قصة حادثة الإفك

ناصر بن محمد الأحمد

2010-02-26 - 1431/03/12
عناصر الخطبة
1/ الابتلاءات تبيّن مدى ما يمتلك العبد من الإيمان 2/ وقائع حادثة الإفك 3/ عبر ودروس مستفادة من الحادثة 4/ عدم قبول الإشاعة إلا بعد التثبت من صحتها 5/ أهمية ظن المؤمنين بأنفسهم خيرًا 6/ حَمَلة الدين مستهدفون 7/ الشائعات من أخطر الحروب المعنوية والأوبئة النفسية 8/ طريقة التعامل مع الشائعات
اهداف الخطبة

اقتباس

إن المصائب والفتن اختبارات تبيّن مدى ما يمتلك العبد من الإيمان، وهي ضرورة للمؤمن، تشحذ همته وتقوي إيمانه، ولعل من حكمة الابتلاء أنه فرصة لمراجعة حسابات مضت، ووقفة أمـام تطلعات لمستقبل آتٍ، فالابتلاء يزيد الرجال نضوجًا وصلابة، والدعاة الصادقين ثباتًا وعمقًا...

 

 

 

 

إن الحمد لله... 

أما بعد:

أيها المسلمون: قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) [النور: 10-18].

هذه آيات ساقها الله -جل وتعالى- لنا في سورة النور، تتحدث عن قصة أليمة هزّت المجتمع المدني بأسره شهرًا كاملاً، عُرفت في السيرة النبوية بحادثة الإفك، تتعلق بأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، كانت بعد غزوة بني المصطلق، ساقها الله -جل وتعالى- لنا لكي يستفيد منها كل مسلم دروسًا عظيمة، ويعلم أن البلايا والمحن وأنواع الاختبارات نزلت بأشرف وأطهر إنسان، فلا عليه إن نزل به شيء من ذلك، وإن خير ما يواجه به الصبر والاحتساب لينال الأجر في الدنيا والآخرة.

إن المصائب والفتن اختبارات تبيّن مدى ما يمتلك العبد من الإيمان، وهي ضرورة للمؤمن، تشحذ همته وتقوي إيمانه، ولعل من حكمة الابتلاء أنه فرصة لمراجعة حسابات مضت، ووقفة أمـام تطلعات لمستقبل آتٍ، فالابتلاء يزيد الرجال نضوجًا وصلابة، والدعاة الصادقين ثباتًا وعمقًا، ولن يكون الابتلاء شرًّا للمؤمنين أبدًا، فهو خير يسوقه الله لعباده؛ ليعودوا وقد علتهم عزة الإيمان التي يمتلكونها، وما هي إلا لحظات حتى نرى أنها زالت على شموخها، وقد سقط كل ما حولها وتحول إلى رماد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مرّ به عدد من الابتلاءات والمحن منذ بَعَثَه الله -جل وتعالى- بهذا الدين، لكن أقسى محنة كانت هي حادثة الإفك، تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة جرم المجرمين وبشاعته وهو يتناول بيت النبوة الطاهر الكريم، ويتناول عرض رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أكرم الخلق على الله، وعرض الصدّيق أبي بكر -رضي الله عنه- أكرم صحابته عليه، وعرض رجل من الصحابة وهو صفوان بن المعطل -رضي الله عنه-، ويشغل ذلك الحدث المسلمين بالمدينة شهرًا من الزمان، هذا الحادث الذي جلب الهموم والآلام لقلب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وقلب عائشة -رضي الله عنها- وقلب أبي بكر الصديق وقلب صفوان شهرًا كاملاً.

وملخص الحادثة كما رواها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيّهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب، فكنت أُحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رَحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه.

قالت: وأقبل الرهط فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يغشهنّ اللحم، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل، فساروا، ووجدت عقدي بعدما سار الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منـزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منـزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين قد رآني، وكان قد رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وَهَوَى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول، قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلول. قال عروة: أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاع ويُتحدث به عنده فيُقره ويستمعه ويستوشيه. فقال عروة أيضًا: لم يُسَمّ من أهل الإفك إلاّ حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ فيسلم، ثم يقول: "كيف تيكم؟!". ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقَهت، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلاّ ليلاً، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، فأقبلت معها قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثَرت أم مسطح في مُرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلاً شهد بدرًا؟! فقالت: أي هنتاه، ولم تسمعي ما قال؟! قلت: وما قال؟! فأخبرتني بقول أهل الإفك. قالت: فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسلم، ثم قال: "كيف تيكم؟!". فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويِّ؟! قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قِبلهما، قالت: فأذن لي، فجئت أبويّ فقلت لأمي: يا أمتاه: ماذا يتحدث الناس؟! قالت: يا بنية: هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله، أو لقد تحدث الناس بهذا؟! قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي يعلم من براءة أهله، فقال: يا رسول الله: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي فقال: يا رسول الله: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بريرة، فقال: "أي بريرة: هل رأيت من شيء يريبك؟!"، قالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قط غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبيّ وهو على المنبر، فقال: "يا معشر المسلمين: من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي".

قالت: فقام سعد بن معاذ -أخو بني عبد الأشهل- فقال: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج- وقد احتملَته الحمية، فقال لسعد: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، فقام أسيد بن حضير وقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين.

قالت: فتثاور الحيان -الأوس والخزرج- حتى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم على المنبر، وقالت: فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخفِّضهم حتى سكتوا. قالت: فبكيت يومي ذلك كله، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. قالت: وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علينا، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين جلس، ثم قال: "أما بعد: يا عائشة: فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه". قالت: فلما قضى مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني فيما قال. فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ من القرآن كثيرًا: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم أني منه بريئة- لَتُصَدِّقُنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون) [يوسف: 18].

ثم تحولتُ فاضطجعتُ على فراشي، والله يعلم إني حينئذٍ بريئة، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، لَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسرِّي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة: أما الله فقد برّأك"، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله -عز وجلّ-. قالت: وأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءوا بِلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُم) [النور: 11]، العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: (وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَلسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى الْقُرْبَى وَلْمَسَـاكِينَ وَلْمُهَـاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم) [النور: 22]، قال أبو بكر الصديق: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

هذه هي القصة بتمامها، والمعاناة بكاملها، روتها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، إنها قصة عجيبة، وحادثة أليمة، تحمل في طياتها من الدروس والعبر والعظات الشيء الكثير، والتي نزل وقعها الأليم على أشرف خلق الله محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى زوجته الطاهرة أم المؤمنين عائشة وعلى أبويها أبي بكر الصديق وزوجته -رضي الله عنهم أجمعين-، والتي واجهوها بالصبر القوي الذي ألهمهم الله إياه، وثبتهم عليه عندما نزل بهم جميعًا، هذا الابتلاء والامتحان والاختبار الذي يعتبر نبراسًا للأمة المسلمة لكي يستفيدوا منه دروسًا عملية في حياتهم ومستقبل أيامهم؛ ليستلهموا منه العبر والعظات والتوجيهات. وهذا ما سنتحدث عنه في الخطبة الثانية.

نفعني الله وإياكم بهدي...

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه...

أما بعد:

أيها المسلمون: إن عبر ودروس حادثة الإفك كثيرة، لكن من أهمها:

أولاً: إن من التعليمات التي وجهها الله -تبارك وتعالى- إلى المسلمين أن لا يقبلوا من كل أحد قوله دون روية إذا كان يرمي غيره بما لا يرونه فيه ولا يشيعوه في المجتمع، بل من واجبهم إذا وجدوا أن قد فشت في المجتمع مثل هذه الافتراءات والاتهامات الكاذبة أن يعملوا على كبتها، ويحولوا دون شيوعها، ويجتنبوا تناقلها بينهم، وإن الذين يلفقون الأخبار الفاحشة ويذيعونها، أو يحاولون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم، ويحاولون إلصاق التهم بالمؤمنين والمؤمنات، ويرمونهم بما ليس فيهم، إنهم لا يستحقون الحماية والتشجيع، بل يستحقون العقاب وإقامة الحد على كل فرد منهم؛ حتى يرتدع ويطهّر لسانه وسمعه وبصره عن قالة السوء، وقذف الغافلين من المؤمنين والمؤمنات؛ وليرتدع غيره من المخدوعين بهذه المقالات السيئة -إن كان مؤمنًا- ويكون تطهيرًا له، وإن كان منافقًا كذلك يقام عليه الحد من أجل أن يكبت ويخرس لسانه؛ ولئلا تسول له نفسه إشاعة الفاحشة واتهام الأبرياء مرة أخرى، وليعلم أن هذا عقابه في الدنيا مادام على هذه الحال، وفي الآخرة عذاب عظيم.

ثانيًا: أما المؤمنون فيجب أن يظنوا بأنفسهم خيرًا، ولا يعتمدوا على سوء الظنّ وقالة السوء التي تنتشر في المجتمع بسبب منافق أو منافقة، فإذا هم سمعوا عن ذلك يجب عليهم أن يطهروا أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم من هذا البهتان على المؤمنين والمؤمنات، وإن كانت التهمة تلحق بأحد منهم فليصبروا وليحتسبوا جزاء صبرهم عند الله، ثم إن كانت لديهم البيّنة على من أشاع ذلك فليطلبوا إقامة الحد الشرعي على ظهور أولئك المنافقين أو المخدوعين من المسلمين.

ثالثًا: إن الله -سبحانه وتعالى- حين أنزل براءة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قال في أول آية من الآيات العشر من سورة النور -وهي نور من أولها إلى آخرها تُجلي لنا حقائق كثيرة- قال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءوا بِلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُم)، يعني أنه لم يكن فردًا ولم يكونوا أفرادًا، إنما كانوا جماعة ذات هدف معين، يتزعمهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول، ومن ورائه عصبة من اليهود الذين غاظهم أن بعث الله نبيه، وهم يتآمرون على الإسلام علانية، فلما باءت كل محاولاتهم بالفشل لجؤوا إلى هذا الأسلوب الخسيس، وإلى هذا الجرم والشناعة، أن يشككوا في أطهر بيت وأشرفه عرفته البشرية منذ أن خلق الله آدم وإلى يومنا هذا، بل وإلى قيام الساعة؛ ما الذي يفيدنا هذا؟! يفيدنا أن العصبة التي شككت في بيت رسول الله موجودة اليوم كما وجدت في ذلك الزمان، فها نحن اليوم نسمع من يرمي أم المؤمنين عائشة بالفحش، من قبل كثير ممن أعمى الله -سبحانه وتعالى- بصائرهم عن نور الحق، وكانوا مثلهم في الجرم، وكانوا مثلهم في البشاعة، والذي يرمي أم المؤمنين عائشة بالفحش لا حظ له من الإسلام، فهو أول مكذّب بالقرآن، حيث برّأ الله عائشة من فوق سبع سموات.

رابعًا: إن هذا الحادث -كما تعلمون- قد خاض فيه بعض من الصحابة من أجلاء الصحابة، كمسطح بن أثاثة الذي شهد بدرًا، وحسان بن ثابت شاعر النبي –صلى الله عليه وسلم-، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها-، فما الذي يدل عليه هذا الأمر؟! إنه يدل على أن النفوس ضعيفة، وأن الابتلاء هو الذي يمحص النفوس، ونحن أيضًا مبتلون بهذا، إذا كان أصحاب رسول الله الذين تربوا على يديه خاضوا مع الخائضين، وهلكوا مع الهالكين في حديث الإفك، فإن كثيرًا من المسلمين اليوم يجلسون المجالس ويتحدثون في أعراض الناس الأبرياء، ويقذفون المحصنات المؤمنات البريئات بالتهم التي لا خطام لها ولا فطام، وإذا بهم بعد ذلك يشككون في النوايا، ويقولون: فلان كذا، وفلان قال كذا، ونوى كذا، دخلوا في نوايا الأبرياء والدعاة والعلماء، فالحذر الحذر من اللسان، فإنه يورد الإنسان الموارد والمهالك.

خامسًا: إن هذا الحادث يبين لنا أن حَمَلة الدين مستهدفون، فكم قرأنا وكم سمعنا وكم رأينا وما زلنا نقرأ ونسمع ونرى دعاة صادقين، وعلماء أجلاء، اتهمهم أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وأذنابهم في أعراضهم، حتى إنهم أوذوا بين قومهم، فمنهم من أقيم عليه الحد، ومنهم من نبذهم الناس، ولكن إرادة الله -سبحانه وتعالى- قاضية أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، فما تدور عجلة الزمان إلا ويبرئ الله -سبحانه وتعالى- ساحة الأبرياء من أوليائه، ويأخذ الذين تولوا كبر الإثم والجريمة البشعة أخذ عزيز مقتدر: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور) [الحج: 38].

سادسًا: الشائعات من أخطر الحروب المعنوية والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة تدميرًا وأعظمها وقعًا وتأثيرًا، وليس من المبالغة في شيء إذا عُدَّت ظاهرةً اجتماعية عالمية لها خطورتها البالغة على المجتمعات البشرية، فكم أقلقت الإشاعة من أبرياء!! وكم حطمت من عظماء!! وكم هدمت من وشائج!! وكم تسببت في جرائم!! وكم فككت من علاقات وصداقات!! وكم هزمت من جيوش!! وكم أخرت في سير أقوام!!

والمستقرئ للتاريخ الإنساني يجد أن الشائعات وُجدت حيث وُجد الإنسان، بل إنها عاشت وتكاثرت في أحضان كل الحضارات، ومنذ فجر التاريخ والشائعة تمثّل مصدر قلقٍ في البناء الاجتماعي والانتماء الحضاري لكل الشعوب والبيئات، ولما جاء الإسلام اتخذ الموقف الحازم من الشائعات وأصحابها، لِما لنشرها وبثها بين أفراد المجتمع من آثار سلبية على تماسك المجتمع المسلم، وتلاحم أبنائه، وسلامة لُحْمته، والحفاظ على بيضته.

ولا شك في أن الإشاعة لعبت دورًا كبيرًا في حادثة الإفك؛ ولهذا فالشريعة الإسلامية حددت وسائل لمواجهة خطر الشائعات، وإن من أولى الخطوات في مواجهة حرب الشائعات تربية النفوس على الخوف من الله، والتثبت في الأمور، فالمسلم لا ينبغي أن يكون أذنًا لكل ناعق، بل عليه التحقق والتبيُّن، وطلب البراهين الواقعية، والأدلّة الموضوعية، والشواهد العملية، وبذلك يُسدّ الطريق أمام الأدعياء، الذين يعملون خلف الستور، ويلوكون بألسنتهم كل قول وزور، ضد كل مصلح ومحتسب وغيور.

ونستطيع أن نحدد طريقة التعامل مع الشائعات في أربع نقاط مستنبطة من قصة الأفك، التي رسمت منهجًا للأمة في طريقة تعاملها مع أية شائعة إلى قيام الساعة:

الأولى: أن يقدم المسلم حسن الظن بأخيه المسلم، قال الله تعالى: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً) [النور: 12].

الثانية: أن يطلب المسلم الدليل البرهاني على أية إشاعة يسمعها، كما قال تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النور: 13].

الثالثة: أن لا يتحدث بما سمعه ولا ينشره؛ فإن المسلمين لو لم يتكلموا بأية إشاعة لماتت في مهدها؛ قال الله تعالى: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا) [النور: 16].

الرابعة: أن يرد الأمر إلى أولى الأمر ولا يشيعه بين الناس أبدًا، وهذه قاعدة عامة في كل الأخبار المهمة، والتي لها أثرها الواقعي، قال الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء: 83]. فإذا حوصرت الشائعات بهذه الأمور الأربعة، فإنه يمكن أن تنتهي آثارها السيئة المترتبة عليها بإذن الله -عز وجل-.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يثبت قلوبنا على الإيمان والتقوى، وأن يعصم ألسنتنا من الإفك والافتراء والكذب والقذف، وأن يعصمنا من الزلل والمعاصي، ما ظهر منها وما بطن، فاللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار...
 

  

  

المرفقات

حادثة الإفك.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات