولذلك قال يوسف بثقة: (قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ)[يوسف:41].

 

سيتم هذا الأمر، ولم يعين عليه السلام من هو صاحب البشرى، ومن هو صاحب المصير السيئ، تلطفا وتحرجا من المواجهة بالشر والسوء، ثم خلا يوسف بالذي أيقن أنه ناج منهما: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ)[يوسف: 42].

 

أي اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك، وأخبره أني مظلوم، محبوس بلا ذنب.

 

فنسي ذلك الموصى أن يذكر هذا الأمر لمولاه، وكان من جملة مكايد الشيطان، حتى لا يخرج يوسف، والله فوق ذلك كله غالب على أمره، قال تعالى: (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)[يوسف:42].

 

قيل: سبع سنين.

 

وقيل: أكثر من ذلك.

 

أيها الإخوة: تمر السنون على يوسف في السجن، وهو في عبادة وذكر، فيزداد قربا من ربه وتقوى، وصفاء ذهن، ولما دنا فرج يوسف -عليه السلام- جاء لطف الله -تعالى- به في الوقت المناسب والأمثل، لما فيه المصلحة الكبرى، والله حكيم عليم.

 

ويسوق الله -تعالى- الرؤيا للملك: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)[يوسف:43].

 

الملك يرى رؤيا عجيبة، تشغل ذهنه، وتقض مضجعه، فيجمع لها علماء قومه، وذوي الرأي منهم، ويقول لهم: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ) [يوسف: 43].

 

سبع بقرات هزيلات، سقطن من شدة الهزال، يأكلن سبع بقرات سمان في نهاية القوة، كيف يكون هذا؟!

 

ورأيت سبع سنبلات خضر، وأخر يابسات، وهذا أمر عجيب أيضا.

 

(يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ) [يوسف: 43] طلب منهم جميعا؛ لأن تعبير الجميع واحد، وتأويله شيء واحد: (إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)[يوسف: 43].

 

فقلبوا أمورهم، فتحيروا ولم يجدوا جوابا، ولم يعرفوا لها وجها، فاعتذروا إليه، بأنها أضغاث أحلام: (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ)[يوسف:44].

 

أي أن رؤياك أخلاط أحلام، لا معنى لها عندنا: (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ) [يوسف: 44].

 

وهذا من لطف الله أيضا، إذ لو عبروها لما كان للملك أن يعرف يوسف، ويخرجه من السجن، فيقول الله -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ)[يوسف:45].

 

(وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) تذكر يوسف بعد مدة من السنين، شاء الله -تعالى- أن يحضر ذلك المجلس ساقي الملك الذي كان قبل سنين سجينا مع يوسف، والذي وصاه يوسف بذكر براءته عند الملك، فنسي، فلما سمع رؤيا الملك، ورد العلماء عليها، تذكر يوسف وحنكته وحكمته، وصدق تعبيره للرؤيا، فقال: (أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ) بتأويل هذا المنام: (فَأَرْسِلُونِ) إبعثوني إلى من في السجن، فلما رآه لم يذكر أنه اعتذر له، بل حكى له الرؤيا مباشرة:(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ)[يوسف:46].

 

فلما انتهى لم يعنفه يوسف على نسيانه، بل أجابه بهدوء ووقار: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)[يوسف:47 - 49].

 

سبع البقرات السمان، والسبع السنبلات الخضر، هن سبع سنين مخصبات، والسبع البقرات العجاف، والسبع السنبلات اليابسات، هن سنوات مجدبات قاحلات، ثم أرشدهم عليه السلام إلى ما يدبرونه في تلك السنين، فقال: (فَمَا حَصَدتُّمْ) أي أنه لم يؤول لهم فقط، بل أرشدهم إلى ما يفعلون: (فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ) [يوسف: 47].

 

مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب، فادخروه في سنبله، ليكون أبقى له، وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، ذروه، خلوه على ما هو عليه بالسنابل، وليكن ما تأكلونه قليلا، ولا تسرفوا فيه، لتنتفعوا به في السبع السنين الشداد التي تعقب هذه السبع المتواليات، وهو معنى البقرات العجاف التي تأكل السمان؛ لأن سني الجدب يأكلون فيها ما جمعوه في سنين الخصب، وما جمعوه السنبلات اليابسات، أخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، أي سنبلات لا تنتج شيئا، وهذا هو القحط والجدب، وما بذوره، فإنه لا يرجون منه إلى شيء ، ولهذا قال: (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ) [يوسف: 48].

 

أي مما تدخرون، وتحبسون، لتزرعوا؛ لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات.

 

ثم بشرهم بعد ذلك الجدب العام المتوالي، بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس، أي يأتيهم الغيث، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم يدخل فيه حلب اللبن أيضا.

 

الحاصل أن الساقي رجع إلى الملك بتأويل يوسف، فماذا حدث بعد ذلك؟

 

نذكر ذلك -إن شاء الله- فيما نستقبل، وللحديث تتمة -إن شاء الله­-.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

 

اللهم أصلح قلوبنا، وألف بيننا وبين إخواننا المسلمين الموحدين في كل مكان.

 

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (1)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (2)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (3)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (4)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (6)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (7)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (8)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (9) والأخيرة

 

 

المرفقات

قصة نبي الله يوسف عليه السلام (5).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات