قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (2)

عبد العزيز بن عبد الله السويدان

2015-06-01 - 1436/08/14
عناصر الخطبة
1/ إخوة يوسف يتآمرون على أخيهم 2/ تأملات في أحداث القصة 3/ انتقال يوسف إلى مصر وعيشه في قصر العزيز 4/ قدر الله غالب.

اقتباس

هكذا قلب يعقوب معلق بابنه العزيز، يؤلمه مجرد فراق يوسف تذهبوا به، يحزنه أن يذهبوا به بعيدًا عنه، وهو أول ابتلاء ليعقوب في ابنه الحبيب كيف يكون حاله لو قضى ربه أن يحرمه منه، هل يتسخط؟ هل يجزع؟ هل يقنط؟ أم يرضى بقسمة الله -تعالى- وهكذا يمتحن في حبه الأول قبل حب ابنه ألا وهو حب ربه خالقه ومولاه. كما امتحن نبي الله إبراهيم -عليه السلام- في ابنه إسماعيل -عليه السلام- لما أمر بذبحه...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

مشهد أليم تتأسف له النفس، مشهد إخوة يوسف يتآمرون على أخيهم، بإطلاق، يفكرون كيف نستخلص يوسف من أبينا كي نتخلص منه، الحسد كيف يبلغ بالإنسان مبلغه، هل ألهمهم الشيطان الطريقة لخداع أبيهم؟

 

ربما جاءوا إلى أبيهم بوجوه تتصنع البراءة وصدق النية، وقد كان يعقوب -عليه السلام- يستبقي ابنه الصغير يوسف معه ولا يرسله مع إخوته مع المراعي التي يرتدونها، أولاً لأنه يحبه حبًّا شديدًا، ويخشى عليه من السباع والهوام، وثانيًا كان لا يأمن أخوته عليه وكانوا يدركون هذا.

 

فجاءوا إلى أبيهم يعاتبونه (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [يوسف:12].

 

هذا التساؤل منهم يوحي بأنهم سألوه قبل ذلك أن يدع يوسف يخرج معهم فلم يقبل (مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ)؟!

 

الأمانة ضد الخيانة وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، فالذي تستأمنه يمنحك الأمن وراحة البال، والذي يخونك ويفرط في الأمانة مسار للخوف والقلق.

 

والذي يخون الأمانة بهدوء وصمت سيء وقبيح الفعل، ولكن من هو أقبح منه الذي يدعي الأمانة ويظهرها وهو يبطن الخيانة والغدر، هذا قد كذب ومَرَدَ على الخيانة (مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [يوسف: 11- 12].

 

هكذا يثيرون عاطفة الأب على صغيره حتى متى تحرمه اللهو واللعب؟! حتى متى لا تثق في حفظنا ونصحنا له؟! ثم يشعرونه بالأمان التام فهم له ناصحون، وهم له حافظون، وليس ذلك فحسب فقد كان يكفي أن يقولوا له إنا له ناصحون وإنا له حافظون ولكنهم جاءوا باللام (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ليؤكدوا النصح والحفظ ويخصوا بهما يوسف.

 

تحت هذا الأسلوب البريء المشفق أخذ الأب يلين (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) [يوسف:13]، فيحزنني أن تذهبوا به هكذا قلب يعقوب معلق بابنه العزيز، يؤلمه مجرد فراق يوسف تذهبوا به، يحزنه أن يذهبوا به بعيدًا عنه، وهو أول ابتلاء ليعقوب في ابنه الحبيب كيف يكون حاله لو قضى ربه أن يحرمه منه، هل يتسخط؟ هل يجزع؟ هل يقنط؟ أم يرضى بقسمة الله -تعالى- وهكذا يمتحن في حبه الأول قبل حب ابنه ألا وهو حب ربه خالقه ومولاه. كما امتحن نبي الله إبراهيم -عليه السلام- في ابنه إسماعيل -عليه السلام- لما أمر بذبحه.

 

معاشر الإخوة: كأن الأمر فيه شيء من الحيرة فليس من الطبيعي أن يظل الأب فاقدًا ثقته في أبنائه، وليس من الطبيعي أن يحجز عنهم أخاهم طوال الحياة، ومن ثم سمح لهم أن يصحبهم على كراهة منه ومضض، ومن شدة حرصه أشار إلى خوفه على يوسف بعد حزنه على ذهابه وهو خوفه عليه من إهمالهم وغفلتهم عنه إذا ذهب يلعب في الصحراء لوحده وهو طفل فيصادفه ذئب فيأكله (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ).

 

ولعلهم وجدوا في كلامه -عليه السلام- عذرًا  كانوا يبحثون عنه أو ربما أعماهم الحقد فلم يفكروا ماذا يقولون لأبيهم بعد تنفيذ خطتهم حتى لقنهم أبوهم هذا الجواب.

 

الحاصل أن جوابهم كان سريعا: (قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) [يوسف:14]، لئن غلبنا الذئب ونحن جماعة قوية هكذا فلا خير فينا ولا لأنفسنا ولا لغيرنا، وإنا لخاسرون في كل شيء فلا نصلح لشيء أبدًا.

 

وهكذا استسلم الوالد الحريص لهذا التأكيد والطمأنة، وأذعن لذلك الإحراج ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته -سبحانه وتعالى-.

 

وقبل أن يسلمه إليهم ضمه أبوه إليه وقبَّله ودعا له كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، ويخرج الإخوة إلى البرية ومعهم أخوهم كالصيد السمين، وما كانوا ليرجوا مثل هذه الفرصة ويستبقون قميص يوسف، ثم يتجهون به إلى بئر مظلمة لينزلوه في قعرها.

 

قال -تعالى- (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [يوسف:15]، (وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) أجمعوا هذا فيه تعظيم فيما فعلوه؛ إذ إنهم اتفقوا كلهم وتواطئوا على إلقائه في غيابة في أسفل الجب، وقد كانوا أخذوه من قبل من عند أبيه وهم يظهرون له إكراما وبسطا وعناية أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب.

 

هذه اللحظة اليائسة فيها يلقي الله -عز وجل- في روع يوسف أنه ناجٍ، وأنه سيعيش حتى يواجه إخوته بهذا الموقف الشنيع وهم لا يشعرون بهذه الأقدار المخبوءة بينما كشف ليوسف الصديق هذا الإلهام آنس يوسف في وحشته في ظلمة الجب وهكذا هي سنة الله -تعالى- في عباده الصالحين (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5- 6]، (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [يوسف:15].

 

ويحل المساء وتغيب الشمس وينتشر الظلام ويعود الإخوة إلى أبيهم ويدخلون عليه وبيد أحدهم قميص أخيهم ملطخًا بالدماء الكاذبة وهم يتصنعون البكاء (وَجَاءواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف: 16- 17].

 

مهما تعذرنا، مهما أتينا به من العذر أو أي عذر، فالظاهر أنك لن تصدقنا ففي قلبك من الحزن على يوسف والرقة الشديدة ما يمنعك من ذلك (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف:18]، زينت لكم أنفسكم أمرًا قبيحًا في التفريق بيني وبينه ثم دعا ربه أمامهم بأن يعينه على الصبر على فعلتهم، الصبر الجميل، الصبر الخالي من الجزع، الصبر المصحوب بالرجاء رجاء الثواب من الله على حسن استقبال تلك المصيبة في قضائه (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).

 

وفي الصحراء هناك حيث لا يرون بعيدًا عن يعقوب وأبنائه، وما يدور بينهم من كلام حول موت أخيهم يجري لطف الله –تعالى- بيوسف من حيث لا يعلمون هم ولا يوسف، ويسوق الله له الفرج.

 

(وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [يوسف:19]، قافلة في طريقها إلى مصر قد أرسلوا واردهم مقدمهم الذي يعسّ لهم المياه قبل وصول القافلة، ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك أما أدلى بدلوه تمسك به الطفل الصغير فسحبه الوارد ففوجئ به فصرخ الوارد في بقية الذين معه (يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ).

 

قال -تعالى-: (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) وأسره الواردون عن بقية القافلة وقالوا اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء، وذلك مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا أخباره؛ قاله مجاهد والسدي وابن جرير.

 

قال (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) مهما حاولوا إسرار التقاطهم ليوسف فهو عليم بما يعملون فهو الحكيم في تقديره، هو اللطيف في تدبيره يرعى عبده على عينه دون أن يشعر العبد ولا من حوله من الناس، قد قال -تعالى-: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) باعوه بثمن زهيد (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) قيل الذين باعوه إخوته على الواردين إلى البئر، وادعوا بأنه عبد أبق وقيل الذين باعوه القافلة، وكان الشراء الثاني من عزيز مصر.

 

(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف:21]، (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) أكرميه وعامليه معاملة حسنة؛ يقول العزيز لزوجته، عسى أن ينفعنا كنفع العبيد وخدمتهم أو أن نتبناه ولعل ذلك أنه لم تكن لهما ولد.

 

وهكذا تجري أقدار الله على نبيه يوسف، فيمكّن له في الأرض ويفقه بتأويل الرؤيا قال (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)، إذا قضى الله -تعالى- الأمر فلا مردّ لقضائه ولا مبدل لحكمه، وإذا أراد شيئًا فلا يُرَد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه.

 

(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) لا يعلمون مآل الأحداث ولا يعرفون قدرة الله، وقهر الله -عز وجل- وقوته، ولا يعرفون حكمته العجيبة وعنايته وتلطفه بخلقه.

 

وللحديث تتمة إن شاء الله -تعالى-..

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين..

 

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (1)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (3)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (4)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (5)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (6)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (7)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (8)

قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (9) والأخيرة

 

المرفقات

قصة نبي الله يوسف عليه السلام (2).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات