قراءة القرآن

الشيخ د علي بن عبدالعزيز بن علي الشبل

2026-04-10 - 1447/10/22 2026-04-29 - 1447/11/12
عناصر الخطبة
1/رفعة مكانة القرآن العظيم 2/استغناء بعض الناس عن القرآن وانشغالهم بغيره 3/ركون الناس إلى الدنيا واستكثارهم منها 4/شأن الصحابة في تحزيب القرآن

اقتباس

وهذا أوان -يا عباد الله- بدء استغناء الناس عن القرآن وانشغالهم بغيرهِ عنه، فمن الناس من عهده بالقرآنِ في رمضان، ومنهم وهم أفضل حالاً من الأوائِل مَن عهدهم بالقرآن في كل جمعة، وعندئذٍ يقول القائِل منهم: ليس عندي وقتٌ أقرأ القرآن، وعنده وقتٌ يتصفح المواقع، وينتقل في مواقع التواصُل الاجتماعي...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحَمْدَ لِله؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمْنْ يُضْلِل فلا هادي له، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ شهادةً وَأَشْهَدُ أَنَّ نبينا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، عبده المُصطفى، ونبيه المُجتبى، اللهم صلِّ وسلِّم عليهِ وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ عباد الله: فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مُسلمون.

 

أيها المؤمنون: إن أعظم كلامٍ وأحسنه وأكبره كلام الله -جل وعلا- الذي أنزله على نبيه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وحيًا، وصدَّقهُ المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلامُ الله بالحقيقة ليس بمخلوقٍ ككلامِ البشر، من الله بدأ وإليه يعود، هذه المعجزة الإلهية الربانية الباقية إلى أن يعود الكلام إلى صاحبهِ إذا نفر الناس عنه واستغنوا عنه بغيره.

 

 وهذا أوان -يا عباد الله- بدء استغناء الناس عن القرآن وانشغالهم بغيرهِ عنه، فمن الناس من عهده بالقرآنِ في رمضان، ومنهم وهم أفضل حالاً من الأوائِل مَن عهدهم بالقرآن في كل جمعة، وعندئذٍ يقول القائِل منهم: ليس عندي وقتٌ أقرأ القرآن، وعنده وقتٌ يتصفح المواقع، وينتقل في مواقع التواصُل الاجتماعي، وربما كانت البطاريةُ في جهازه مشحونةً كاملة ثم لا تفتُر عنه إلا وقد انطفأت من تنقُّله من موقعٍ إلى موقع ومن تطبيقٍ إلى تطبيق، ثم يتشدَّقُ فيقول: ليس عندي وقتٌ أقرأ القرآن!

 

إن القرآن -يا عباد الله- حياةٌ للمؤمنين وزيادةٌ في ثوابهم وأجورهم. ثبت في صحيح مُسلم من حديث عقبة بن عامرٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- قال: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لأن يغدو أحدكم إلى بُطحان أو إلى العقيق" -وهي من أودية المدينة-؛ "فيأتي بناقتين كَوْماوَيْنِ زَهْراوَيْنِ" -أي سمينتين-؛ "لأن يغدو أحدكم إلى بُطحان فيأتي بناقتين كَوْماوَيْنِ زَهْراوَيْنِ أيحب أحدكم ذلك؟"، قالوا كلهم: بلى يا رسول الله كلنا يُحبُّ ذلك.

 

قال: "لأن يغدوا أحدكم إلى المسجد فيقرأ آيتين خيرٌ له من ناقتين كوماوين، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث، وأربعٌ خيرٌ من أربع، وعدادهنَّ خيرٌ من عدادهن"، يقارن -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- بين ركون الناس إلى الدنيا واستكثارهم منها في أموالها وفي مناصِبها وجاهها وبين ما يبقى لهم ثوابًا وجزاءً عند الله في آخرتهم.

 

 وفي السُّنن من حديث ابن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "اقرؤوا القرآن؛ فإن لكم بكل حرفٍ منه حسنة، والحسنةُ بعشرِ أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف"، يالله كم فرَّطنا من هذه الحسنات الكثيرات، وانشغلنا عن القرآن بغيره، فلا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم.

 

والقرآن -يا عباد الله- كلام الله يتفاضل، فبعضه أفضل من بعض، فثمةَ سورةٌ من أقصر سورِ القرآن تعدل في أجرها وثوابها ثلث القرآن، وهي سورة الإخلاص؛ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)[الإخلاص: 1]؛ التي هي صفة الرحمن، قال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "إن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌتعدل ثلث القرآن".

 

 و(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)[الكافرون: 1]؛ هذه السورةُ العظيمة من قرأها في ليلةٍ فنام فماتَ دخل الجنة، و"اقرَؤوا الزَّهراوينِ البَقَرةَ، وسورةَ آلِ عِمرانَ؛ فإنَّهما تَأتيانِ يَومَ القيامةِ كَأنَّهما غَمامَتانِ أو كَأنَّهما غَيايَتانِ أو كَأنَّهما فِرقانِ مِن طَيرٍ صَوافَّ، تُحاجّانِ عن أصحابِهما، اقرَؤوا سورةَ البَقَرةِ؛ فإنَّ أخذَها بَرَكةٌ، وتَركَها حَسرةٌ، ولا تَستَطيعُها البَطَلةُ. قال مُعاويةُ: بَلَغَني أنَّ البَطَلةَ: السَّحَرةُ"(أخرجه مُسلمٌ في الصحيح).

 

 وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لا يزال القرآن شفيعًا لأصحابه حتى يُدخلهم الجنة"، فانظر نفسك -يا عبد الله- وحاسبها وراقبها، أأنت من أهل القرآن أم أنت ممن هجرته وجفيته، هجرت تلاوته وهجرت تدبُّره وهجرت العملَ بهِ والتحاكم إليه، فلا حول ولا قوةَ إلا بالله العظيم.

 

اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وما فيهِ من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارًا.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله؛ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا)[الكهف: 1]، والحمد لله (الَّذِي نَزَّلَ ‌الْفُرْقَانَ ‌عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)[الفرقان: 1]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجو بها النجاةَ يوم العرض على ربنا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الذي بعثه الله -جل وعلا- بالقرآن نبيًا ورسولاً، صلى الله عليهِ وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد يا عبد الله: ما شأنك مع القرآن؟ كم تقرأ في يومك منه؟ وكم تتدبَّر من كلام الله وكم تعمل فيه؟ فإن شأن الصحابةِ في هذا شأنٌ عظيم، ما زالوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يتنزَّل عليهم القرآن فلا يُجاوزون العشر آيات حتى يقرؤونها ويحفظونها ويعملون ما فيها من العمل، ولهذا فازوا في الدنيا وسيفوزون يوم يقدِمون على ربهم.

 

 نعم يا عباد الله، ثبت عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في أحاديث عديدة أنه "من قرأ عشر آياتٍ في يومه لم يُكتب من الغافلين"، فجاهدوا أنفسكم -عباد الله- جاهدوا أنفسكم مع القرآن، وبكِّروا إلى المساجد، واجعلوا لكلامِ الله -جل وعلا- من أوقاتكم حظًا ونصيبًا، ومن ليلكم ترتيلاً وتغنّيًا بكلامِ الله -عَزَّ وَجَلَّ- القرآن.

 

 أما شأن الصحابة في تحزيب القرآن فإنه شأن عظيم، فكانوا يُحزِّبونه سبعةَ أحزاب؛ أي أنه يختمونه في كل سبعةِ أيام، في اليوم الأول أربعة أجزاء في سورةِ الفاتحة والبقرةِ وآلِ عمران، ثم الخمس التي بعدها، ثم السبع التي بعدها، ثم التسع التي بعدها، ثم الإحدى عشرة التي بعدها، وآخر ذلك في جزء المُفصَّل، هذا شأنهم مع كلام الله؛ حُبًا به وفرحًا فيه وهذا شأنهم مع هذا القرآن.

 

 ومن عُصاتنا مَن شأنه مع الغناءِ والطرب، ومع الشيلاتِ بأنواعها، ومع القصائِد والكذب، ومع الزور والفُحشِ والبهتان، أعظم فرحًا بها، ثم بعد ذلك يموت قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

 اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم اللهم تسليمًا، اللهم وارضَ عن الأربعةِ الخلفاء، وعن العشرةِ وأصحابِ الشجرة، وعن المُهاجرين والأنصار، وعن التابعِ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

 اللهم أبرم لهذه الأمةِ أمرًا رشدًا يُعز به أهل طاعتك، ويُهدى بهِ أهل معصيتك، ويؤمر فيهِ بالمعروف، ويُنهى فيهِ عن المنكر يا ذا الجلال والإكرام.

 

 اللهم آمنا والمُسلمين في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا والمُسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك، اللهم أصلح له بطانته ومُستشاريه، اللهم اجعلنا وإياهم هداةً مهديين ممن يقولون بالحق وبه يعدلون.

 

 اللهم كن لجنودنا المرابطين على حدودنا، وكن لعبادك المُستضعفين في كل مكان، اللهم كنا لنا ولهم وليًا ونصيرًا وظهيرًا، اللهم أفرغ عليهم الصبر إفراغًا، اللهم سدَّد رأيهم ورميهم، اللهم من مكر بنا أو بهم فامكر به يا خير الماكرين.

 

 اللهم اجعل ما أنزلته علينا من هذه الأمطارِ والخيرات رحمةً وبلاغًا إلى حين، اللهم اغسل بها بلادنا، واغسل بها قلوبنا من الأدرانِ ومن الحسدِ والحقدِ، واسلل بها سخائِم صدورنا يا ذا الجلالِ والإكرام، اللهم وأتبعها بالغيث المُباركِ النافع الذي تنفعُ به البلاد والعباد يا خير من دُعي، وخير من سُئِل يا رب العباد يا ذا الجلالِ والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذاب النار.

 

 عباد الله؛ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ‌ذِي ‌الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]؛ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نِعمهِ يزدكم، (‌وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

 

المرفقات

قراءة القرآن.doc

قراءة القرآن.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات