قصة موسى مع فرعون (2)

صالح بن عبد الله الهذلول

2016-09-10 - 1437/12/09
التصنيفات: الأمم السابقة
عناصر الخطبة
1/ من قصة موسى وفرعون 2/ دروس مستفادة من القصة 3/ وقفة مع شخصية موسى عليه السلام 4/ ما يتعلمه الدعاة من تلك الشخصية
اهداف الخطبة

اقتباس

ومن العبر والدروس من قصة موسى مع فرعون أن الباطل مهما تعاظم، وانتفخ وانتفش، واستكبر، فإنه سرعان ما يزول ويضمحل؛ بينما فرعون يقول أنا ربكم الأعلى، ما هو إلا وقت قليل حتى أغرقه الله -تعالى-، وأخذ ينادي ويستغيث: (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90].

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 

أما بعد: لقد تآمر آل فرعون على قتل موسى أول مرة، حين كان صبياً في المهد، فنجاه الله -عز وجل-، ورده إلى أمه كي تقر عينها، ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله الذي وعدها به أن يرد إليها طفلها بعد أن تلقيه في البحر، لتعلم أن ذلك الوعد حقٌ، لأنه صادر عن الحق -جل جلاله-، وصادر ممن لديه القوة المطلقة، وصادرٌ ممن بيده ملكوت كل شيءٍ، وصادر ممن لا يحد علمه مكان ولا زمان.

 

لكن تلك المحاولة الفاشلة من فرعون لم تكن آخر المطاف، بل تعود مرةً أخرى، إذ كانت بداية فصول، وجولة من ملحمة طويلة، ومحاولةً من محاولات لا تهدأ للإجهاز على الحق، وسحق أهله.

 

غير أنه في كل عمليةِ مكرٍ تدبر لموسى -عليه السلام-، تأتي قذائف الحق لتستقر في دماغ الباطل: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء:18]، والدماغ عين المقتل.

 

كانت المحاولة الثانية أنْ تآمر فرعون وملؤه وكل دولته بما تملك من وسائل القوة والإمكانات التي لا تزال بعض مظاهرها شاهدة لها حتى الآن متمثلة في الأهرامات، وبعض المنشآت، والتراث الثقافي الذي يعكس صورة حضارة ضخمة كانت قائمة هناك، لقد صدرت الأوامر من قصر فرعون للأجهزة الأمنية أن تطارد موسى لقتله.

 

والعجب في هذه المرة أن نصر الله لموسى يأتي مرة أخرى من آل فرعون أنفسهم، فقد ذكر الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره أن أكثر أهل التفسير على أن الرجل الذي سرّب خبر المؤامرة إلى موسى هو من آل فرعون، بل كان ابن عم فرعون أيضاً: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص:20].

 

لقد أتى هذا الناصح المخبر، وتكبد صعاباً، إذ جاء من أقصى المدينة، ولم يكن مجيئه مشياً، بل سعياً؛ يسابق المؤامرة خشية أن تتم. أما نصيحته، فهي أن يخرج موسى من بلده على الفور.

 

وترك موسى لبلده أمرٌ غاية في الشدة والكرب، فقد نشأ في القصور ومحيط الترف، لكنه خرج، (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص:21]. خرج منها طريداً شريداً ليصل إلى بلاد مدين، بعد أن أنهكه التعب، وأعياه الجهد.

 

(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) [القصص:23].

 

ومدين مدينة قوم شعيب، تقع بين المدينة والشام، أي تجاه تبوك، وقد خرج إليها موسى -عليه السلام- من مصر بلا زاد ولا استعداد؛ لأن النصيحة حضته على المبادرة والسرعة، فالموقف لا يتحمل التأجيل والاستعداد والتزود للسفر، واصطحاب الدليل. ثم يستقر في بلاد بعيدة، وغربة شديدة.

 

وبهذه الملابسات تدرك حجم المعاناة التي قاساها موسى -عليه الصلاة والسلام-، ومقدار التعب الذي لقيه؛ "إن أشد الناس بلاءً الأنبياء".

 

وما إن وصل بلاد مدين شمال الجزيرة، وهو لا يزال مجهوداً ومكدوداً، إذا بصره يقع على منكرٍ لا يحتمله خُلق موسى النبيل الرؤوف الرحيم، رأى امرأتين تذودان غنمهما، أي: تطردان غنمهما عن الماء حتى يسقى الناس، فبادر يسألهما: (مَا خَطْبُكُمَا؟) فجاء الجواب على قدر السؤال: (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)، أي: لا نسقي إلا بعد الناس، وذلك إما لقوة الناس وضعفهما، أو كراهيتهما مزاحمة الآخرين. وقد ذهب الجمهور -نقلاً عن بعض المفسرين- أن الشيخ الكبير هو شعيب -عليه السلام-.

 

ولم تطلبا منه مساعدة، ولا عرضتا عليه عملاً، وهذا يعطي مبرراً وفرصة للتثاقل عن مساعدتهما، وخاصة أنه متعبٌ جسمياً، وقلِقٌ نفسياً؛ لأنه مطارد، لكنها النبوة، اصطنعه الله لنفسه، فهبَّ على الفور ليساعد الضعفاء، ولم تسمح له مروءته أن يتثاقل لحظة، وكأنه المعني بحاجة المرأتين: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص:24]، رب إني في الهاجرة، رب إني فقير، رب إني وحيد، رب إني ضعيف، رب إني إلى فضلك وجودك وكرمك محتاج، وإلى أمنك مضطر. فزع إلى أرحم الراحمين، ومن بيده ملكوتُ السماوات والأرضين، وأنزل ضره بالقوي المتين.

 

وتأمل يا مسلم: قوم المرأتين لم يتبرع أحد منهم بالسقي لهما، وهم أولى الناس بذلك. وتأمل سقيا موسى -عليه السلام- لهما تمت بدون طلب ولا عرض منهما بل محض مبادرة منه -عليه الصلاة والسلام-. ولم يطلب نبي الله موسى عوضاً على عمله، رغم صعوبة ظروفه المادية، بل حتى لم يظهر الحاجة ولا الرغبة في المكافأة، ولم يصدر عنه تأفف أو إظهار المنة عليهما، لأنه يشعر أنه معنيٌّ بذلك، وهذا ملمح مهم جداً، ودرس عميق للدعاة والمصلحين وهم يقدمون دعوتهم للناس، ونصحهم، ونفعهم، عليهم أن يقدموا ذلك بشعور من يؤدي واجباً متحتماً عليه، ليس له خيارٌ فيه، وليس متطوعاً، ولا متبرعاً...

 

تأمل -أيها المسلم- أن معونته -عليه السلام- للمرأتين رغم شدة الحر، فلم يعرض خدماته بعد برود الوقت وذهاب شمس الهاجرة.

 

ولا ننسى أن كل الناس يحبون خدمة الوجهاء، والأغنياء، لعلهم يحظون بقربهم ونفعهم، لكن موسى النبي توجهت مروءته لامرأتين ضعيفتين، لم يأبه إليهما حتى قومهما.

 

لقد نسي موسى نفسه، وانشغل بهموم الآخرين، واعتبر حاجة الضعيف حاجته حتى تقضى، ومشكلتهم مشكلته حتى تُحل.

وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام

 

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الغفور الودود، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عليماً حكيماً.

 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، خاتم الرسل وسيدهم، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:28].

 

قال-صلى الله عليه وسلم-: "الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري: أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور؟".

 

وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: قَسَمَ النبي-صلى الله عليه وسلم- قسماً، فقال رجل: إن هذه القسمة ما أريدَ بها وجُه الله. فأتيت النبي-صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: "يرحم الله موسى! قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".

 

هذا النبي موسى -عليه السلام-، حيثما سرتَ مع سيرته، وجدته مهموماً بأمر الناس، منشغلاً بهم، يهمه الذي يهمهم، ويشغل باله الذي يشق عليهم، وينسى نفسه في سبيل سلامتهم.

 

استمع إليه حين يقول للخضر: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) [الكهف:71]، يعني السفينة، مع أنه راكب معهم، لكن لم يقل: لتغرقنا، نسي نفسه وأهمَّه أمرُ العباد.

 

ويظل همّ الناس معه صفة لا تنفك عنه حتى وهو في الرفيق الأعلى وإن لم يكونوا من أمته، وإن كانوا من غير قومه، تذكَّر قصته مع نبينا -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج، يوم فرض على نبينا -صلى الله عليه وسلم- الصلاة فيلقاه موسى -عليه الصلاة والسلام-، فيسأله، ويقول له بهمٍّ شديد: "ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق  ذلك"، ويكرر الطلب مرات، ويبرر ذلك بقوله: "إني قد بلوت بني إسرائيل قبلك". فيخفف الله عن هذه الأمة ما شاء أن يخفف.

 

تساءل معي -عبد الله-: ما الذي يعني موسى من صلاة أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ وماذا ينقصه أطاقت أو لم تطق؟ إنه الاهتمام بالناس، إنه الحرص على نفعهم، والإحسان إليهم، إنه تلمّس محبوبات الله أياً كانت، وأينما كانت.

 

إن أنبياء الله، والصالحين من عباده لا يعيشون لأنفسهم، إنما يعيشون بهمِّ الأمة، ومن أجل مصلحتها.

 

معشر المؤمنين: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) [القصص:25-28].

 

جاء الفرج مباشرة من الله -تعالى-، فما كاد يجلس في الظل، ويرفع شكواه، إلى ربه إلا والفرج ينزل إليه.

 

ما أحوج المعنيين بالدعوة والإصلاح والتربية والتعليم إلى ذلك الدرس في الصبر والتحمل، ومعايشة حياة شديدة، رجاء الفرج!.

 

إن النقلة النوعية في حياة موسى من حياة الترف داخل القصور إلى اختيار رعي الغنم عشر سنين، إن ذلك يوحي بحجم المعاناة التي لقيها موسى -عليه السلام-، كما يعني أن المظاهر ليس لها وزن حقيقي، فقد عافت نفسه تلك القصور، ورضيت برعي الغنم، لأن في الأولى كبت واستعباد، وفي الثانية حرية وانطلاق، وإعطاء الإنسان كرامته.

 

أيها المسلمون: لقد أرسل موسى إلى أعتى ملوك الأرض في زمانه، وأقدمهم عرشاً، وأثبتهم ملكاً، وأعرقهم حضارة، وأشدهم تعبيداً للناس، واستعلاءً في الأرض؛ فهو -عليه السلام- مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا كؤوس الذل حتى استمرؤوا مذاقه، ومردوا عليه، واستكانوا له دهراً طويلاً.

 

ولا شيء يدمر الفطر ويحرفها ويجعلها تأسن وتتعفن مثل سياسة الاستعباد، وهنا ندرك: كم من الجهد بذله موسى -عليه السلام- لهداية بعض النفوس من بني إسرائيل! ومع ذلك، فما إن اجتازوا البحر مع موسى وقد نصرهم الله على عدوهم فرعون ورأوا قوماً يعكفون على أصنامٍ لهم حتى (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف:138].

 

عباد الله: ومن العبر والدروس من قصة موسى مع فرعون أن الباطل مهما تعاظم، وانتفخ وانتفش، واستكبر، فإنه سرعان ما يزول ويضمحل؛ بينما فرعون يقول أنا ربكم الأعلى، ما هو إلا وقت قليل حتى أغرقه الله -تعالى-، وأخذ ينادي ويستغيث: (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90].

 

ينخدع الطاغية، وينخدع الظالم إذا توفرت له أسباب القوة والسطوة، وينسى إرادة الله وقوته وتقديره، ويحسب أنه يختار لنفسه ما يشاء، ولأعدائه ما يريد، ويظن أنه على كل شيء قدير، ويتوعد ويزمجر، فإذا هو فريسة في قبضة القدر لا يمكن أن ينفلت، وحينها يتبرأ منه أقرب الناس إليه.

 

اللهم...

 

 

 

المرفقات

قصة موسى مع فرعون (2).doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات